أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / يزيد بن معاوية وحكام عصرنا 1 من 7

يزيد بن معاوية وحكام عصرنا 1 من 7

د. هاني السباعي

مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن.
عرض مقالات الكاتب

تقدمة:

كتب السيد: محمد الشنقيطي مدير المركز الإسلامي في تكساس بأمريكا تعليقاً على تعقيب شاب جزائري كتب بتاريخ [18 أكتوبر 2002] يعاتب الأستاذ الدكتور محمد عباس على تشبيهه الحكام المعاصرين بيزيد بن معاوية.

ثم في العدد التالي مباشرة لجريدة الشعب بتاريخ [25/10/2002م] كتب الأستاذ محمد الشنقيطي رداً على هذا الشاب المسكين حيث افتتح مقالته بقول الله تعالى {رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين}، ثم طفق يستعرض بعض أقوال علماء السنة في يزيد بن معاوية وخاصة استشهاده بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية.

لكن الذي أثار حفيظتي طريقة السيد الشنقيطي وهو يمتطي قلمه مستعرضاً بهذه النتف التي ابتسرها من أقوال ابن تيمية وبعض المرويات المنسوبة للإمام أحمد حيث يقول: (استغربت تعليق أخينا من الجزائر الذي حاول الدفاع عن يزيد بن معاوية.. وكأنه لم يطلع على ما كتبه أعلام السنة!!).

فلما قرأت هذه العبارة حوقلت واسترجعت وقلت لنفسي: ليت الأستاذ الشنقيطي نقل كلام علماء أعلام السنة كاملاً.. لكنه للأسف نقلها على طريقة {فويل للمصلين}!!

ثم يقول أيضاً بقلم يقطر استعلاء وعنجهية علمية: ( وهذه ظاهرة للأسف بين بعض الشباب المتدين الذين تصاغ أفكارهم من وراء ستار على أيدي الحكام الظلمة، الباحثين عن شرعية لظلمهم في التاريخ الإسلامي والشرع الإسلامي )!!

أقول: هؤلاء الشباب هم أكثر الناس فهما لطريقة السلف الصالح وهم أكثر الناس ولاء لدينهم وأكثرهم براءة من الحكام الظالمين الباحثين عن شرعية لظلمهم..

هؤلاء الشباب هم الذين قاموا بالواجب الشرعي يوم أن قعد الناس..

هؤلاء الشاب هم الذي كشفوا زيع أدعياء السلفية الذين هم ركن ركين لهذه الأنظمة الخارجة عن شرع الله..

هؤلاء الشباب تجدهم بين طريد وسجين وقتيل.. سل قوافل الشهداء وهي تخرج من فم التنين!! من الذي جاء بها إلى هذ السلخانات حيث الهول والتعذيب..

صدق القائل: رمتني بدائها وانسلت!!

بعد هذه التقدمة، أود أن ألخص ردي عبر النقاط التالية:

أولاً: النصوص التي اعتمد عليها الشنقيطي.

ثانياً: ردي على الشنقيطي من خلال نقل أقوال علماء السنة وخاصة ابن تيمية من نفس المراجع التي اعتمد عليها الشنقيطي.

ثالثا: أقوال بعض علماء السنة السنة في قضية يزيد بن معاوية.

رابعاً: صفوة القول.

أولاً: النصوص التي اعتمد عليها الشنقيطي:

ثم شرع الأستاذ الشنقيطي في حجته البالغة التي أراد بها أن يفحم أخانا الجزائري!! قائلاً: (وفيما يلي بعض الإيضاحات لفظائع يزيد ومكانته، لدى من لا يُتهمون بالتشيع أو التطاول على أهل الصدر الأول، عسى أن تكون فيها عبرة..

“قال صالح بن أحمد [بن حنبل]: قلت لأبي: إن قوما يقولون إنهم يحبون يزيد، فقال: يا بني، وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟” [1].

وقد رفض الإمام أحمد رواية الحديث عن يزيد لظلمه وجوره.

قال الحافظ ابن الجوزي: “أسند يزيد بن معاوية الحديث، فروى عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإسنادنا إليه متصل. غير أن الإمام أحمد سئل: أيُروى عن يزيد الحديث؟ فقال: لا ولا كرامة. فلذلك امتنعنا أن نسند إليه” [2].

وزاد ابن تيمية: ( قال: لا، ولا كرامة أوليس هو الذي فعل بأهل المدينة ما فعل؟ ) [3].

وقال الحافظ الذهبي: “كان [يزيد] قويا شجاعا، ذا رأي وحزم، وفطنة وفصاحة، وله شعر جيد.وكان ناصبيا فظا غليظا جلفا، يتناول المسكر، ويفعل المنكر. افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين، واختتمها بواقعة الحرة. فمقته الناس ولم يبارَك في عمره، وخرج عليه غير واحد بعد الحسين، كأهل المدينة قاموا له، وكمرداس بن أدية الحنظلي البصري، ونافع بن الأزرق، وطواف بن معلى السدوسي، وابن الزبير بمكة” [4].

