أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / عقدة المصطلحات

عقدة المصطلحات

بشير بن حسن

مفكر إسلامي.
عرض مقالات الكاتب

ابتلينا في هذا الزمان بعقد كثيرة ، منها النفسي ومنها الفكري ، إلا من رحم الله ، ومن بين هذه العقد عقدة المصطلحات !! فما هي عقدة المصطلحات؟؟
عقدة المصطلحات هي التمسك بحرْفية اللفظ وعدم القبول بتغييره ولا التنازل عنه للمصلحة العليا ، ظنا أن ذلك تمييع للدين وتنازل عن ثوابته !!
وما أكثر الأمثلة على ذلك في عصر لم نفهم أجواءه وآلياته وإكراهاته ، بل ظللنا متمسكين بالمصطلحات ، والتسميات، رافضين ما يمكن أن يقوم مقامها مع بقاء معانيها ، مع أن الشرع اعتبر المقاصد والمعاني وليس الألفاظ والمباني ، والدليل على ذلك كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهدي خلفائه الراشدين ،
أما الدليل من القرآن الكريم ، فإن الله تبارك وتعالى ردّ على الأعراب ( سكان البادية ) أن تسموا بالمؤمنين في قوله ( قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ  …. )
فهنا بين عز وجل أن العبرة ليست بالألقاب والأسماء بل بالحقائق والمعاني .
وفي قصة صلح الحديبية ما يدل على هذا الأصل أيضا ، فإن قريشا لما أرسلت سهيل بن عمرو ليفاوض النبي صلى الله عليه وسلم، و وقع الاتفاق على إبرام المصالحة ، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه الكاتب بينهما ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له ( اكتب باسم الله الرحمان الرحيم ) فاعترض سهيل بن عمرو قائلا : لا نعرف رحمانا إلا رحمان اليمامة !!
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اكتب باسمك اللهم ) !!! وتنازل النبي عليه الصلاة والسلام عن اسم من أسماء الله الحسنى ما دام أن المقصود باق ، وهذه المسألة لها علاقة بالعقيدة !!
ثم قال ( اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله قريشا ..) فاعترض سهيل بن عمرو ثانية وقال ( لو آمنا بك أنك رسول الله حقا ما صددناك عن البيت ) !!
فقال صلى الله عليه وسلم ( اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله قريشا — والله اني لرسول الله حقا — ) فأبى علي أن يمحوها ، فقال له ( أرنيها ( لأنه لا يقرأ ) فمحاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصبعه !!
وهكذا تنازل عن صفة الرسالة بعد التنازل عن اسم من أسماء الله!! ما دام أن المقصود متحقق ، والمعنى لم يزل ، فباسمك اللهم لا تختلف عن باسم الله الرحمان الرحيم، و وإزالة صفة الرسالة مع بقاء المصالحة بينه وبين قريش هو الغاية الكبرى الآن !!
وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جاءه نصارى بني تغلب وكانوا أهل شوكة ، فقالوا له يا أمير المؤمنين قد كبر علينا أن تسموا ما ندفعه لكم ” جزية” وإن وراءنا قبائل تأبى ذلك فلو أنك سميتها بشيء،اخر ؟؟ فقال نسميها ” الصدقة المضاعفة ؟ قالوا نعم ، فدفعوها وانصرفوا !! فضحك عمر وقال ( عجبا لأمرهم رفضوا الاسم وقبلوا بالمعنى ) !!
فهذا عين الفقه ، أن ننظر إلى المعاني لا إلى المباني ، وإلى حقائق الأشياء لا إلى أسمائها ، لأن العبرة ليست بالعنواين بل بالمضامين ، خاصة إذا ابتلينا بأقوام عندهم حساسية مفرطة من كل المصطلحات الشرعية والدينية ، وهي أيضا عقدة الرفض ، فلا ينبغي أن نقابل هذه العقدة بعقدة تناقضها وهي المبالغة في التمسك بحرفية الكلمة حتى نفوت على انفسنا المصالح و نقع في المفاسد !! تعنتا وعنادا و مكابرة ولو كنا نعتقد أنها عزة و تمسك بالدين !!
وفي هذا السياق أسوق مثالين مت الواقع المعاصر، يدل على أن عقدة المصطلحات مستحكمة فينا لم نتمكن من مجاوزتها بعد ،
المثال الاول :
في بعض السنوات الماضية تقدم بعض الاخوة الفضلاء العاملين في مجال المالية الإسلامية بمشروع لدى وزارة المالية الفرنسية، عرضوا فيه الرغبة في تأسيس مصرف إسلامي، يتيح للجالية هنا أن تتعامل معه خاصة بما يسمى المرابحة لاشتراء البيوت أو السيارات أو نحو ذلك ، مع العلم أن الدولة مستفيدة من ذلك ، و كان المشروع مدروسا بشكل جيد ، و موافقا للفصول القانونية ، لكنه قوبل بالرفض لا لشيء إلا لأنه يحمل اسم ( مصرف إسلامي ) !! هي عقدة مصطلح إسلامي!! فلو أنهم سموه بتسمية أخرى لمرّ ونجح واستفاد منه المسلمون !!

المثال الثاني:

ما حصل في تونس أخيرا في مجلس الشعب ، و جدلية التصويت على صندوق الزكاة ، الذي قوبل بالرفض من قبل أكثر الأحزاب، حتى ممن يتسمى باسم إسلامي!!
ولو أنهم سموه باسم اخر ، لوقع التصويت عليه ، لكنها عقدة المصطلحات رفضا و تمسكا ، رفضا ممن يجهل جهلا مركبا أو يحقد على كل ما له صلة بالدين ، و تمسكا ممن لم يفرق بين اعتبار المعاني والمباني !!

وعلى هذا فيجب علينا أن نفقه واقعنا بعد فقه ديننا ، وأن لا نقع في ما يجلب لنا الويلات أو العقبات .
بل صارت المصطلحات الدينية مستعملة كطُعم يصطادنا العدو به ، وخدعنا من خلاله، ونحن نجاريه و نقع في شراكه فقط يكفي أن يغازلنا بتلك الكلمات الدينية !!
لقد عرف الذئاب من أين يدخلون علينا ، واستغلوا محبتنا لديننا ، فضربونا بسلاحنا ،
ومن ذلك أيضا ، أسماء الجماعات والمناهج الدعوية ، أو أسماء الدول و طبيعة أنظمتها ، فكم من بلد يتسمى بالاسلام وانه بلد إسلامي ، وأنه يطبق الشريعة و لكنه بلد نظامه ملكي ظالم مستبد لا علاقة له بالدين ولا بالشرع الا مجرد المتاجرة بهذه المصطلحات ، ولكن الخرفان البشرية تنخدع بذلك ..
كما أنه كم من بلد يتسمى ببلد علماني ، و لكنه على أرض الواقع هو أقرب إلى نظم الاسلام وعدالته وقيمه من دول الاسلام نفسها ، ولكننا بمجرد أن نسمع منه أنه بلد علماني ننفر دون النظر في حقيقة الأمر !!
وهكذا لا يزال الجدل قائما حول ما يسمى بمدنية الدولة ،وهل نظامنا ديني أم مدني ؟؟؟ وكل من الفريقين يتمسك بمصطلحه في عقدة مستحكمة !!

فمتى نتعافى ؟ ومتى نفقه ؟
وصدق الله إذ يقول ( فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الاحتلال الروسي لسوريا..البطريرك وليس بوتين!

أحمد الهواس لم يكن مفاجئًا أن تعلن روسيا دخولها العلني لمقاتلة الثورة السورية بتاريخ 29 …