أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / هدف الحرب على العراق: دحْر الإرهاب أم التَّنصير؟ 2 من 5

هدف الحرب على العراق: دحْر الإرهاب أم التَّنصير؟ 2 من 5

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

صور جديدة للتَّنصير

كما سبقت الإشارة، تضمَّنت قرارات المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني التوصية باتِّباع أساليب جديدة في التَّنصير، تخرج عن النمط المعهود، بالتشكيك المباشر في صحيح الإسلام أو استغلال الحاجة؛ وكان استخدام الحوار من بين الأساليب التي أوصي باستخدامها. تشير الدكتورة زينب عبد العزيز إلى مؤتمر عُقد في مصر، في مقر السفارة الأمريكيَّة بالقاهرة وتحت رعاية السفير الأمريكي في مصر ذاته، مطلع شهر يوليو من عام 2003 ميلاديًّا، تحت عنوان “نحو خطاب ثقافي جديد: من تحدِّيات الحاضر إلى آفاق المستقبل”، دون سابق إعلان. يندرج هذا المؤتمر ضمن آليَّات التَّنصير من خلال الترغيب؛ برغم أنَّ هدفه المعلَن كان تطوير التعليم في مصر. أمَّا عن السبب في اعتبار عبد العزيز ذلك المؤتمر صورة من صور الحرب الثقافيَّة على الإسلام، هو أنَّ نقاشات المؤتمر ركَّزت على نقد الخطاب الديني المعهود، مع التوصية بتجديده. لم تقتصر جلسات المؤتمرين على “محاولات التفكيك التي طالت كلَّ الثوابت الإسلاميَّة والتاريخيَّة”، ولكن امتدَّ إلى المطالبة بـ “حذف آيات وكلمات من القرآن الكريم، وعدم الاعتراف بالسلف الصالح، ونبذ التراث والمساس بالفقهاء القدامى، و …عمل لاهوت إسلامي جديد، وانتقاد ثبات النصِّ القرآني” (ص126).

لعلَّ أكثر ما يثير الاهتمام في توصيات ذلك المؤتمر مقارنة العالم الإسلامي بالغرب العلماني، من حيث تطبيق قيم الحداثة والمدنيَّة والاستناد إلى فلسفة عصر التنوير، الذي شهد الطفرة العلميَّة الهائلة في الغرب، بدايةً من القرن الثامن عشر للميلاد. انطلاقًا من الاعتقاد بأنَّ القرآن الكريم لم يعد يصلح لعصر الحداثة، وأنَّ الفتح الإسلامي لمصر كان غزوًا، طالب بعض المؤتمرين بـ “إعادة النظر في الدين برمَّته، وبفصل الدين عن الدولة، وتحويل العالم الإسلامي إلى العلمانيَّة”، هذا بالإضافة المطالبة بـ “منع تدريس القرآن الكريم في المدارس، وإنتاج خطاب ديني متطوِّر يواكب العصر في انفلاته الأخلاقي”، مع تغيير المناهج العربيَّة “وفقًا لوقاحة السياسة الأمريكيَّة ومطالبها”، على حدِّ قول عبد العزيز، التي تجد في استجابة مفكِّرين محسوبين على الإسلام إلى مثل تلك المطالبات الغربيَّة على حساب ثوابت الدين تطبيق لمقولة المبشِّر والرحَّالة الأمريكي الشهير صامويل زويمر “لن يقتلع الإسلام إلَّا أيدٍ مسلمة، من داخل أمَّة الإسلام”  (ص127).

