أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / هدف الحرب على العراق: دحْر الإرهاب أم التَّنصير؟ 3 من 5

هدف الحرب على العراق: دحْر الإرهاب أم التَّنصير؟ 3 من 5

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

تحليل موجز لأهم ما تتضمَّنه رواية الجهاد الأخير (2002)

تبدأ أحداث الرواية بوصف الموكب الرسمي لرئيس الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، وهو أول رئيس يخلف جورج دابليو بوش، كما تروي الأحداث الخياليَّة. يقدُم الرئيس الأمريكي لقضاء عُطلة عيد الشُّكر في مدينة دنفر، في ولاية كولورادو، التي عمل محافظًا لها، قبل أن يتولَّى الرئاسة. كانت دنفر المدينة الأخيرة ضمن جولة الرئيس للاحتفال بفوزه بالانتخابات النصفيَّة، ووقف مؤيِّدوه لاستقباله بالأعلام الأمريكيَّة، وقد رسموا على أيدهم شعارات مناصرة له. يتحدَّث روزنبرغ عن الأوضاع الداخليَّة في أمريكا برسم صورة إيجابيَّة، ربَّما تخالف الحقيقة؛ فالاقتصاد الأمريكي صار في أقوى حالاته، والبطالة تنخفض مستوياتها بوتيرة سريعة، والبورصة تنتعش، والأمن الداخلي استتبَّ، والأهم من ذلك كلِّه، حقَّقت الحرب على الإرهاب نجاحًا لا يُضاهى، بعد القضاء على تنظيمي طالبان والقاعدة، والعثور على أسامة بن لادن مقتولًا. بتدخُّل من قوة دلتا الأمريكيَّة والقوَّة الجويَّة الخاصَّة البريطانيَّة، دُمِّر 43 معسكرًا لتدريب الإرهابيِّين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

أمَّا عن الأوضاع خارج أمريكا، فكانت على النقيض؛ فالاقتصاد العالمي يعاني من الركود، وتنتشر في مختلف أنحاء أوروبا وآسيا الاغتيالات والتفجيرات بواسطة سيَّارات مفخَّخة. يعزي الكاتب حالة الاضطراب تلك إلى سعي بعض الجماعات الإرهابيَّة الباقية إلى الهجوم على “الشيطان الأكبر”، مستخدمًا المسمَّى التحقيري الذي تستخدمه إيران في وصف أمريكا، مما يعني أنَّ دولة الملالي كانت لم تزل باقية، وتدير عمليَّات إرهابيَّة. يفتح الحديث عن الإرهاب واستمرار مواجهة أمريكا تهديدات لأمنها القومي، المجال أمام تقديم محاولة الاغتيال التي يتعرَّض لها الرئيس الأمريكي، برغم التشديدات الأمنيَّة المضاعَفة من بعد تفجير برجي التجارة في نيويورك، في 11 سبتمبر 2001 ميلاديًّا. يصف الكاتب مشهدًا مروِّعًا لعمليَّة تفجيريَّة تستهدف الرئيس خلال لقاء جماهيري في مدينته الأصليَّة، مع الإشارة إلى نجاته بفضل الاحتياطات الأمنيَّة، وسقوط ضحايا من المدنيِّين الأبرياء العُزَّل.

ينتقل روزنبرغ بالقارئ إلى مشهد آخر، تدور أحداثه في البلدة القديمة، في القُدس الشريف، أو أورشليم، كما يسمِّيها الكتاب المقدَّس. يتسلَّط الضوء على جون بينيت، مستشار الرئيس المقرَّب، في رحلة عمل إلى إسرائيل؛ لإبرام صفقة لاستخراج الغاز من ساحل البحر المتوسِّط الذي يطلُّ عليه قطاع غزَّة وأجزاء من إسرائيل. يلقى الكاتب مزيدًا من الضوء على هويَّة الرئيس الأمريكي في الرواية، ويُدعى جيمس ماكفرسون، وهو رجل أعمال ومستثمر، كوَّن إمبراطوريَّة ماليَّة تُقدَّر بالمليارات، وأراد لمؤسَّسته الاستثماريَّة أن تصير المعادل لوكالة المخابرات المركزيَّة الأمريكيَّة، من حيث القدرة على توقُّع الاضطرابات الاقتصاديَّة والسياسيَّة في العالم؛ ومن ثمَّ استغلال ذلك لصالحها، وكانت مهمَّة بينيت هي جمع المعلومات، واستفاد ماكفرسون من ذلك كثيرًا في تكوين ثروته الطائلة.

