أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / ابن عربي وكتابه الفصوص (20)

ابن عربي وكتابه الفصوص (20)

محمد عبد الحي عوينة

كاتب وداعية إسلامي. إندونيسيا.
عرض مقالات الكاتب

الباب الثاني: مناقشة ابن عربي فيما قاله في فصوصه
(6)
فــــــــص شُــــــعَـيْـب
الرد على القائلين بوحدة الوجود (صـ 115وما بعدها)
قَوْله فِي فص شُعَيْب عَلَيْهِ السَّلَام (الفصوص صـ122): إِن الْإِلَه المعتقد لشخص لَيْسَ لَهُ حكم فِي الْإِلَه المعتقد لآخر، فَصَاحب الِاعْتِقَاد يَنْفِي النُّقْصَان عَنهُ، ينصره وَهُوَ لَا ينصره، وَلِهَذَا لَيْسَ لَهُ أثر فِي اعْتِقَاد منازعه، وَكَذَا هَذَا المنازع لَيْسَ لَهُ نصْرَة من إِلَه لَهُ اعْتِقَاد بِهِ، فَمَا لَهُم من ناصرين.
وَقَالَ فِي فص مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الفصوص صـ225): إِن المعتقد يثني على إِلَه مُعْتَقد لَهُ وَيتَعَلَّق بِهِ فالإله مَصْنُوع لَهُ، فثناؤه عَلَيْهِ ثَنَاؤُهُ على نَفسه، وَلِهَذَا يذم مُعْتَقد غَيره، وَلَو أنصف لما فعله، لكنه جَاهِل بِسَبَب الِاعْتِرَاض على الْغَيْر فِي اعْتِقَاده فِي الْحق، وَلَو عرف قَول الْجُنَيْد: لون المَاء لون إنائه، لَسَلَّمَ لكل ذِي اعْتِقَادٍ معتقده، وَعرف الله فِي كل صُورَة ومُعتَقَد، فَهُوَ صَاحب الظَّن لَا صَاحب الْعلم، كَمَا قَالَ الْحق أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي، يَعْنِي مَا أظهر لَهُ إِلَّا فِي صُورَة معتقده، إِن أَرَادَ أطلقهُ وَإِن أَرَادَ قَيده، والإله الْمُقَيد مَحْدُود يَسعهُ الْقلب، إِذْ الْإِلَه الْمُطلق لَا يَسعهُ شَيْء، لِأَنَّهُ عين جَمِيع الْأَشْيَاء، وَعين ذَاته، وَفِي الشَّيْء الْوَاحِد لَا يُقَال أَنه يَسعهُ أَو لَا يَسعهُ. انْتهى
وَلَا يخفى مَا فِيهِ من الْمُنْكَرَات الشَّرْعِيَّة والكفريات الفرعية فَإِنَّهُ يبطل التَّوْحِيد، ويعطل التمجيد، ويحرف كَلَام الله وَكَلَام رَسُوله عَن مقَام التسديد والتأييد، إِذْ الحَدِيث الإلهي (أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي) لَيْسَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اعْتِقَاد الألوهية، فَإِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئاً فِي الْأُمُور الاعتقادية، بل مَعْنَاهُ أَنه عِنْد ظن عَبده بِهِ فِي مقَام الرَّجَاء وَالْخَوْف، كَمَا تقتضيهما صفة الْعُبُودِيَّة، بِأَن يقوم بِطَاعَتِهِ، وَيخَاف من مَعْصِيَته، لَا لمُجَرّد التَّمَنِّي من غير التعني، فَإِنَّهُ غرور، لَا يعقبه سرُور، وَأما مَا ورد فِي الحَدِيث النَّبَوِيّ من أَن (الْقلب بَيت الرب)(1) وَكَذَا مَا ورد فِي الحَدِيث الْقُدسِي وَالْكَلَام الأنسي (لَا يسعني فِيهِ أرضي وَلَا سمائي وَلَكِن يسعني قلب عَبدِي الْمُؤمن)(2) ففيهما إِيمَاء إِلَى مَضْمُون قَوْله {إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة} الْآيَة، وتحقيقها لَيْسَ هَذَا مَحل بسطها، وَلَا يَقُول مُسلم بنزول الرب فِي الْقلب وإحاطته بِهِ إِلَّا الحلولية والوجودية، إِلَّا أَن الْأَوَّلين يخصون الْقَضِيَّة، وَلَا يعمون البلية.