تجديد الخطاب الدِّيني: ذريعة لهدم الإسلام من الداخل

تعتبر الدكتورة زينب عبد العزيز أنَّ مطالبة الغرب بتجديد الخطاب الديني بما يتناسب مع إيقاع العصر الحديث، ما هي إلَّا حيلة خبيثة لهدم ثوابت الإسلام، تحت مسمَّى فقه الأولويَّات التيسير والانفتاح على الآخر والتركيز على الجانب الحضاري للإسلام. على سبيل المثال، إذا كان في تحريم الإسلام للخمر ما يتعارض مع مساعي التقريب بين المسلمين والمجتمعات غير المسلمة، فلا مانع من طمس هذه الحقيقة تحت مسمَّى الاضطرار، تذرُّعًا بقوله تعالى “فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” (سورة البقرة: الآية 173)، برغم أنَّ الإباحة في حالة الاضطرار التي تنصُّ عليها الآية الكريمة لا تشمل شُرب الخمر. وتجد عبد العزيز في تلك المطالبة ما يتَّفق مع ما نقلته هيئة الإذاعة البريطانيَّة يوم 19 مارس 2003 ميلاديًّا، عن الرئيس جورج دابليو بوش، من قوله أنَّ اجتياح العراق جاء “لتتركتها أو لفرض العلمانيَّة عليها؛ لاقتلاع ذلك الدين الذي يتمخَّض عنه الإرهاب في الشرق الأوسط، وفي العالم بأسره”؛ والمقصود بالتتركة هو نشر العلمانيَّة ونبذ الإسلام وإخراجه من كافَّة المظاهر السياسيَّة والاجتماعيَّة، أسوةً بما فعله كمال أتاتورك في آسيا الصغرى، بعد إسقاط الخلافة العثمانيَّة عام 1924 ميلاديًّا، الذي سبقه بعام إعلان الجمهوريَّة التركيَّة. وتعلِّق عبد العزيز على آليَّات تجديد الخطاب الديني بقولها (ص140):

وتضع الدكتورة زينب عبد العزيز يدها على مفارقة جديرة بالاهتمام، وهي أنَّ في الوقت الذي يطالب فيه الغرب بتقليص دور الإسلام في الحياة اليوميَّة لمعتنقيه، وبطمس الهويَّة الإسلاميَّة بهدف الانفتاح على الآخرين، وبمنع تدريس القرآن الكريم في المدارس، يزداد تمسُّك الكنيسة الغربيَّة، كاثوليكيَّة كانت أم بروتستانتيَّة، بتعاليم المسيحيَّة. تضرب عبد العزيز المثل في ذلك بفرض البابا يوحنَّا بولس الثاني تدريس الدين المسيحي في مدارس الكتلة الشرقيَّة، بعد تخلُّصها من الشيوعيَّة، هذا إلى جانب مساعيه من أجل منح الدستور الأوروبي صبغة مسيحيَّة.

حرب وراءها كذبة: افتضاح حقيقة “أسلحة الدَّمار الشامل”

بعبارات صارخة تعبِّر عن غضب ممتزج بالحسرة، تُفرد الدكتورة زينب عبد العزيز قسمًا من آخر فصول كتابها (2003) لاستعراض زيف ادِّعاء الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج دابليو بوش، وشريكه في شنِّ الحرب على العراق، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير، بخصوص أسباب الحرب. بعد حملة إعلاميَّة شرسة، قادتها إدارة بوش، وشارك فيها وزراؤه، تبيَّن أنَّ ما أُثير عن امتلاك العراق أسلحة نوويَّة وبيولوجيَّة كذبة لا أساس لها من الصحَّة.

غلاف مجلَّة التايم 30 يونيو من 2003

تستعرض عبد العزيز أهم ما ورد في مجلَّة التايم الأمريكيَّة الشهيرة، في عددها الصادر في 30 يونيو من عام 2003 ميلاديًّا، وعنوانه “الوجوه الجديدة للعراق”، حيث تضمَّن أحد مقالاته “الإسلام هو الإرهابي والمسلمون ضحاياه”، وكذلك “المبشِّرون يصلُّون من أجل أن يفتك الربُّ بسلاح الدمار الشامل، وهو الإسلام”، ولعلَّ أخطر ما جاء في أحد المقالات “هناك من المبشِّرين من يقومون بالتمويه على هويَّتهم باتِّخاذ مذهب المتصوِّفة شكلًا للتقرُّب إلى المسلمين لتنصيرهم”، وقد سبقت الإشارة بالتفاصيل في أكثر من دراسة سابقة إلى أنَّ القبَّالة اليهوديَّة هي الأساس الذي قامت عليه المسيحيَّة البولسيَّة، وكذلك الصوفيَّة المغالية المحسوبة على الإسلام زورًا. ويقول التذييل المصاحب لغلاف المجلَّة “هل ينبغي على المسيحيِّين تنصير المسلمين؟“، مضيفًا أنَّ مجموعة كبيرة من المبشِّرين أطلقوا حملة تبشيريَّة لحمل الإنجيل إلى البلدان المسلمة، ليتساءل من جديد “هل ستثير تلك الخطوة ردَّة فعل سلبيَّة أكثر من الاعتقاد؟”.