يقترح روزنبرغ خطَّة للتفاهم الفلسطيني-الإسرائيلي من خلال التعاون في استخراج الثروة النفطيَّة المشتركة، مشيرًا إلى الاستفادة المتبادلة بين الطرفين من جرَّاء ذلك التعاون. يقوم المشروع الذي يفد مستشار الرئيس الأمريكي إلى إسرائيل لإبرامه، على أن تتولَّى شركات أجنبيَّة عاملة في مجال الطاقة التنقيب عن الغاز الطبيعي، ويسهم ذلك في تعزيز الاقتصاد الفلسطيني، كما يمنح إسرائيل أولى فرص الاستقلال في مجال الطاقة؛ والمشروع يحتاج إلى تكاتُف جهود الطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي، لحُسن إدارته. يشير الكاتب إلى سعادة ياسر عرفات، رئيس السلطة الفلسطينيَّة الراحل، باكتشاف آبار الغاز، معتبرًا إيَّاها أساسًّا صلبًا للدولة الفلسطينيَّة. يعود مستشار الرئيس بالزمن عقدًا إلى الوراء، مسترجعًا أحداث 11 سبتمبر الشهيرة، التي جمَّدت مساعي السلام بين فلسطين وإسرائيل، بعد أن أعلن جورج دابليو بوش “الحرب على الإرهاب”، وأصبح أسامة بن لادن حديث الأمَّة الإسلاميَّة، بل والعالم كلِّه. غير أنَّ الأمل في إعادة مساعي السلام تجدَّد، بعد القضاء على حركات المقاومة الإسلاميَّة، التي يصفها الكاتب بـ “الإرهابيَّة”، وهي حماس وحزب الله والجهاد الإسلامي، بفعل الحكومة الإسرائيليَّة، والموافقة الضمنيَّة للإدارة الأمريكيَّة؛ وبعد البطش بالإرهابيِّين في بلدان عربيَّة توصف بـ “المعتدلة”، مثل مصر، والأردن، والمغرب، في تقدُّم ملحوظ، وإن لم يكن مثاليًّا.

قبل أن يتعافى الرئيس الأمريكي بالكامل من جرَّاء الهجوم الإرهابي، يُعلن عن تعرُّض القصر الملكي البريطاني للقصف بقذائف هاون وآر بي جي، وتُجلى الملكة إلى إحدى المستشفيات العسكريَّة في إجراء وقائي. لم تُعرف هويَّة منفِّذي الهجوم في بريطانيا، ولكن الاستنتاج الأقرب إلى الحقيقة وقتها كان أنَّ وراء الهجومين مخابيل، هدفهم تدمير الحضارة الغربيَّة، والاعتداء على حكومات صديقة لأمريكا، من أعضاء حلف الناتو. أظهرت التحريات أنَّ محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي ضمن خطَّة “وقحة ووحشيَّة”، وضعها صدَّام حسين بنفسه؛ للتخلُّص من الأمريكيِّين والإسرائيليِّين. أوكل صدَّام حسين إلى أحد أقوى رجالات الاستخبارات لديه، ويُدعى خالد عزيز، مهمَّة اغتيال الرئيس الأمريكي. ويستعرض روزنبرغ تاريخ عزيز، موضحًا أنَّه كان رئيس حرس الجمهوريَّة العراقيَّة، الجهاز العسكري الأقوى لدى صدَّام؛ وكان عزيز صاحب فكرة تأسيس مخابئ تحت أرضيَّة شديدة التحصين ومضادَّة للقصف، يحتمي بها القادة في حالات الحرب والاضطرابات. غير أنَّ أخطر مهمَّة أجراها عزيز هي إفشال عمل لجنة الأمم المتحدة الخاصَّة لنزع أسلحة الدمار الشامل العراقيَّة (UNSCOM).

