أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / أبو الفداء اﻷيوبي الشهير (بالحموي)

أبو الفداء اﻷيوبي الشهير (بالحموي)

د. عامر الحموي

كاتب وأكاديمي سوري

عرض مقالات الكاتب

بقيت مملكة حماة اﻷيوبية جزيرة مستقلة ضمن المحيط المملوكي مدة مئة عام من غزو المغول بغداد وتقدمهم لبلاد الشام. وذلك بسبب سياسة المنصور الثاني اﻷيوبي ملك حماة مع الظاهر بيبرس والمنصور قالون إبان قتال التتار، وكذلك سياسة ابن أخيه أبو الفداء الحموي مع الناصر قالون بن المنصور ومع اﻷشرف خليل. وكان عمه الملك المنصور الثاني قد سحب جيش حماة كله إلى مصر عند الغزو المغولي لبلاد الشام استعدادا للمعركة الفاصلة وقاتل بشجاعة هو وأبو الفداء مع المظفر قطز والظاهر بيبرس فأقر الظاهر بيبرس الملك المنصور على مملكته في حماة وخاصة أن الظاهر بيبرس نشأ في حماة حتى بلغ العشرين من عمره وسيده الذي اشتراه ورباه نن الصغر هو تاجر حموي واسمه بيبرس. لذلك نسب الظاهر له، ولذلك لم يترك الظاهر بيبرس حب مدينته حماة التي نشأ وترعرع في ربوعها وكان دائم الزيارة لها وخاصة في فصل الصيف وبنى بقربها مصيف سمي على اسمه (ويسمى اليوم بقرية الضاهرية) وهي من أجمل القرى في حماة.

تولى بعد وفاة المنصور الأيوبي ملك حماة ابنه المظفر الثالث ثم ابن أخيه أبو الفداء الحموي (عماد الدين إسماعيل بن علي) الذي استطاع انتهج سياسة عمه المنصور الثاني الحكيمة واستطاع بقاتله الشرس للصليبين وتضحياته الجمة في سبيل الأمة أن يمد في عمر مملكة حماة اﻷيوبية داخل المحيط المملوكي مئة عام . وكان الناصر قالوون يحب لعب الشطرنج مع أبي الفداء الحموي وكانا يخططان للمعارك أحيانا سوية على رقعة الشطرنج. بقيت المملك الأيويبي في حماة إلى عام 742هـ، أي إلى بعد نحو قرنٍ من الزمان من انقراضها في مصر، لا ريب أن ذلك يعود إلى الصفات الفذّة التي كان يتحلّى بها، وإلى البيئة التي نشأ فيها.

ولد أبو الفداء الأيوبي في دمشق 672 هـ ، وكان منذ صغره مولعاً بالعلوم والآداب، حفظ القرآن الكريم ودرس الفقه والتفسير والنحو والمنطق والطبّ والتاريخ والعروض، وكان عاقلاً حكيماً، خلوقاً كريماً، شجاعاً، وخاصة حصاره لقلعة المرقب وفتحها وهو في الثانية عشرة من عمره، كما اشترك في فتح عكا وقلعة الروم، وفي الإغارة على بلاد السيس (الأرمن)، وفي سـنة 702هـ أغار التتار على مدينة القريتين شرقي مدينة حمص في بلاد الشام، فاختاره المماليك قائدا لفرقة من الجيش لردّ التتار عن القريتين، وذلك قبل أن يصبح ملكاً لحماة، فنجح في مهمته نجاحاً كبيراً، حيث ردّ التتار إلى حدود الفرات شرق سوريا، وقتل منهم عدداً كبيراً، كما كان سميراً ورفيقاً لابن عمه ملك حماة المظفر الثالث فكان يرسله سفيراً إلى السلطان، كما كان يصطحبه معه في رحلاته وغزواته وصيده، حتى إنه كان رفيقه في رحلة صيده الأخيرة التي وصلوا بها إلى قرب (قسطون)، ومرض الملك المظفر على أثرها وتوفي في سنة 698هـ، كما مرض أيضاً أبو الفداء حتى أشرف على الهلاك ثم شفي وعوفي. والسلطان الناصر قالوون، سلطان مصر والشام، كان يطلبه إليه، بعد أن أصبح ملكاً لحماة، ليكون سميراً له في مجلسه، ورفيقاً له في صيده، وعندما ذهب إلى الحج اصطحبه معه، ومن شدة إعجابـه بـه، بعد أن ولاّه نائباً له في حمـاة في سـنة 710هـ، وجعله ملكاً عليها في سنة 712هـ، ثم سلطان حماة في سنة 720. هو عالم موسوعي له العديد من الكتب أهمها كتاب تقويم البلدان وكتاب الكناش في النحو والبلاغة واللغة وكتاب المختصر في تاريخ البشر.

بنى مسجدا ومدرسة في الجهة الشمالية لمدينة حماة (حي الحاضر حارة الجسر) على ضفة نهر العاصي الشمالية، ويعرف مسجد أبو الفداء اليوم في مدينة حماة بجامع الحيايا لأن أعمدة النوافذ فيه عبارة عن بدعة معمارية على شكل أفاعي بلا رؤوس، وبجانب المسجد توجد المدرسة العلمية التي كانت عبارة عن جامعة مصغرة احتوت على مختلف صنوف العلم.

توفي أبو الفداء في عام 732هـ الموافق لعام 1331م ودفن في المسجد الذي بناه قبل موته بـٍ 5 أعوام في مدينة حماة.

ويقارن أبي الفداء في جمعه بين السياسة والعلم، بالخليفة العباسي الشهير المأمون، تكلم ابن الوردي : ” ولقد رأيت جماعة من ذوي الفضل يزعمون أنه ليس في الملوك بعد المأمون أفضل منه”.

رحمه الله تعالى وأحسن مثواه.

شاهد أيضاً

يبقى الماء ويذهب الزبد

د. عطية عدلان كاتب وأكاديمي مصري هذه الأمة كالماء؛ يبقى عذبا ما جرى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.