تحت عنوان “الاجتياح الأمريكي للعراق (2003) وأسلحة الدمار الشامل: كَذَب آري فلايشر، وسَقَط ضحايا”، نشر موقع مركز أبحاث العولمة في 25 مارس من عام 2019 ميلاديًّا، مقالًا يتناول تصريح لآري فلايشر، السكرتير الصحافي للبيت الأبيض زمن اجتياح أمريكا للعراق، تزامنًا مع مرور 16 عامًا على الحرب. لم يجد فلايشر مفرًّا من الاعتراف بكذب المعلومات التي على أساسها تقرَّر شنُّ الحرب، والتي تتعلَّق بامتلاك العراق أسلحة دمار شامل، لكنَّه حرص على تبرئة ذمَّة جورج دابليو بوش، مدَّعيًا أنَّه لم يكذب، وملقيًا باللوم على خطأ البيانات الاستخباراتيَّة التي اعتمد عليها الرئيس الأسبق وقت اتِّخاذ قرار الحرب. وجاء في نصِّ دفاع فلايشر عن الرئيس الأمريكي الأسبق “وكالة المخابرات المركزيَّة (CIA) والأجهزة الاستخباراتيَّة في مصر وفرنسا وإسرائيل وغيرها استنتجت أنَّ صدَّام كان يمتلك أسلحة دمار شامل. تبيَّن أنَّنا جميعًا كنَّا على خطأ، وهذا يختلف عن الكذب”.

ويوضح سكوت ريتر، كاتب المقال، أنَّه على علم بالمعلومات التي استندت إليها الإدارة الأمريكيَّة وقت اتِّخاذ قرار الحرب، بفضل عضويَّته في لجنة الأمم المتحدة الخاصة بنزع أسلحة الدمار الشامل في العراق (UNSCOM)، بوصفه كبير مفتِّشي أسلحة، في الفترة ما بين عامي 1991 و1998 ميلاديًّا، مضيفًا أنَّه كشف زيف تلك المعلومات في تقرير نُشر في يونيو من عام 2002 ميلاديًّا، على موقع Arms Control Today التابع لرابطة الحد من الأسلحة. ويصف ريتر مزاعم آري فلايشر بأنَّها “مجرَّد استكمال للأكاذيب التي ردَّدها منذ البداية عن حالة الحرب الأمريكيَّة على العراق”، مشيرًا إلى أنَّ الهدف الوحيد لإدارة بوش الابن كان “التخلُّص من صدَّام”، وكانت المعلومات الاستخباراتيَّة موضع الحديث الذريعة التي احتاجت إليها الإدارة الأمريكيَّة لتبرير الحرب.

الجهاد الأخير (2002): مستقبل العالم الإسلامي من منظور صهيوني

تدخل رواية The Last Jihad-الجهاد الأخير (2002) ضمن مجموعة من المؤلَّفات المعبِّرة عن فِكر مؤلِّفها، جويل رزونبرغ، المؤمن بنبوءات العهد القديم عن نهاية الزمان، والمشبَّع بمعتقدات الصهيونيَّة المسيحيَّة، والمروِّج لأفكار الاستشراق اليهودي المعاصر. من الصعب حصر تاريخ روزنبرغ، الأمريكي-الإسرائيلي، ونشاطاته في بضعة سطور، ولكن قد يعطي هذا التقديم صورة عن كينونة هذا المستشرق ونظرته إلى العالم الإسلامي. وُلد جويل روزنبرغ لأب يهودي وأم مسيحيَّة ميثوديَّة، وأقدم أبواه على اعتناق عقيدة الميلاد الجديد (New Birth)، التي تؤمن بها الكنيسة الإنجيليَّة البروتستانتيَّة، وتعني إعادة إحياء الروح من خلال تجربة الاتصال بالرُّوح القُدُس. مرَّ روزنبرغ بتجربة الميلاد الجديد، ويعرِّف نفسه بأنَّه “يهودي يؤمن بيسوع”، وفق ما صرَّح به في مقال عنوانه “Spiritual Journey-رحلة روحانيَّة”، نُشر عبر موقعه الإلكتروني.

