أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / إسقاط الطائرة والرد الإيراني وحقائق لم ينتبه إليها أحد

إسقاط الطائرة والرد الإيراني وحقائق لم ينتبه إليها أحد

الدكتور عزت السيد أحمد

كاتب ومفكر سوري
عرض مقالات الكاتب

أنا أقطع بيقين التحليل والاستنتاج بناء على الدلالة والحجة والدليل والحقائق والقرائن وما أمكن الوثائق. ولا يقين منقطع لشك عندي إلا في الله تعالى. فهذا ما أصل إليه بالمحاجة أضعه بين أيديكم، ولا شيء يثبت عكسه إلا بالتخمين الضعيف القابل للدحض بأكثر من وجه.

منذ الساعات الأولى للإعلان عن مقتل قاسم سليماني وتبنِّي الولايات المتحدة الأمريكية عملية التصفية وقف العالم علىٰ أعصابه وحبس الجميع أنفاسه خوفاً من الرد الإيراني وتداعياته من الرد الأمريكي واندلاع حرب بينهما.

فيلم حقيقة انخرط العالم جميعه مرغمًا علىٰ متابعة أحداثه والتصريحات والتعليقات… هكذا كانت  توحي التصريحات الصادرة عن مختلف الأطراف من أوروبا بشرقها وغربها إلىٰ أمريكا بشمالها ووسطها وجنوبها إلىٰ آسيا واستراليا. بل الأدهى من ذٰلكَ أن السعودية التي تصور نفسها علىٰ أنَّها أكبر عدو لإيران وأنَّها تنتظر بفارغ الصبر شن الحرب عليها ويصورها الإعلام علىٰ أنَّها كل يوم تتوسل الولايات المتحدث ثلاث مرة لقصف إيران وإسقاط النظام (كما فعلت لإسقاط العراق) راحت تناشد دول العالم التدخل لمنع الحرب، وصرَّحت بأنها لا تريد جر المنطقة إلىٰ أي حرب!!!

بل الأطرف من ذٰلكَ أنَّ إسرائيل ذاتها أعلنت علىٰ لسان رئيس ورزائها النأي بنفسها عن هٰذه الحرب وأن أمريكا هي التي اختارت الحرب وعليها أن تتصرف بعيداً عن إسرائيل. وإسرائيل فيما يعلم الجميع هي أكبر محرض لأمريكا علىٰ تدمير إيران وأكثر من يهدد إيران وأكثر من قصف القوات الإيرانية في سوريا حَتَّىٰ يمكن القول إنها قصفتهم أكثر مما قصفهم الجيش السوري الحر الذي يحاربها.

وراحت الدول أكثرها علىٰ الفور تعلن عن استعدادها للدخول في وساطات بَيْنَ الولايات المتحدة الأمريكية وإيران لتفادي الحرب. دول كثيرة عرضتها تسخير قدراتها وإمكاناتها لتقريب وجهات النظر بَيْنَ الطرفين ونزع فتيل الحرب.

الطريف أن الأردن والكويت دخلت علىٰ خط أعلنت تسخير قدراتها وإمكاناتها للتوسط بَيْنَ إيران والولايات المتحدة الأمريكية للتهدئة وتخفيف التوتر وحقن دماء الأمريكيين والإيرانيين، وتفادي الحرب بَيْنَ الطرفين.

عاصرت نحو نصف عمر الحرب الباردة بَيْنَ المعسكرين الشرقي والغربي، وبمعنى أكثر دقة بَيْنَ قطبي العالم؛ الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، ولفيف كل منهما، وكل منهما يملك ترسانة أسلحة تقليدية ودمار شامل يكفي كل منها لتدمير الكرة الأرضية عشرات المرات تدميراً شاملاً أو رُبَّما مئات المرات. ولٰكنِّي فيما عاصرته وفيما سمعته وقرأته عما قبل ذٰلكَ لم أجد أبداً أنَّ العالم توتر هٰذا التوتر، وحبس الأنفاس بهٰذه الطريقة لدى أيِّ تصعيد بينهما مهما كان خطيراً حَتَّىٰ مع أزمة خليج الخنازير التي تعد أكبر المواجهات التَّصعيدية بَيْنَ الطرفين… ولا مرة تداعت الدول مناشدة الطرفين أو أحدهما التقاط الأنفاس وضبط النفس.