ثمَّ المؤول لما عجز عَن تَأْوِيله وتصحيحه، شرع فِي بَيَان كَلَامه وتوضحيه، فَتَبِعَهُ فِي مرامه وَصرح بتصريحه، حَيْثُ قَالَ: أَصْحَاب التَّقْلِيد من الْعُقَلَاء تصوروا الْحق سُبْحَانَهُ بِحَسب فهمهم، وَإِدْرَاك علمهمْ، فصوروا فِي ذهنهم صُورَة، ونزهوها من كل مَا يَحْسبُونَهُ نُقْصَاناً عِنْدهم، ووصفوها بِكُل نعت ظنُّوا أَنه كَمَالٌ لديهم، فَفِي الْحَقِيقَة تِلْكَ الصُّورَة مصنوعة مخترعة، ومجعولة ومفعولة لإدراكهم وفهمهم……
….فَإِن مُرَاد شَيْخه كَمَا مر مرَارًا أَن الْحق عين الْخلق، وَأَن كل مُعْتَقد صَحِيح، لظُهُور الْحق وَكَونه مَعَ كل شَيْء، بل عينه.
ثم قال (صـ 119وما بعدها) من المرجع السابق
قَوْله فِي فص شُعَيْب عَلَيْهِ السَّلَام فالمكلف فِي كل آن يكون غَيره ويحشر فِي العقبى غير مَا كَانَ مَوْجُودا فِي الدُّنْيَا فالعقاب وَالثَّوَاب لَا يكون فِي الطائع والعاصي. انْتهى
وكفره لَا يخفى والمؤول مَا الْتفت إِلَى دفع الِاعْتِرَاض، بل أظهر توضيح أَن الْأَجْسَام كالأعراض.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)قال السخاوي في المقاصد الحسنة (صـ 492): ليس له أصل في المرفوع، وكذا قال صاحب الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة (صـ 157)، وفي أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب (صـ 206) لَا أصل لَهُ بل هُوَ من كَلَام المتصوفة.
وفي كشف الخفاء ط القدسي (2/ 99)
قال الزركشي والسخاوي والسيوطي لا أصل له، قال النجم قلت رواه ابن ماجه عن أبي عنبسة بلفظ ” إن لله آنية من أهل الأرض، وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين، وأحبها إليه ألينها وأرقها “. وقال: ليس له أصل في المرفوع، والقلب بيت الإيمان بالله ومعرفته ومحبته إلى غير ذلك وقال في الدرر تبعا للزركشي لا أصل له، وقال ابن تيمية موضوع، وفي الذيل هو كما قال، وقال القاري لكن له معنى صحيح كما سيأتي في حديث ما وسعني أرضي، وقال في اللآلئ هذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ومعناه مثل معنى ما وسعني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن، وسيأتي أنه موضوع، وقيل أنه إسرائيلي.
(2) تخريج أحاديث الإحياء = المغني عن حمل الأسفار في الأسفار للحافظ العراقي (صـ890): لم أر لَهُ أصلا، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (11/ 176): لا أصل له!
فــــــص عِـيـــــــسَى
وفي الرد على القائلين بوحدة الوجود (صـ121وما بعدها)
قَوْله فِي فص عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام: إِنَّه لما كَانَ يحيي الْمَوْتَى قَالَ بَعضهم بحلول الْحق فِيهِ، وَقَالَ بَعضهم هُوَ الله، وَكَفرُوا، فَقَالَ تَعَالَى {لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم} فَجمعُوا بَين الْكفْر وَالْخَطَأ فِي تَمام الْكَلَام، فَإِن كفرهم لَيْسَ بقَوْلهمْ إِن الله فَقَط لِأَن هَذَا الْكَلَام بِانْفِرَادِهِ حق، وَلَيْسَ بِكفْر، وَلَا بقَوْلهمْ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم فَقَط، لِأَنَّهُ ابْن مَرْيَم بِلَا شكّ، بل بِمَجْمُوع الْكَلَامَيْنِ كفرُوا انْتهى.(الصوص 141)