 استفاد روزنبرغ من شهرته في نشر أفكاره عن استشراف المستقبل في ضوء نبوءات الكتاب المقدَّس في شتَّى المؤسسات، الدينيَّة والسياسيَّة والإعلاميَّة. أمَّا عن موقفه من الإسلام، فهو رأي أتباع الصهيونيَّة المسيحيَّة، بأنَّه ليس بدين، إنَّما أيديولوجيَّة سياسيَّة، ناصحًا المسلمين بترك دينهم، ومعتبرًا أنَّ المعتدلين في الشرق الأوسط ممَّن يستحقُّون الدعم هم المرتدُّون عن الإسلام. جدير بالإشارة أنَّ روزنبرغ نهى في مقال له بعنوان “We Must Say “No” to Burning Religious Books: Jesus taught us another way-يجب أن نقول “لا” لحرق القرآن: يسوع علَّمنا خلاف ذلك”، نُشر في 8 سبتمبر 2010 ميلاديًّا، القس تيري جونز عن حرق نسخ من القرآن الكريم، لكنَّه في الوقت ذاته دعا إلى ترك الإسلام والإيمان بيسوع مخلِّصًا، مشجِّعًا على بناء جسور لنشر المسيحيَّة، من خلال حملات التَّنصير الحديثة. عمل روزنبرغ مستشارًا إعلاميًّا لعدد من كبار الشخصيَّات في أمريكا وإسرائيل، وكانت له تجربة في المشاركة في الحملة الانتخابيَّة لبنيامين نتنياهو عام 1999 ميلاديًّا، ولكن مُني الاثنان بهزيمة أجبرت روزنبرغ على التوقُّف عن منح الاستشارات الإعلاميَّة، وفق ما جاء في مقال عنوانه “جويل روزنبرغ: مستشرق يهودي يصف الإنجيليين للحرب الأخيرة”، نشرته شبكة الألوكة الشرعيَّة بتاريخ 28 ديسمبر من عام 2010 ميلاديًّا.

الكتابة عن المستقبل في ضوء نبوءات الكتاب المقدَّس

اتَّخذ جويل روزنبرغ لنفسه مسارًا مهنيًّا جديدًا بعد فشل حملة ترشُّح نتنياهو في انتخابات عام 1999، حيث شرُع في كتابة سلسلة من الكُتب تتناول المستقبل، وترسِّخ مفهوم انتصار الأمَّة المؤمنة بالمسيح على كافَّة الأمم في النهاية، وتستعرض صراع الغرب مع الإسلام. ورواية الجهاد الأخير (2002) هي الأولى في سلسلة من 5 روايات تتناول الإرهاب، وتعرض معارك ملحميَّة يقودها الغرب لاستئصال شأفة “الإرهاب الإسلامي”، الذي يصل إلى قلب أوروبا وأمريكا. حقَّقت الرواية، التي نُشرت 9 أشهر عقب أحداث 11 سبتمبر 2001 ميلاديًّا، مبيعات قياسيَّة، وظلَّت الأعلى مبيعًا 11 أسبوعًا، وفق إحصاءات صحيفة نيويورك تايمز. تجدر الإشارة إلى أنَّ روزنبرغ أسَّس صندوقًا خيريًّا لصالح إسرائيل، أطلق عليه “The Joshua Fund-صندوق يشوع”، بهدف “مباركة إسرائيل وجاراتها باسم يسوع، عملًا بما جاء في سفر التكوين (إصحاح 12: آيات 1-3).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

فتح القسطنطينية – 4 من 11

أ.د. أحمد رشاد أكاديمي مصري المشهد الثالث إذكاء روح الجهاد للجند وفى أواخر …