أمريكا لم تتغير بل زادت قوة وتضاعفت قوتها أضعافاً منذ انهيار الاتحاد السوفيتي إلىٰ الآن. أفيعقل أنَّ إيران أقوى من الاتحاد السوفيتي أيام زمان؟

أليس ثَمَّة تهريف وتجديف وتخريف في هٰذه المخاوف؟

الولايات المتحدة نظريًّا وعمليًّا بدأت الحرب وإذا بدأت الولايات المتحدة حرباً فمن ذا يثنيها أو يمنعها أو يوقفها؟!

وإيران هما يكن أمرها في وضع حرج جدًّا لا تستطيع إلا أن ترد.

الأمر ليس تهريجاً.

وإيران وأمريكا من عندهما لم تقصرا منذ ساعة الحدث وعبر الأيام التالية في الردح والشطح والحش والطفش حَتَّىٰ زننا من التهديدات الإيرانية كما قال الدكتور فيصل القاسم بعد نحو أسبوع من تصفية سليماني: «من يتابع إعلام المقاومة يعتقد لوهلةٍ أنَّ الحرس الثوري يطوق البيت الأبيض. والرئيس الأمريكي ترامب يطلب النجدة»([1]). وظننا بل توقعنا توقع اليقين من التهديدات الأمريكية أنَّ أي رد إيراني علىٰ تصفية سليماني ستقوم الولايات المتحدة بمسح إيران عن وجه الأرض خلال ساعة وثلاثين ثانية بالأكثر. ولا أسرد هٰذه التهديدات من الطرفين ولٰكنَّ أكتفي بالحدة في التهديدين والحسم من الإيرانيين بحتمية الرد القاسي وحتمية الرد الأمريكي الساحق مقابل أي رد. وحدد تراكب 52 هدفاً، قال المحللون دلالة رمزية لعدد المحتجزين الأمريكان لدى إيران عام 1979م الذين من ذٰلكَ الوقت انتهت مشكلته وعادوا إلىٰ الولايات المتحدة معلوفين كبة وكباباً.

أكرر الأمر يبدو أنَّهُ ليس تهريجاً.

فلماذا كل هٰذه الرجاءات والمخاوف؟

من الطبيعي أن تخاف الشعوب من الحروب وليس الدول. ولٰكن لنقبل أن الدول تخاف الحروب مثل الشعوب فإنَّ السؤال الذي يفرض ذاته هنا:

ـ لماذا لم تظهر مشاعر الخوف ومساعي الوساطة هٰذه في الحروب الدائرة الآن تحديداً ولا اعود إلىٰ الماضي: في سوريا، في اليمن، في ليبيا، في الصين ضد المسلمين، في مينمار ضد المسلمين، في جمهورية إفريقيا الوسطى ضد المسلمين؟!

لماذا فقط هنا؟

لماذا هنا فقط خاف الجميع علىٰ سقوط الأبرياء قتلى؟

أليس في ذٰلكَ سر؟

الحقيقة انَّ بعض هٰذه  لدول التي تناطح في التخوف والوساطة تعرف الحقيقة، وقليل يجهلها، وكثير شركاء في المؤامرة. أي مؤامرة؟

المؤامرة هي معرفتهم باستحالة وقوع حرب بَيْنَ الطرفين واشتراكهم في المؤامرة التضليلية التي تريد ان توحي بوجود صراع بَيْنَ الأمريكان وإيران. والأدلة علىٰ ذٰلكَ كثيرة. أكبر دليل وأقوى دليل هو أن يسكت الجميع ويتركوا الطرفين ويترقبوا ماذا يمكن أن يكون. تنحوا جانباً واتركوا إيران ترد وأمريكا ترد وترقبوا الكوميديا التهريجية العجيبة.

