أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / ما بين إدلب وطرابلس شلال دماء

ما بين إدلب وطرابلس شلال دماء

درويش خليفة

كاتب سوري
عرض مقالات الكاتب

الأكثر وضوحا في ملف إدلب أن الدبلوماسية والقانون الدولي لن يقفوا في مواجهة طموح الروس في إعادة محافظة إدلب إلى سيطرة النظام، تاركين لشريكهم التركي اتفاقية أضنة مع إمكانية منحها بضع كيلومترات لإسكان المناهضين لنظام الأسد.

يرافقه تجاهل كامل للملف الإنساني بعد تهجير ما يقارب 340 ألف نسمة في آخر شهرين نحو الشريط الحدودي مع تركيا، حاملين معهم القليل من الأدوات التي تقيهم برودة الطقس والكثير من مآسي النزوح.

وما زاد من أرباك الوضع في إدلب مؤخرا، تشابك ملفها العسكري والسياسي مع الملف الليبي بالرغم من بعدهما الجغرافي 2130 كلم.

وعلى الرغم من تباعد أهداف الصراع في كل بلد، إلا أنهم يشتركون في نزيف الدماء وتقديم الأرواح، حيث يبحث السوريون في إدلب عن حياة آمنة بدون نظام الأسد، بينما الصراع الليبي، صراع محاور تتسابق للوصول لحكم كامل الجغرافيا الليبية.

روسيا بدورها تريد أن تسابق الزمن في إعادة السيطرة على إدلب وتسليمها لنظام الأسد قبل أي استحقاق مقبل على مستوى انتخابات مجلس الشعب في أيار/ مايو القادم أو الانتخابات الرئاسية السورية في منتصف العام المقبل.

أما تركيا فتحاول ألا تتحمل أعباء كارثة إنسانية بعد أي عمل عسكري للنظام وحلفائه على مناطق قطاع إدلب، والذي عملت القوات الروسية على قضمه من خلال استراتيجيتها التي صرح عنها وزير خارجيتها سيرغي لافروف تحت عنوان «خطوة بخطوة».

إذ أن الروس قاموا حتى اللحظة بقضم 30 كلم جنوبا من محافظة إدلب، بدءً من بلدة طيبة الإمام مروراً بمورك وخان شيخون، وما بين 14 حتى 19 كلم شرق الريف الادلبي.

وإذا ما قلنا هذا النهج يخالف مخرجات سوتشي، ولكن الذرائع دائما حاضرة على طاولة الدبلوماسية الروسية وهي وجود فصائل جهادية مصنفة على لوائح الإرهاب لم تستطع تركيا معالجة وجودها وإيجاد حلا يطابق ما تم الاتفاق عليه في سوتشي.

وعلى ما يبدو الشراكة الاقتصادية التركية الروسية المتصاعدة، لم تساهم حتى اللحظة في تقارب وجهات النظر السياسية والعسكرية بسبب تضارب المصالح وعدم الالتقاء أو الإيفاء في التزامات كل طرف للآخر.

وبالتالي، فإن السوريون امام مزيد من الكوارث الإنسانية التي لا تعني الفاعلين الدوليين والاقليميين بشيء سوى توفير بعض الخيام وتركهم لبركات السماء وبعض المساعدات التي تساهم فيها المجتمعات الأهلية.

وما استغربه في المعارك السورية، توافر الأموال والمعدات لفتح معركة جديدة بينما تغيب الأموال واللوجستيات عندما يتطلب الأمر مساعدة النازحين الفارين من هجمات الطيران الروسي وغموض التحرك التركي.

وحتى مناطق سيطرة النظام نجد الناس تقف في طوابير تنتظر دورها لتحصيل أسطوانة غاز أمام أعين الحليف الروسي المصنف المصدر الأول للغاز عالميا!

وإذا ما قارنا الأوضاع المعيشية الليبية بالسورية نكون مجحفين بحق السوريين، نزوح ثلاثة الآف ليبي جراء المعارك في طرابلس ومحيطها ليس كنزوح ثلاثمائة ألف سوري نحو العراء في غضون عشرات الأيام.

وفي الوقت الذي تفتتح مشافي ومراكز استقبال للمصابين في طرابلس، تقصف مشافي إدلب وبتركيز عالي المستوى من الطيران الروسي.

بعيدا عن لغة الأرقام تبقى دماء العرب السوريين والليبيين في نزيف ً مستمر، لحين تحقيق الأطراف الفاعلة غاياتها في كلا البلدين.

ووضوحا نرى أن المد الروسي يرافقه مد تركي والعكس صحيح حتى في منطقة شرق الفرات السورية عندما دخلت القوات التركية برفقة الجيش الوطني المعارض للمنطقة، لحقتهم القوات الروسية أو حتى تزامن دخولهما، وكذلك هو الحال في ليبيا المنافسة تشتد عسكريا وسياسيا بينهما مع الحفاظ على خطوة العودة لطاولة المفاوضات.

حقيقة الظروف التي يعانيها شعبي البلدين في ظل انحسار اقتصادها بسبب المعارك لا تعد وتحصى، الاقتصاد

السوري بلا هوية وهو في قعر القاع والاقتصاد الليبي ريعي يعتمد على النفط في عائداته، ومعارك طرابلس نذير شؤم إذا ما استمرت وتوقف ضخ البترول وتصديره، لأن خزينة الليبيين سوف تخسر ما يقارب 35 مليون دولار يومياً.

ما أستطيع أن أؤكده في الحالة الليبية السورية، أن ما تخسره روسيا في ليبيا ستعوضه في سوريا وما تخسره تركيا في سوريا ستعوضه في ليبيا، لأن الخسارة المزدوجة ستكون كارثية على اقتصاد أياً منهم وعلى طموحهم في التوسع الجغرافي.

إزاء عدم وجود سياسة أمريكية واضحة للمنطقة وغياب الدبلوماسية الأوروبية عن الملفات الشائكة كالملف الليبي والسوري، استطاعت روسيا خطف الأضواء بالعودة للمنطقة ودعمها لوكلاء عبر حرب البروكسي أو شركات مرتزقة (فاغنر على سبيل المثال).

وما يخفف آثار الغياب الغربي، اندفاع أنقرة للعب دور محوري، يكون معرقلا لمساعي موسكو في الانفراد والتمركز في دول حوض المتوسط والعمل على شراكة مع الروس تكون مكاسبها موزعة بين الطرفين وبذات الوقت تسد الفراغ الذي ولده الغياب الأوروبي الأمريكي خلال الأعوام الماضية من عمر الربيع العربي.

لا أستطيع تقدير خسارة قطاع الطاقة في حال بقاء الصراعات مشتعلة في الدول التي ترزح بالموارد النفطية ولكن أستطيع تأكيد أن الحروب سوف تنتهي بحل سياسي مهما طالت لأن بقاءها مشتعلة سوف يقوض خطط التنمية ويزيد من سباق التسلح العسكري الذي لا يستوي مع ثورة العولمة وما تبعها من تكنولوجيا المعلومات التي أصبحت من أهم مصادر بناء النظام الاقتصادي العالمي.

وفي مواجهة ذلك يحتم على أطراف الصراع المحلي في البلدين (سوريا- ليبيا) احترام مطالب شعبيهما التي خرجوا من أجلها عام 2011 في الحرية والعدالة والدولة العصرية الديمقراطية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

المعركة بين الثوابت الثورية والتوافه الوطنية

المحامي عبد الناصر حوشان من أوجه الصراع بين الثورة، والنظام المسارات التفاوضية …