أمَّا عن الدافع الأساسي وراء خطَّة صدَّام حسين آنفة الذِّكر، فهو إفشال مشروع التنقيب عن الغاز الطبيعي، المفترض إبرامه لصالح فلسطين وإسرائيل معًا، بعد أن استشاط صدَّام غضبًا من إمكانيَّة تحقيق إسرائيل ثروة من خلال مبيعات النفط، وأراد الإخلال باستقرار منظَّمة الأوبك. اعتبرت الزعامات العربيَّة، المتطرِّفة في نظر الكاتب، أنَّ في تعاوُن قيادات فلسطينيَّة مع الاحتلال خيانةً، خاصَّة مع وجود دور لأمريكا، في تمويل المشروع ودفع القيادات الفلسطينيَّة إلى مباركته. من أجل تنفيذ تلك الخطَّة، وفَّرت إدارة صدَّام حسين أفضل الأسلحة والرجال؛ ومع فشل تلك الخطَّة، فالخطَّة البديلة كانت جاهزة.

يلقي الكاتب اللوم على العراق في إحداث الفوضى المنتشرة في العالم في تلك الآونة، مع الإشارة إلى الوصول إلى خليَّة من أربعة إرهابيِّين عراقيِّين يُشتبه في تورُّطهم في محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي. يُشار في الوقت ذاته إلى تحرُّكات للحرس العراقي في اتجاه الكويت والسَّعودية، في خطوة استباقيَّة تستهدف السيطرة على آبار النفط هناك، وإعاقة تكوين تحالُف غربي لمواجهة اعتداءات صدَّام حسين. تستدعي الأوضاع الأمنيَّة وجود قوَّات أمريكيَّة داخل السَّعودية، التي تتعرَّض لتهديدات قويَّة من جيش صدَّام، وتبقى مشكلة التحفُّظ السَّعودي على وجود قوَّات أجنبيَّة، خاصَّة من النساء والمسيحيِّين. غير أنَّ الحاجَّة الماسَّة إلى المساندة الأمريكيَّة من شأنها التخلِّي عن المحظورات، خاصَّة بعد نجاة الأسرة الحاكمة بأعجوبة من هجوم استهدف القصر الملكي. يشير الكاتب إلى حادثة أخرى صاحبت الهجوم على القصر الحاكم في السَّعودية، وهي تفجير في باريس أصيب خلاله رئيس الوزراء الكندي. ترتَّب على تكرار العمليَّات الإرهابيَّة تراجُع تداولات البورصة، وتقدُّم الرئيس الروسي بعرض لمساندة أمريكا في تعقُّب الإرهابيِّين، وسط مخاوف من إشعال العراق حربًا في المنطقة بهدف السيطرة على نفط الخليج.

بعد أن يستعيد عافيته، بعد الأزمة التي تعرَّض لها نتيجة إصابته خلال عمل الإرهابي الذي استهدف لقاءه الجماهيري في بلدته، دنفر، يتناقش الرئيس الأمريكي مع مستشاره، بينيت، المكاسب المتوقَّعة في حالة شنِّ حرب على العراق. يعتقد الرئيس أنَّ تلك الحرب يمكنها القضاء على أكبر تهديد في منطقة الشرق الأوسط، التي ينعتها بـ “محور الشرِّ”، وحينها يمكن تنفيذ مشروع التنقيب عن النفط في البحر المتوسِّط، المشروع الذي من شأنه أن يجعل من كلٍّ من فلسطين وإسرائيل من أغنى دول العالم، بالإضافة إلى إمكانيَّة إحلال السلام في المنطقة بفضل “صفقة السلام التاريخيَّة” تلك، الأمر المأمول منذ خمسة آلاف عام، على حدِّ قول الرئيس. تجدر الإشارة في هذا السياق إلى اعتراف الرئيس الأمريكي بالسيادة الفلسطينيَّة على دولة باسم “فلسطين”، على عكس ما تتضمَّنه صفقة القرن المرتقبة، من إلغاء لمقترَح حلِّ الدولتين، وعدم الاعتراف بدولة للشعب الفلسطيني.

