أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / العدو القريب – محاولة لتشخيص أحد أمراض الأمة 6 من 10

العدو القريب – محاولة لتشخيص أحد أمراض الأمة 6 من 10

د. هاني السباعي

مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن.
عرض مقالات الكاتب

سادساً: ابن تومرت الدجال الذي دمر دولة المرابطين السنية (453 هـ إلى 541 هـ):

ابن تومرت الذي ادعى أنه المهدي المنتظر في زمانه اسمه أبو عبد الله محمد بن عبد الله المغربي السوسي المتوفى عام 534 هـ. وقد شكك بعض المؤرخين في اسمه حيث ذهب برفنسال في كتابه الإسلام في المغرب والأندلس أن ابن تومرت كان يتسمى باسم بربري.. وقد نقل هذا القول صاحب كتاب المهدي ابن تومرت وهو عبارة عن رسالة دكتوراه: “وقد ذهب برفنسال من الباحثين المحدثين إلى أن ابن تومرت كان يسمى باسم بربري بحت لم يستبدل به اسم محمد إلا في وقت متأخر تيمناً باسم الرسول صلى الله عليه وسلم”[1] 

أقول: رغم أن هذا الرأي لم يعجب الدكتور عبد المجيد النجار إلا أنني أرى أن هذا التشكيك في محله لأن ابن تومرت ادعى أنه المهدي المنتظر وقد قرأ بالفعل الأحاديث الواردة في اسم وصفة المهدي المنتظر ومن ثم زعم أن اسمه محمد ليوافق رواية (لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي)! وزعم أن أباه اسمه عبد الله ليوافق رواية أبي داود (اسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطا وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً)!..

كما أن هناك خبراً في نظم الجمان تؤكد ما ذهبنا إليه حيث:  “ذكر ابن القطان أنه كان يلقب في صغره حينما كان يقرأ في المكتب (بأسفو)، ومعنى اسفو بالبربرية الضياء لملازمة ايقاد القنديل في المسجد للقراءة والصلاة. أما ما اشتهر به من لقب المهدي فإنه لم يطلق عليه إلا حينما أظهر المهدية وبايعه الناس، وأطلق عليه حينئذ لقب الإمام المعصوم المهدي المعلوم”[2]

فتوى أحد فقهاء المغرب في ابن تومرت وشيعته:

ويؤكد ما ذهبنا إليه؛ الونشريسي ت 914 هـ في المعيار المعرب في الرد على طائفة (جزناية) وهم من شيعة المهدي ابن تومرت ليستبين لنا تعاليم ابن تومرت وكذبه أن أباه اسمه عبد الله كما ورد في إجابة أحد فقهاء المغرب قديماً ننقل السؤال والجواب على النحو التالي:

“وسئل فقيه تازي ومفتيها الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد المؤمن رحمه الله عن طائفة جزناية من أخماس تازي، ونص السؤال من أوله إلى آخره: الحمد لله. سيدي رضي الله عنكم جوابكم في قوم فارقوا الجماعة ويكفرون المسلمين ولا يأكلون ذبائحهم ولا يصلون خلفهم ويقولون من لم يؤمن بالمهدي ابن تومرت فهو كافر ويفضلونه على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويقولون من لم يعلم اثني عشر باباً من التوحيد فهو كافر، وينقضون الوضوء بلمس ذوات المحارم، ويقولون من حلق ما تحت اللحية فهو مجوسي. بينوا لنا الرد عليهم في ذلك وما يلزمهم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته”[3]

فماذا أجاب الفقيه أبو عبد الله بن عبد المؤمن؟ نختار من هذه الإجابة المطولة الفقرة التالية: “وهؤلاء القوم الذين ذكرتم حرفوا ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال عليه السلام: (من كذب علي متعمداً فيتبوأ مقعده من النار). وجعلوا مكان المهدي حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن تومرت، فيقال لهم ناشدناكم الله هل المهدي بن تومرت بويع بين الركن والمقام؟ وقد أخبر عليه السلام بأن المهديالمعلوم يبايع بين الركن والمقام. ويقال لهم ناشدناكم الله هل المهدي بن تومرت بعث إليه بعث الشام فخسف بهم؟ فقد أخبر عليه السلام أن المهدي المعلوم يكون له ذلك. ويقال لهم ناشدناكم الله هل ابن تومرت سكن أنطاكية؟ فقد أخبر عليه السلام أن المهدي المعلوم يسكنها. ثم يقال لهم ناشدناكم الله هل ابن تومرت اسم أبيه على اسم النبي صلى الله عليه وسلم؟ فالفرق بينهما من الوجوه التي ذكرناها أن المهدي المعلوم حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ولد فاطمة، وابن تومرت ليس كذلك؛ والمهدي المعلوم يبايع بين الركن والمقام، وابن تومرت ليس كذلك؛ بل لم يكن إماماً وإنما كان الإمام عبد المؤمن بن علي؛ وأيضاً فإن المهدي المعلوم يملك العرب، وابن تومرت ليس كذلك؛ وأيضاً فإن المهدي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً فتكون إمامته على جميع الأقاليم كما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن تومرت إنما كان بأرض المغرب؛ والمهدي المعلوم يسكن أنطاكية، وابن تومرت لم يسكنها؛ والمهدي المعلوم اسم أبيه على اسم أبي النبي صلى الله عليه وسلم، وابن تومرت ليس كذلك؛ والمهدي المعلوم خلقه كخلق النبي صلى الله عليه وسلم من عترته، وابن تومرت ليس كذلك؛ والمهدي المعلوم يأتيه أبدال الشام وأهل العراق، وابن تومرت لم يكن له شئ من ذلك؛ وخلافة المهدي المعلوم قريبة من نزول عيسى عليه السلام (..) وأما تفضيلهم إياه على الصحابة فهو كفر صراح لأنه قد انعقد الاجماع من المسلمين على أن أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر، ثم تعارضت الظنون في عثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين. فهؤلاء خرقوا الاجماع، ومن خرق الاجماع فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل”[4]

أقول: إذن فالمهدي ابن تومرت بربري ليس اسمه محمداً ولا اسم أبيه عبد الله!! بل ينتهي نسبه إلى قبيلة (هرغة) وهي بطن من بطون قبيلة (مصمودة) المشهورة ثم بعد كل هذا ينسب نفسه إلى ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم!