وَلَا يخفى انحلال مثل هَذَا الْكَلَام على أدنى الْعَوام، لِأَن أحداً لَا يَقُول من قَالَ إِن زيداً هُوَ الْإِلَه يكفر بِأحد جزئي كَلَامه، بل بتركيبهما وفْق مرامه، مَعَ إِن كل جُزْء يُسمى قولاً، لَا كلَاماً كَمَا حقق فِي مَحَله، وَمَعَ هَذَا لَا يتَعَلَّق الِاعْتِرَاض بالْكفْر على قَوْله، إِلَّا أَن المؤول ذكر أَن شرَّاح الفصوص كالقيصري والجندي والجامي اتَّفقُوا أَن مُرَاد الشَّيْخ بِهَذَا القَوْل أَنهم إِنَّمَا كفرُوا بحصر الْحق فِي عِيسَى، لِأَنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ محصوراً بل إِنَّه سُبْحَانَهُ فِي جَمِيع الْعَالم متجلياً انْتهى.
وَلَا يخفى أَنه مُعَارضَة صَرِيحَة لكَلَام الله سُبْحَانَهُ، ومناقضة قبيحة لمرامه عَزَّ شَأْنه، وَأما بحث التجلي فِي أَفْرَاد الْعَالم فَهَذَا أَمر ظَاهر، لَا يخفى على أحد من بني آدم، بل لَيْسَ لَهُ ارتباط بِمَا تقدم، فالكفر رَاجع إِلَيْهِم حَيْثُ مَا فَهموا كَلَام شيخهم، وَحَمَلُوهُ على محملٍ بَاطِلٍ، زعموه حَقًا عِنْدهم، وَهَؤُلَاء وَإِن كَانُوا بِحَسب الظَّاهِر من الْعلمَاء، لكِنهمْ وَقَعُوا فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ لفساد أساسهم فِي الْبناء، وَفِيه تَنْبِيه على أَنه سُبْحَانَهُ يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء، وَقد صَارَت ضلالتهم سَبباً لضلالة جمَاعَة من السُّفَهَاء.
وَلَا يخفى أَن هَذَا المبنى، الْمُفْسد للمعنى، لَيْسَ فِي كَلَامه، ثمَّ مِمَّا يدل صَرِيحًا على بطلَان هَذَا المبدأ الكاسد، والمنشأ الْفَاسِد، أَنه لَو قَالَ أحدٌ إِن مُحَمَّدًا هُوَ الله فَلَا شكّ أَنه يكفر بِالْإِجْمَاع خلافًا لمَذْهَب ابْن عَرَبِيّ وشراح كَلَامه وَسَائِر الأتباع، حَيْثُ لم يعرفوا الْحِكْمَة فِي فصل ضمير الْفَصْل الْمشَار إِلَيْهِ، إِلَى كَمَال الْعدْل، تَنْبِيها على اخْتِلَاف طوائف النَّصَارَى، حَيْثُ قَالَ بَعضهم إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة، وَقَالَ آخَرُونَ إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم وَحده، أَي من غير اندراجه فِي الثَّلَاثَة، فَبين الله سُبْحَانَهُ أَن الْحصْر كفر، كالزيادة فِي عدد الْآلهَة وَقَيْدُ الثَّلَاثَة بَيَان الْوَاقِع من تِلْكَ الطَّائِفَة.
وَأما قَول المؤول أَنه سُبْحَانَهُ مبدأ جَمِيع الْآثَار وَله من هَذِه الْحَيْثِيَّة مَعَ جَمِيع الْأَشْيَاء نِسْبَة الْمُقَارنَة والمعية، فَهُوَ من حيثية الْمَعِيَّة عين جَمِيع الْأَشْيَاء، فحصره فِي عِيسَى مُوجب للتَّقْيِيد لِأَنَّهُ كذب؛ فَظَاهر الْبطلَان، فَإِن الْمَعِيَّة الثَّابِتَة فِي قَوْله تَعَالَى {وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم} لَيست بِمَعْنى الْمُقَارنَة والمقاربة الحسية، بل مَحْمُولَة على الْمَعِيَّة بِالْعلمِ والنصرة، وَنَحْو ذَلِك من الْأُمُور المعنوية، وَمَعَ هَذَا لَا يلْزم من الْمَعِيَّة النِّسْبَة العينية، لِأَن وجود زيد مَعَ عَمْرو لَا يَقْتَضِي أَن أَحدهمَا عين الآخر، بل العينية توجب الْحُلُول والاتحاد والجسمية فَيجب أَن ينزه عَن أَمْثَال ذَلِك الْبَارِي المتعال، فَإِن كَون الْوَاجِب الْوُجُود عين الْمُمكن الْوُجُود من الْمحَال، فنرجو من الله أَن يحسن الْأَحْوَال ويحفظنا من الخطل والخلل فِي الْأَفْعَال والأقوال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

عوامل سقوط الأرض المقدَّسة في أيدي الاحتلال: رؤية معاصرة 1 من 7

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. بسم الله الرَّحمن الَّرحيم …