يعود بنا روزنبرغ إلى الصراع الدائر مع العراق، بوصفه انتهاكات الحرس العراقي، ومنها إسقاط طائرات مراقبة أمريكيَّة، وإرسال وحدات عسكريَّة إلى الحدود مع السَّعودية والكويت، وإعداد المفجِّرين إلى لحظة بدء القتال. توصف بغداد، عاصمة العراق، بأنَّها صارت “مدينة أشباح”، ويُلقى الضوء على خطاب صدَّام حسين العدائي تجاه إسرائيل، حيث يدعو في أحدث خطاب جماهيري له إلى استعادة مجد فلسطين من النهر إلى البحر، وانتزاع القُدس من أيدي الصهاينة، الواجب محوهم من الوجود.

ويُنسب إلى صدَّام في الرواية قوله “سنجعل دم المعتدين المحتلِّين من الصهاينة المجرمين يتجمَّد، ثمَّ يتوقَّف نهائيًّا. لا نيَّةَ لي إلَّا أن أفعل ما يرضي الله، ويعود بالمجد على الأمَّة العربيَّة. لن يخذل الله الأمَّة العربيَّة، وسننتصر. الله أكبر…الله أكبر…الله أكبر…الله أكبر، وليُخزى أعداء الأمَّة من أتباع الإمبرياليَّة والصهيونيَّة…ولعنة الله على اليهود.” يكمن خطر العراق على إسرائيل في نيَّة نظام صدَّام حسين استخدام أسلحة دمار شامل، من بينها أسلحة نوويَّة، لتدمير إسرائيل، وفي ذلك ما يبرِّر مساعي شنِّ الحرب على العراق، داخل الإدارة الأمريكيَّة. يتطرَّق روزنبرغ إلى تمويل إيران للإرهاب ضدَّ روسيا، بتأسيس خليَّة تحت اسم “النكبة” لإشعال حرب في روسيا. أمَّا عن قائد تلك الخليَّة، فكان إرهابيًّا يعيش في روسيا، اسمه محمَّد جبريل، قُدِّم باعتباره كان يسعى ليكون في موقع بن لادن، من حيث تزعُّم الجماعات المسلَّحة، الضالعة بأعمال إرهابيَّة تستهدف الغرب.

من الأمور الواجب الإشارة إليها تعمُّد روزنبرغ إثارة العداء القديم بين بني إسرائيل ومملكة بابل القديمة، إلى حيث نُفي فئة من صفوة بني إسرائيل لفترة تراوحت ما بين 40 و60 عامًا في عهد الملك نبوخذ نصَّر. يُقدَّم صدَّام حسين باعتباره “من سلالة الملك العظيم نبوخذ نصَّر، الذي حَكَم البلاد بأيدٍ من حديد”. على هذا النحو، يجعل روزنبرغ من غزو العراق محاولة للثأر لبني إسرائيل من البابليِّين؛ برغم مرور عشرات القرون على السبي البابلي، وعدم مشاركة الأجيال الحالية من العراقيِّين في السبي؛ ومن ثمَّ لا ذنب لهم ليكونوا فريسة للانتقام الأمريكي-الإسرائيلي. يصف خالد عزيز، القائد العسكري المقرَّب إلى صدَّام، اليهود بـ “الصهاينة الأنذال، الكافرين الذين يدنِّسون الأرض ويلوِّثونها ويسمِّمونها”.