علىٰ أي حال لا حاجة لمزيد من الانتظار. لماذا لا تنتبهوا إلىٰ التصريحات المرافقة لهذه التهديدات من قبل الطرفين؟

الرئيس الأمريكي ترامب ووزير خارجيته ووزير دفاعه ورئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة كل منهم يصرح مرة في اليوم علىٰ الأقل بأن الولايات المتحدة لا تريد الحرب علىٰ إيران وترجوها أن يكون الرد خفيفاً لطيفاً. هكذا بالضبط، راجعوا التصريحات بالتتالي وانظروا فيها. وقد بدا ذٰلكَ بصريح العبارات في اتصالات بومبيو وزير الخارجية الأمريكي مع الرئيس الروسي والرئيس التركي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان وولي العهد الإماراتي محمد بن زايد. إلىٰ جانب تصريحاته في المؤتمرات الصحافية التي أكد فيها كلها التزام الولايات المتحدة بعد التصعيد وعدم الرغبة في الحرب.

بل إن ترامب وطقمه علىٰ كل ما طرأ عليه من تغيرات منذ ألغى الاتفاق النووي مع إيران وهو يصرح ثلاث مرات في الأسبوع علىٰ الأقل بأنه مستعد للحوار مع إيران من دون شروط. هل فعل ذٰلكَ مع السعودية في ابتزازاته المالية؟ هل فعلت ذٰلكَ أمريكا مع العراق من قبل؟ ولا أطيل.

وفي المقابل لم تكن الشيزوفرينيا الإيرانية أقل حدة من الزهايمر الأمريكي ففي ظل الاهتياج الشديد والتهديد العنيف والوعيد كانت رسائل عدم التصعيد مبثوثة دائماً بَيْنَ السطور تلتقطها وهي تلف بينها وتدور. ولٰكنَّ لا بُدَّ من الثأر لتبرد النفوس.

حسناً، ماذا سيكون الردُّ وكيف سيكون الرد علىٰ الردِّ في ظلِّ الخطوط الحمراء الشديدة من أي رد ضد الأمريكان من قبل إيران؟

في الصباح المبكر من يوم الأربعاء الثامن من كانون الثاني عام 2020م «أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني أن ما لا يقل عن 80 جنديًّا أميريكيًّا قتلوا جراء الهجوم الصاروخي الإيراني علىٰ قاعدتين تضم قوات أميركية في العراق. ونقل التلفزيون عن مصدر بالحرس الثوري قوله إن إيران ترصد 100 هدف آخر في المنطقة إذا اتخذت واشنطن أي إجراءات للرد».

وفي الخبر ذاته «أشارت المصادر الإيرانية إلىٰ عدم اعتراض أي صاروخ إيراني، وأكدت أنَّ أضراراً جسيمةً لحقت بطائرات هليكوبتر أميريكيَّة وعتاد عسكري في قاعدة عين الأسد في الأنبار غرب العراق. أعلن الحرس الثوري الإيراني فجر اليوم استهداف قاعدة عين الأسد التي تضم جنودا أميريكيين في محافظة الأنبار العراقية بعشرات الصواريخ أرض أرض، وهدد في نفس الوقت بضرب حيفا ودبي إذا ردت واشنطن عسكريا»([2]). وعقَّب جواد ظريف وزير الخارجية الإيرانية سريعاً قائلاً: «لم تم الانتقام لقاسم سليماني وانتهى الأمر»، واشتفت الصدور بهٰذا الانتقام.