ورغم امتناع أغلب علماء السنة من لعن المعين، تنزيها للسان عن فحشاء القول، فقد رأى بعض أهل العلم أن لا بأس بلعن يزيد بن معاوية “وهو رواية عن أحمد بن حنبل اختارها الخلال وأبو بكر عبد العزيز والقاضي أبو يعلى وابنه القاضي أبو الحسن. وانتصر لذلك أبو الفرج بن الجوزي في مصنف مفرد وجوز لعنته” [5].

وممن نحوا هذا النحو أيضا “الكيا الهرَّاس” [6].

ومستند هؤلاء أن يزيداً داخل في أحاديث كثيرة وردت بلعن من آذى أهل المدينة.

ومنها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدل”[7].

“اللهم من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفْه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه صرف ولا عدل” [8].

“من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبيَّ” [9].

“اللهم اكفهم من دهمهم ببأس – يعني أهل المدينة – ولا يريدها أحد إلا أذابه الله كما يذوب الملح في الماء” [10].

وقد استباح يزيد مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فصار عسكره في المدينة ثلاثا، يقتلون وينهبون، ويفتضون الفروج المحرمة.

ثم أرسل جيشا إلى مكة المشرفة، فحاصروا مكة، وتوفي يزيد وهم محاصرون مكة، وهذا من العدوان والظلم الذي فُعل بأمره ) [11].

أقول: كانت هذه أقوال بعض العلماء التي ذكرها الأستاذ محمد الشنقيطي..

ثم أنتقل الآن إلى الرد على هذه الفقرات…

ثانياً: ردي على الشنقيطي من خلال نقل أقوال علماء السنة وخاصة ابن تيمية من نفس المراجع التي اعتمد عليها الشنقيطي:

(أ): كلام ابن تيمية من مجموع الفتاوى: ” افترق الناس في يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ثلاث فرق‏:‏ طرفان ووسط: فأحد الطرفين قالوا‏:‏ إنه كان كافرًا منافقًا، وأنه سعى في قتل سبط رسول اللّه، تَشَفِّيًا من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وانتقامًا منه، وأخذًا بثأر جده عتبة، وأخي جده شيبة، وخاله الوليد بن عتبة، وغيرهم ممن قتلهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بيد علي بن أبي طالب وغيره يوم بدر وغيرها، وقالوا‏:‏ تلك أحقاد بدرية، وآثار جاهلية، وأنشدوا عنه‏:‏

لما بدت تلك الحمول وأشرفت ** تلك  الرؤوس  على  ربي

جيرون نعق الغراب، فقلت نح أولا تنح ** فلقد قضيت من النبي ديوني

وقالوا‏:‏ إنه تمثل بشعر ابن الزَّبَعْرى الذي أنشده يوم أحد‏:

ليت أشياخي ببدر شهدوا ** جزع الخزرج من وقع الأسل

قد قتلنا الكثير من أشياخهم ** وعدلناه  ببدر   فاعتدل

وأشياء من هذا النمط‏.‏ وهذا القول سهل على الرافضة الذين يكفرون أبا بكر، وعمر، وعثمان، فتكفير يزيد أسهل بكثير‏.

والطرف الثاني‏:‏ يظنون أنه كان رجلًا صالحًا وإمام عدل، وأنه كان من الصحابة الذين ولدوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وحمله على يديه وبرَّك عليه، وربما فضله بعضهم على أبي بكر وعمر، وربما جعله بعضهم نبيًا، ويقولون عن الشيخ عدي، أو حسن المقتول كذبًا عليه ‏:‏ إن سبعين وليًا صرفت وجوههم عن القبلة لتوقفهم في يزيد‏.‏

وهذا قول غالية العدوية والأكراد ونحوهم من الضلال، فإن الشيخ “عديًا” كان من بني أمية، وكان رجلًا صالحًا عابدًا فاضلًا، ولم يحفظ عنه أنه دعاهم إلا إلى السنة التي يقولها غيره كالشيخ أبي الفرج المقدسي، فإن عقيدته موافقة لعقيدته، لكن زادوا في السنة أشياء كذب وضلال، من الأحاديث الموضوعة والتشبيه الباطل، والغلو في الشيخ عدي وفي يزيد، والغلو في ذم الرافضة، بأنه لا تقبل لهم توبة، وأشياء أخر‏.‏

وكلا القولين ظاهر البطلان عند من له أدنى عقل وعلم بالأمور وسير المتقدمين؛ ولهذا لا ينسب إلى أحد من أهل العلم المعروفين بالسنة، ولا إلى ذي عقل من العقلاء الذين لهم رأي وخبرة‏.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

عوامل سقوط الأرض المقدَّسة في أيدي الاحتلال: رؤية معاصرة 1 من 7

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. بسم الله الرَّحمن الَّرحيم …