يقصد روزنبرغ من كلِّ تلك المزاعم أنَّ نظام صدَّام شنَّ حربًا على اليهود، المسالمين وفق وصفه، منحها صبغة دينيَّة، بأن اعتبر اليهود كافرين تجدر محاربتهم، في إشارة ضمنيَّة إلى الأمر الوارد في القرآن بقتال الكافرين حيث ثُقفوا. لإظهار صدَّام حسين بمزيد من الوحشيَّة والضراوة في قتال خصومه، يُشار إلى استخدامه السلاح الكيماوي في قتل ما يقرب من 100 ألف من خصومه خلال عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، مما يضاعف من ضرورة اتِّخاذ الجانب الإسرائيلي كافَّة التدابير الأمنيَّة لصدِّ عدوان صدَّام باستخدام السلاح النووي. يضع الكاتب القارئ الآن أمام مأساة يعيشها اليهود في إسرائيل، الذين يواجهون خطر “محرقة نوويَّة” تهدِّد بالفتك بـ 6 ملايين منهم، كما فُتك بنفس العدد خلال سنوات الحرب العالميَّة الثانية، في معسكرات الجيش النازي. وللتصدِّي لذلك التهديد، يطالب الإسرائيليُّون الإدارة الأمريكيَّة بشنِّ ضربة نوويَّة استباقيَّة ضدَّ نظام صدَّام، خاصَّة بعد أن وجدت لجنة الأمم المتحدة الخاصَّة لنزع أسلحة الدمار الشامل العراقيَّة (UNSCOM) أنَّ النظام كان لديه برنامج لتطوير أسلحة دمار شامل، بيولوجيَّة وكيميائيَّة ونوويَّة. 

يكشف رونزبرغ عن رؤيته للمنطقة العربيَّة مستقبلًا، بعد القضاء على سرطان “الإرهاب الإسلامي”، وتنفيذ مشروعات تنمويَّة يمكنها نقل المنطقة إلى مستوً رائق، يضعها في مصافِّ الدول الرائدة. فغزَّة وسيناء والضفَّة الغربيَّة ستكون السَّعودية الجديدة، بالانشغال بالتنقيب عن النفط وتصنيع منتجاته؛ وإسرائيل ستصبح بمثابة وادي السليكون الجديد، بتركيزها على المنتجات الحديثة، والأعمال المصرفيَّة، والخدمات الماليَّة والطبيَّة. أمَّا الأردن، فيمكنها أن تكون بمثابة منتجع سياحي عالمي يضاهي أشهر المنتجعات الجبليَّة في العالم. يعِد مشروع التنقيب عن النفط، آنف الذِّكر، بمنح كلِّ مواطن فلسطيني وإسرائيلي ما تتراوح قيمته بين نصف مليون ومليون دولار من الأسهم في شركة التنقيب المزمع تأسيسها، في الوقت الذي لا يتجاوز دخل الأسرة الفلسطينيَّة 1500 دولار في العام، على حدِّ وصفه، ممَّا يعني أنَّ غالبيَّة الفلسطينيِّين سيصبحون “من أصحاب الملايين بين عشيَّة وضحاها”.

يتطرَّق الرئيس الأمريكي في حديث له مع مستشاره، بينيت، إلى أهميَّة التوصُّل إلى اتفاقيَّة سلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي؛ لما لتلك الاتفاقيَّة من منافع حقيقيَّة وملموسة للطرفين. ولتحقيق تلك الغاية، “لا يمكن النظر إلى ذلك (الاتفاقيَّة) باعتبارها سلسلة من التنازلات، إنَّما باعتبارها استثمارًا عظيم الربح؛ ليس ربحًا من المساعدات بالمليارات التي تقدِّمها أمريكا وأوروبا، إنمَّا الثروة الحقيقيَّة التي يجنيها الإسرائيليُّون والفلسطينيُّون من تعاونهم في مشروع التنقيب عن النفط والغاز”. يضيف الرئيس أنَّ إخراج إسرائيل من دائرة الصراع المباشر مع العراق كان من الأولويَّات، خاصَّة في سبيل تفادي استخدام السلاح النووي.