وعرض التلفزيون الإيراني صوراً لقصف الصواريخ لحظة انطلاقها ولحظة وصولها وانفجارها. وراح العالم يتراقص علىٰ جمر انتظار الرد الأمريكي واندلاع الحرب العالمية الساحقة الماحقة بَيْنَ الطرفين. فيما أعلن الساخرون قائلين:

نتمنى من الطرفين عدم ضبط النفس

بلغ التصعيد مداه بين إيران وأمريكا

وردت إيران الرد الانتقامي الذي شفى صدور الإيرانيين والعراقيين

وذلك بقصف أطراف طريفة متطرفة لقاعدة أمريكية بالعراق

لذلك نتمنى من الطرفين عدم ضبط النفس

وفي حين كان الجميع كأنه يغلي في مرجل الانتظار خرج علينا الإعلام الأمريكي ليعلن أنَّ الصواريخ البالستية 22 أو 12 فقط وسقطت كلها علىٰ أطراف القاعدتين ولم يصب أي جندي بأي جرح، ولم يتأذ أي شيء في القاعدتين. ثمَّ خرج ترامب شخصيًّا الذي طالما أرغد وأزبد في التهديد والوعيد وأعلن أنَّهُ لن يرد لأنه لم يصب أي جندي أمريكي بأي أذى… ولم يكن هٰذا تهديده من قبل.

وقد تبين بالفعل أنَّهُ لم يصب أحد ولا شيء بأي أذى، وتبين أنَّ الإعلام الإيراني «عند نشره خبر الهجوم الصاروخي الإيراني علىٰ قاعدتين أميركيتين في العراق، أعادت وكالة أنباء فارس الإيرانية نشر صورة كانت نشرتها قبل سنتين خلال إطلاق طهران صواريخ علىٰ مواقع لتنظيم داعش في سوريا… وتداول ناشطون علىٰ مواقع التواصل الاجتماعي الصورة الرئيسية التي أرفقت بها وكالة فارس للأنباء خبر الهجوم على قاعدة عين الأسد وقاعدة أخرى في أربيل بالعراق تضم قوات أميركية ووجدوا أنها نفسها التي نشرت سنة 2017م»([3]).

لم يقتل أي جندي أمريكي، بل لم يجرح أيُّ جندي أمريكي أيَّ جرح، بل حَتَّىٰ الأسلاك الشائكة المحيطة بالقاعدتين لم تخدش أي خدش!! حَتَّىٰ لقد ظننت أنَّ الولايات المتحدى لدى التنسيق مع إيران علىٰ الضربة خشيت أن يخطئ الإيرانيون التسديد فقاموا بإرسال فريق مختصين حدَّدوا وصوَّبوا وسدَّدوا وأطلقوا وتناولوا إفطاراً إيرانيًّا شهيًّا وعادوا. هل كان هناك تنسيق؟!! سنعرف ذٰلكَ لاحقاً.

المهم هنا أنَّ الولايات المتحدة كانت قليلة الأدب والحياء في تعليقها وإحراجها إيران حَتَّىٰ علق فيصل القاسم بعد ساعات قائلاً: «لو كنت بمكان أمريكا لكنت أعلنت عن إصابة بضع جنود بجروح طفيفة. جبران خواطر. حقيقة إِنَّهُ شيء يكسر القلب: ٢٢ صاروخ باليستيًّا أو بلاستيكي؟ ولا أصابة… طيب، حتى لو جرح أي عجل بالقاعدة الأمريكية ليأكلوه هامبوجر. الظاهر أنَّ الصواريخ صديقة للبيئة»([4]).

والدكتور فيصل القاسم ذاته في تعليقة طريفة أُخْرَىٰ قال بعد قليل: «لو أنَّ صواريخ خامنئي كانت محملة زعفراناً لكانت تسببت ببضع إصابات… لو كان فيها فستق عجمي لكانت نقفت رأس مارينزي علىٰ الأقل… صار عندنا فضول أن نعرف ماذا كان في هٰذه الصواريخ الصديقة للبيئة».

موقف محرج للطرفين. كانا في حرج في حرج الضرب والرد للتأكيد فأدخلهما الضرب والرد في حرج ما كان الطرفان عنه يحيد. فصار لا بُدَّ من الجوكر ليرقع الفضائح.