نأتي إلى دور إسرائيل في التصدِّي للعدوان العراقي، وينتقل بنا روزنبرغ إلى أورشليم، إلى منزل الدكتور أليعازر موردخاي، الرئيس الأسبق للموساد الإسرائيلي، الذي يعرف صدَّام حسين أفضل من سواه على وجه الأرض، والذي شكَّل قناة سريَّة للتواصل بين الرئيس الأمريكي وياسر عرفات، رئيس السلطة الفلسطينيَّة السابق. وُلد موردخاي في الصرب عام 1935 ميلاديًّا، ابنًا وحيدًا لأب أستاذ في الدراسات الروسيَّة وأم تعمل ممرِّضة. استقرَّت الأشرة في فلسطين في خريف عام 1945 ميلاديًّا، ليشارك الأب في “حرب الاستقلال الإسرائيليَّة” (Israeli War of Independence)، أو حرب عام 1948 ميلاديًّا، المحسومة لصالح اليهود، والتي على إثرها أُعلنت دولة إسرائيل منتصف مايو من العام ذاته. لقي والدا موردخاي مصرعهما في تفجير إرهابي في أورشليم عام 1953 ميلاديًّا، بينما كان هو في معسكر تدريبي للجيش الإسرائيلي. أصبح موردخاي ضابط استخبارات، أوَّلًا لدى منظَّمة الاستخبارات العسكريَّة، ثمَّ لدى الموساد. أمَّا عن دراسته الجامعيَّة، فقد جمعت بين الدراسات السوفييتيَّة ودراسات الشرق الأدنى. يتقن موردخاي الروسيَّة والفارسيَّة والعربيَّة والإنجليزيَّة، وقد تركَّز عمله في الموساد على الشؤون العربيَّة والملف النووي، وكانت له جهود ملموسة تستهدف مكافحة الإرهاب.

يشارك في لقاء مستشار الرئيس الأمريكي، بينيت، بالرئيس الأسبق للموساد، موردخاي، فلسطيني يُدعى إبراهيم سعيد، يتعاون مع اليهود، زاعمًا أنَّ هدفه إنهاء الصراع وإحلال السلام. يلقي روزنبرغ الضوء على عقليَّة سعيد، الذي يتبيَّن عدم وعيه بحقيقة الصراع على أرض فلسطين. يقول الرجل نصًّا “نشأت غريبًا على أرض غريبة-أرضي-التي تعاقب عليها الاحتلال، البابلي والفارسي، المصري والعثماني، البريطاني والأردني، والآن الإسرائيلي…حتَّى سنوات قليلة مضت، كنت أتعجَّب دائمًا لماذا هذا الهرج والمرج هنا؟ لماذا يتصارعون على أرض متواضعة القيمة الجوهريَّة؟ إذا كان يريدون الصراع، فليتصارعوا على الخليج، حيث يوجد الغاز؛ حيث يوجد النفط؛ حيث توجد الثروة. بالنسبة لي، هذا ما يجدي. غير أنَّ الحرب هنا كانت الأشد حموًّا في هذا المكان…حتَّى قبل اكتشاف النفط والغاز. لماذا؟ لم أستطع أبدًا تفسير ذلك”. يضيف سعيد أنَّه قد نما إلى قناعته أنَّ قوى كونيَّة خارقة للطبيعة تتصارع في الخفاء من أجل السيطرة على الأرض المقدَّسة. سينتصر الخير على الشر، في رأي سعيد، عند إبرام صفقة التنقيب عن الثورة النفطيَّة التي ستنشل الجميع من الفقر، وتضعهم في مصافِّ الأمم المتقدِّمة.

 يكشف الدكتور موردخاي عن إيمانه بعقيدة التدبيريَّة الإلهيَّة من خلال حديثه عن حسم الصراع لصالح اليهود. يقول موردخاي أنَّ الربَّ يعدُّ “خططًا” لليهود، وكذلك للعراقيِّين، في إشارة إلى الاعتقاد بأنَّ للبشر أدوارًا يُسندها الربُّ إلى كلِّ فرد بحسب درجة إيمانه. من هنا، ينطلق روزنبرغ في تبريره الحرب على العراق، التي صار 91 بالمائة من الأمريكيِّين يؤيِّدونها؛ و90 بالمائة منهم يعتقدون أنَّ صدَّام حسين كان ينوي استخدام سلاح نووي ضدَّ إسرائيل؛ و85 بالمائة منهم يعتقدون أنَّ صدَّام سيعاود محاولة استخدام سلاح دمار شامل؛ و81 بالمائة من هم أصبحوا يؤيِّدون استخدام الرئيس الأمريكي سلاحًا نوويًّا “لحماية الأمن القومي الأمريكي، إذا لزم الأمر”. بالفعل، تتصاعد الأحداث داخل أمريكا بما يستوجب ردًّا حاسمًا من الرئيس الأمريكي، بعد محاولة جديدة لاغتياله أثناء وجوده في الكاتدرائيَّة الوطنيَّة، التابعة للكنيسة الأسقفيَّة البروتستانتيَّة، شارك فيها بعض رجال الخدمة الخاصَّة المعنيَّة بحمايته. يتزامن ذلك مع محاولة لتفجير منزل الرئيس الأسبق للموساد، في وجود مستشار الرئيس الأمريكي، أثناء تدريبه مع آخرين، من بينهم الفلسطيني إبراهيم سعيد.