بعد حملة الاستهزاء العالمية بالضربة الإيرانية الصاروخية المروعة المريعة الشنيعة ضد القوات الأمريكية التي لم تخدش حتى أسلاك سور القاعدة، خرج علينا رئيس هيئة الأركان الأمريكية بعد يومين بترقيع قال فيه:

ـ «لقد أدت الصواريخ الإيرانية إلى تدمير كبير في المنشآت والعتاد ودمرت الكثير من الطائرات».

هٰذا علىٰ الرَّغْمِ من نفيهم ذٰلكَ كله علىٰ مدار اليومين السابقين.

المهم في الترقيع أن وزير الدفاع الإيراني التقط الرقعة وبعد ساعات قليلة وسلخ بها تصريحاً ناريًّا قال فيه:

ـ «بالأصل نحن كان هدفنا تدمير الطائرات المسيرة».

وهكذا تم ربط حبكة السيناريو عند علىٰ هٰذه العقدة. وصارت في مخيلتهم مقنعة.

حسناً، لنقبل هٰذه الحبكة التي ارتضاها الطرفان لتضليلنا، ولٰكنَّ هٰذا يفرض عليَّ الآن أن أكرِّر هنا من جديد ما قلته من قبل لماذا الصاروخ الشيعي إذا استهدف الجيش الأمريكي فلا يقتل وإن قتل يقتل جنديًّا واحداً وإن استهدف المسلمين قتل بالعشرات، وبالمثل تماماً فإنَّ الصاروخ الأمريكي إذا استهدف الشيعة يقتل اثنين أو واحداً أو ثلاثة أو عشرين في الحدِّ الأقصى كما حدث في عملية قاسم سليماني، ولكنه إذا استهدف السنة يقتل المئات وربما الآلاف!

التعليقات الساخرة في حقيقة الأمر أكثر من أن تعد أو تحصى. ولٰكنَّ الطريف أنَّ العالم السياسي والعالم الإعلامي تعامل معها بجدية وعلىٰ أنها طبيعية. وعلىٰ أن إيران تحاشت التصعيد. تحاشت التصعيد فسفَّهت نفسها وتفهمت كرامتها. هٰذا أمر عجيب. الأعجب أنَّ أحداً لم يرد القول إنَّ الفرقين كلاهما يتابع لعبة التلميع وإقناع الأفراد والمجاميع بأنه يوجد صراع بَيْنَ الطرفين. تفَّهوا الحقيقة ليعلو عليها الكذب. وهٰذه من مآسينا اليوم وخاصة نحن المسلمون أو المحسوبون علىٰ الإسلام الأكثرون يصدقون الكذب ويرونه حقيقة، ويرفضون الحقيقة بادعاء أنَّها كذب وتمثيل. فدمروا ما دمروا بهٰذا الغباء. وعلىٰ هٰذا الأساس فسروا الفضائح التي انتشرت في اليوم ذاته.

في اليوم ذاته نشرت صحيفة الإندبندنت البريطانية أنَّهُ «كشفت مصادر دبلوماسية عراقيَّة أنَّ الرَّد الإيراني علىٰ مقتل اللواء قاسم سليماني كان منسقاً مع الولايات المتحدة عبر وساطة دولة خليجيَّة، وأن ترتيبات عسكرية اتُّخذت من قبل الجانبين خلال اليومين الماضيين لضمان ألا يؤدِّي هٰذا الردُّ إلىٰ سقوط ضحايا».

وفي اليوم ذاته أيضاً نشرت السي أن إن الأمريكية أنَّ «الجيش الأمريكي كان لديه تحذيرٌ إيراني مبكر من الهجوم الصاروخي الإيراني».

بطبيعة الحال، بعد هٰذه الفضائح من غير الجائز أن تسأل أو تتساءل لماذا لم ترد الولايات المتحدة؟ لماذا لم يرد ترامب؟

ولٰكنَّ حَتَّىٰ لا نترك ذريعة لمجادل لا بُدَّ أن نسأل ترامب والأمريكان: لماذا لم تردوا؟

ألم يهدد ترامب وأفراد طاقمه الكبار كلهم بأنهم سيمسحون إيران إن هي ردت، وسيكون هناك حرب إذا حدث هذا فعلاً؟ ألم يقل ترامب مرات ومرات خلال هذين اليومين بأنه إذا اعتدت إيران علىٰ القوات الأمريكية فسيرد بردٍّ مزلزل وحدد ٥٢ هدفاً استراتيجيًّا مقدمة للزلزال  الذي سيضرب به إيران؟

فاجأنا ترامب وطاقمه مفاجأتين:

الأولى تعليقيهم بسرور علىٰ الضربة وتكذيبهم الإعلام الإيراني بإصابة أي شخص، كي يبرر عدد الرد. وصار من الممكن أن نقول هنا أن نتساءل: هل حقًّا لم يؤذى أي جندي أمريكي؟ نعلم كيف كانت أمريكا تلقي قتلاها في البحر ولا تذهب بهم إلىٰ أمريكا عندما كانت المقاومة الإسلامية العراقية ترحلهم من الدنيا بالعشرات والمئات.

والثانية هي أيضاً إعلانه بسرور أن إيران انتقمت ولأنه لم يصب أي جندي أمريكي فلا داعي للرد.

إنكار القتلى أمرنا اعتدننا عليه في الحروب قاطبة وليست الولايات المتحدة بمنأى عن هٰذه العقلية الإنكارية. أما الفرح بأن العدو قد انتقم والسرور بذۤلكَ والسرور بعدم الرد فهٰذا يحتاج تفسيراً من جحا أو قراقوش.

هل قررت الولايات المتحدة التأدب والانزواء؟

هل تخاف الولايات المتحدة من إيران؟

هل موازين القوى مختلة لصالح إيران إلىٰ هٰذا الحد؟

هٰذه هي الاحتمالات الممكنة لتفسير عدم الرد الأمريكي، علىٰ الرَّغْمِ من أنَّها هي الظالم وهي من بدأ ولا نجادل في ذٰلكَ. ولكننا نسأل للضرورة المنطقية والواقعية التي تقول بأن الولايات المتحدة منذ أربعين سنة إلىٰ هٰذه الساعة وهي تهدد إيران وتراها محور الشر والإرهاب، وإيران منذ أربعين سنة وهي تهدد أمريكا وبالإفناء. ومع ذٰلكَ كلاهما لم يعتد علىٰ الآخر إلا في الآونة الأخيرة اعتداءات تمثيلية مفصضوحة للأسباب التي بيناها وبسطناها.

فقط مع إيران تقف الولايات المتحدة مثل الكلب الجائع الملسوع، نحن نتحدث عن أربعين سنة من التهديد والاستنفار والحصار وإلىٰ هٰذه اللحظة. في هٰذه الأربعين سنة كما قالت صحيفة الفايننشال تايم اليوم 12/ 1/ 2020م: «تضاعفت حمى التدخلات الأمريكية في النزاعات المسلحة أربعة أضعاف ما كانت عليه من قبل». فقد خاضت الولايات المتحدة أشرس الحرب ضد المسلمين في أفغانستان والعراق والصومال واليمن وسوريا علىٰ الأقل، ولم يصدر أيٌّ من هٰذه الدول تهديداً للولايات المتحدة أبداً… وفي الوقت ذاته لم تعكر الصفو الإيراني ولن تطلق عليها رصاصة بل حَتَّىٰ حجراً طيلة هٰذه السنين علىٰ الرَّغْمِ من إعلان إيران اليومي صباح مساء: «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل»، وتهديدها بإفناء العدوين إسرائيل وأمريكا. بل أكثر من ذٰلكَ لقد الولايات المتحدة الأمريكية يد إيران في هٰذه الدول ذاتها،وإيران ذاتها باعترفات كبارها شاركت الولايات المتحدة في حربوها في هٰذه الدول. بل أكثر من ذٰلكَ لقد حاربت الميليشيات الإيرانيَّة في هٰذه الدول تحت مظلة الطيران الأمريكي وحمايته.