بعد أن يتبيَّن لأمريكا وإسرائيل أنَّ قوَّات تابعة لصدَّام حسين وراء المحاولة الأخيرة لاغتيال الرئيس الأمريكي، يجتمع رئيس الوزراء الإسرائيلي، ديفيد دورون، برجاله، ليتناقش معهم بشأن خطوة الردِّ. يتساءل دورون “ماذا نفعل الآن؟ هل نجلس وننتظر؟ هل ننتظر حتَّى نُذبح؟ أم نبادر بضربة استباقيَّة؟”، مضيفًا أنَّ اتِّخاذ القرار كان حاسمًا بالنسبة لتاريخ إسرائيل. في الوقت ذاته، يُسلِّط روزنبرغ الضوء على موقف خالد عزيز، القائد العسكري المقرَّب لصدَّام، الأرمل غير المعقِّب، الذي انصبَّ همُّه على الانتقام من أمريكا وإسرائيل. بعد تشاوُر مع صدَّام، يتَّخذ الرجلان قرارًا بإطلاق حملة “الجهاد الأخير”. غير أنَّ القوَّات الخاصَّة الأمريكيَّة كانت أسبق من عزيز في شنِّ هجمة مدوِّيَّة على العراق باستخدام قذائف نوويَّة قذفتها طائرات مسيَّرة على مدن العراق العتيقة. يصف روزنبرغ ارتفاع “سحابة الفطر” الناجمة عن التفجير النووي، ميلًا تلو ميل إلى السماء، ودويَّ الرياح المحمَّلة بالموادِّ المشعَّة، مشيرًا إلى تأمُّل الرئيس الأمريكي الموقف، حيث يقول في نفسه “في غمضة عين…بضغطة زرٍّ…انتهى كلُّ شيء…غير أنَّ الرئيس، في قرارة نفسه، كان يعرف أنَّ فعليًّا الأمر قد بدأ“.

وشهد شاهدٌ من أهلها”: ضابطة اتهام الإدارة الأمريكيَّة بالإهمال في منع هجمات سبتمبر لتبرير غزو العراق

وفق بياناتها الشخصيَّة على موسوعة ويكيبيديا الرقميَّة، سوزان لينداور هي ضابطة اتصال أمريكيَّة سابقة لدى جهاز الاستخبارات الأمريكي سي آي إيه، وتعمل حاليًا كاتبة وناشطة في مجال مناهضة الحروب. اكتسبت لينداور شهرة بعد كشفها ملابسات ما حدث في أحداث 11 سبتمبر من عام 2001، ميلاديًّا، وادِّعائها أنَّ العمل التفجيري دُبِّر بمعرفة السلطات الرسميَّة، كذريعة للهجوم على دول إسلاميَّة بتهمة رعاية الإرهاب. سُجنت سوزان لينداور عام 2004، وأُفرج عنها عام 2009، بعد إثبات عدم أهليَّتها للمثول أمام المحكمة؛ فأُسقطت عنها التُّهم المنسوبة إليها. ولينداور هي ثاني مواطنة أمريكيَّة تُحاكم بموجب قانون Patriot Act، المعروف بالعربيَّة باسم قانون مكافحة الإرهاب، الذي سُنَّ في أعقاب أحداث 11 سبتمبر ليمنح الشرطة الأمريكيَّة الحق في مراقبة الأشخاص وتفتيش منازلهم للتحرِّي عن أي مؤامرة إرهابيَّة تُدبَّر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الجذور الفكرية والعقدية للتعاليم الشيعية 1 من 3

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. في كتابه Treacherous alliance: …