ماذا تريد أكثر من ذٰلكَ؟

الأكثر من ذٰلكَ أنَّهُما كلاهما بعد كل هٰذه الفضائح ما زالا يصران علىٰ إقناعنا بأن بينهما ما صنع الحداد، وأنهما عدوان لبعضهما لدودان عنيدان. ومن دهائهما الشديد الانفضاح بقدرة الله تعالى فإن كيد الشيطان ضعيف، قد رسما أفعالاً إضافية مع عملية اغتيال سليماني لتأكيد كذبة أنهما عدوان وأن الحرب بينهما إن لم تندلع فهي رسميًّا فهي علىٰ قدم وساق. ففي اليوم التالي لاغتيال سليماني، في نتصف ليل الثاني من كانون الثاني 2020م تم قصف سيارتين للحشد الشيعي العراقي في منطقة التاجي شمال بغداد. ومن المحال أن يكون هناك خلاف بَيْنَ الفصائل الشيعية يصل إلىٰ اقل من ذٰلكَ بألف ألف مرة. ولكني لا أستبعد أن تكون بعض هٰذه الفصائل هي التي فعلت ذٰلكَ تعزيزاً للعبة التموية والتضليل، ورُبَّما الولايات المتحدة ذاته بوصفها جزءاً من سيناريو التصعيد.

وقبل الانتقال إلىٰ الطائرة الأوكرانية، من الطرف المقابل تابع الشيعة الرد أيضاً اليوم في الثاني عشر من كانون الثاني، للقول بأن المعركة مستمرة، «بقصف صاروخي علىٰ قاعد بلد الجوية الأمريكية شمال بغداد أدى إلىٰ مقتل جنديين عراقيين»، يقصفون الأمريكيين فيموت المسلمون، مثلما حدث في السفارة قبل أقل من أسبوعين.

أمَّا الطائرة الأوكرانيَّة فحكايتها حكاية. أقلعت طائرة الرحلة PS752 من مطار الخميني الدولي بطهران في 8 كانون الثاني الحالي في الساعة 06:12 بالتوقيت المحلي، (02:42 بتوقيت غرينتش). وكانت وجهة الرحلة إلىٰ تورنتو في كندا عبر العاصمة الأوكرانية كييڤ. ولٰكن سقطت، مثل الطَّائرات التي سقطت، بعد دقيقتين من إقلاعها وفي أبعد الاحتمالات بعد ست دقائق، فنحن أمام روايتين.

دهشت حين سمعت ترامب بعد ساعات قليلة يعلن بأنَّهُ يشك في أنَّ الطائرة أسقطت بصاروخ وليس بعطل فني. أنكرت إيران، ولا يوجد أبداً أبداً أبداً أي سبب أو عذر لإسقاطها بصاروخ فهي قد سقطت في حرم المطار… يعني لم تأخذ مسارها بعد في الجو في أي من الوقت تم سقوطها.

ودهشت لذٰلكَ ثانية عندما اعترفت إيران بعد يومين بأنَّ الطائرة تم إسقاطها بصاروخ أطلقه الحرس الثوري الإيراني. والنكتة التي لا بُدَّ من منها أنهم حملوا الولايات المتحدة الأمريكية المسؤولية بأنها استفزتهم بالرد علىٰ الرد فظنوا الطائرة صاروخاً أو طائرة أمريكية.

أختلف مع التحليلات كلها التي تفنن بها المحللون ولا أسردها ولا أعددها ولا أناقشها. وأنفيها جملة وتفصيلاً. وأقول إنَّ إسقاط الطائرة الأوكرانية كان جزءاً متفقاً عليه أو مقصوداً لإكمال سيناريو العداء الأمريكي الإيراني، وأن إيران تتعامل بجدية من التَّهديدات الأمريكية، وأنَّ العداء بَيْنَهما حقيقي، وفعلاً ظنُّوا أنَّ الولايات المتحدة باشرت حربها علىٰ إيران… وهلم جرًّا وجررة في هٰذا الكذب.

لننظر بداية في خريطة إيران والدول المحيطة بها هي تركمانستان وأفغانستان وباكستان والخليج العربي والعراق وتركيا، ولننظر في موقع طهران التي انطلقت منها الطائرة التي تم إسقاطها.

المكان الوحيد الذي يمكن أن تنطلق منه الطائرة أو الصاروخ هو أفغانستان ورُبَّما العراق، ومع ذٰلكَ لنفترض أنَّهُ يمكن أن تكون انطلقت الطائرة أو الصاروخ من أي مكان في الدول المجاورة.

أي منطق يمكن أن يقنعنا بأنَّهُم ظنوا أن الطيارة الأوكرانية صاروخ أمريكي أو طائرة أمريكية؟

كيف قطعت كل هٰذه المسافات إلىٰ عبر الأراضي الإيرانية ولم تكتشفها الرادارات إلا فوق طهران؟!!

أليس في هٰذا ما يكفي؟

دعك من ذٰلكَ. أيُّ جيش وأي رادارات هٰذه التي لا تميز بَيْنَ الطائرة المدنية والطائرة العسكرية أو الصاروخ؟!!

وأيضاً: أي جيش وأيُّ رادارات هٰؤلاء الذين لا يميزون بَيْنَ الطائرة الصاعدة والصاروخ النازل، أو الطائرة المنقضة؟!!

وأيضاً: أي جيش وأيُّ رادارات هٰؤلاء الذين لا يميزون بَيْنَ الطائرة المغادرة والطائرة القادمة؟!!

وأيضاً: يعلم المختصون في الرادارات أنَّهُ من المحال أن لا تكون الرادارات الإيرانية العسكرية قد رصدت هٰذه الطائرة منذ لحظة إقلاعها من المطار، ومن ثُمَّ فمن المحال أن تكون قد ظهرت أمامهم فجأة مثل الجني فيلتاثون ويهلوسون ولا ويحسبونها صاروخاً أمريكيًّا… بالتحديد صاروخاً أمريكًّا وليس من الصواريخ الإيراني التي تتابع قصف القواعد الأمريكية.

وأيضاً: صرح قائد الحرس الثوري الإيراني في بيان الاعترف بإسقاط الطائرة بأنه طلب وقف حركة الطيران المدني في فترة القصف وتخومها ولٰكنَّ الدولة لم تستجب… الدولة هي صاحبة القرار، وما أدراك ما الدولة. فلما سر ذٰلكَ؟

أليس في هٰذا ما يكفي لتكون النقاط قد ظهرت علىٰ الحروف؟!

الأعجب من ذٰلكَ أن أوكرانيا مشتركة في اللعبة، والله أعلم، فبعد يوم من اعتراف إيران بإسقاط الطائرة بصاروخ قال الرئيس الأوكراني: «لقد كنا نعلم منذ البداية أن الطائرة تَمَّ إسقاطها بصاروخ»، ولا تعجب فله تصريح يؤكد هٰذه الحقيقة إذ في غمرة الفاجعة، وبعد ساعات منها فقط قال: «إذا كانت الطائرة أسقطت بصاروخ فإنَّنا سنطالب بتعويضات».

فهل بَيْنَ أمريكا وإيران أو بَيْنَ إيران وأمريكا صراع فعلاً؟

من الحماقة طرح هٰذا السؤال.


([1]) ـ تغريدة علىٰ صفحته في تويتر وفيس بوك.

([2]) ـ المحرر ـ وكالات: الانتقام الإيراني لسليماني.. طهران تتحدث عن مقتل 80 جنديا أميركيا وترصد 100 هدف لضربه بالمنطقة ـ الجزيرة نت ـ 8/ 1/ 2020م.

([3]) ـ المحرر: صورة تفضح مسرحية الصواريخ الإيرانية على “عين الأسد ـ موقع الحرة ـ 8/ 1/ 2020م.

([4]) ـ تغريدة علىٰ صفحته في تويتر وفيس بوك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

بلدياتى د. مصطفى محمود 1 من 2

أ.د. إبراهيم عوض كاتب ومفكر مصري. حين اتصل بى الأستاذ فيصل أكرم الكاتب …