لقد استطاع هذا الدعي الدجال أن يخدع عامة الناس بورعه الكاذب ويؤلب العامة على دولة المرابطين بزعم أنه كان يجهر بتغيير المنكر ومن ثم شكل له أتباعاً ومريدين وبث تعاليمه السامة في أدمغتهم وكفر حكومة المرابطين وجمهور أهل السنة بزعم أنهم مجسمة يقولون (الله فوق السماء) نظراً لأن معتقد المرابطين هو معتقد أهل السنة في الأسماء والصفات ويعتقدون أن الله واحد لا شريك له؛ في السماء بائن من خلقه معهم بعلمه وإحاطته ونصرته وليس بذاته كما يزعم أهل الحلول والجهمية ومن دان بمعتقدهم! لذلك شن ابن تومرت حملة شعواء قاسية على المرابطين لأنهم ليسوا على معتقده في الأسماء والصفات وفي قضايا التوحيد!! فصار يتقرب بدمائهم ويحرض على قتلهم وخاصة بعد أن قابل تلميذه ابن عبد المؤمن بن علي ت 588 هـ الذي ناصر دعوته وأقام دولة الموحدين (515 هـ إلى 668 هـ) بعد سقوط دولةالمرابطين.. الشاهد من هذا السرد أن غفلة حكام المرابطين على هذا المشروع التخريبي التآمري والتسامح معه وانشغالهم بحرب الفرنجة في الأندلس لأن دولتهم كانت كبيرة جداً من أقصى حوض النيجر إلى المغرب الأقصى وأطراف تونس إلى الأندلس وقشتالة إلى حدود جبال البرانس!! فقد كان هذا السوس (الداء العضال) العدو القريب ابن تومرت وعصابته ينخرون في جسد دولة المرابطين والدولة غافلة عنهم وتتعامل معهم برعونة!! وكانت المفاجأة قيام جيش جرار يلتهم ولايات المرابطين ولاية ولاية حتى أزالوهم عن مراكش ودخلوا الأندلس وتمزق ملك آل تاشفين وضاع حلم الفقيه عبد الله بن ياسين المؤسس لهذه الدولة السنية التي هزمت الصليبين الأسبان في الزلاقة سنة 479 هـ..

 وهكذا انكسرت راية التوحيد الحق التي كانت بأيدي المرابطين!! وقامت دولة البدع والضلال المسماة (دولة الموحدين) التي أعملت السيف في أعناق أهل السنة واستباحت دماء الأبرياء وقتلت خلائق وجماعات من العلماء والقضاة والمفتين وأهل الخير والصلاح لأنهم لم يعتقدوا معتقدهم الأثيم ولم يؤمنوا بمذهب الموحدين الباطل ولا بعصمة المهدي الدجال ابن تومرت!!

وهناك رواية تعضد رأينا في خطورة العدو القريب وأن ضرر هذا العدو القريب فتاك إذا قوي واستحكم واستفحل أمره؛ نسوق هذه الواقعة:

المنصور الموحدي يمتنع عن نصرة صلاح الدين الأيوبي:

أمير دولة الموحدين (أبو يوسف بن يعقوب المنصور) المتوفى 595 هـ وهو أول من تلقب من أمراء الموحدين بلقب فاختار لقب المنصور!! وتسمى بأمير المؤمنين! لقد امتنع هذا الخليفة! عن نصرة السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي وهو يطلب منه المدد لمواجهة جيوش الصليبين في المشرق!! لماذا امتنع عن نصرة صلاح الدين؟ لأنه كان ينظر إلى المسلمين المشارقة على أنهم وثنيون مجسمة مرتدون لا يجب مناصرتهم!! رغم أنه تعلل بأشياء تافهة كما ذكر بعض المؤرخين: “واعتقد (أي المنصور) أنه يستحق إمامة المسلمين في كل مكان وخلافتهم، ولذلك لم يتنازل بالرد على صلاح الدين الأيوبي رحمه الله عندما أرسل له رسالة مع رسول يطلب منه أن يمد المسلمين في بلاد الشام في صراعهم ضد الصليبين، واحتج بأن صلاح الدين لم يخاطبه بلقب أمير المؤمنين”[5]

أقول كيف يخاطبه بأمير المؤمنين وفي عنق السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي بيعة للخليفة العباسي السني!! هذه علل واهية والحقيقة أن صاحب دولة الموحدين لم يستجب لرسالة واستغاثة صلاح الدين لأنه يعتبرهم كما قلنا آنفاً مجسمة مرتدين مخالفين له في المعتقد!!


[1]  د.عبد المجيد النجار: المهدي ابن تومرت/دار الغرب الإسلامي/بيروت/1403هـ/ص23

[2]  د.عبد المجيد النجار: المهدي ابن تومرت/ص24.

[3]  الونشريسي: المعيار المعرب/دار الغرب الإسلامي/بيروت/ج2 ص453

[4]  الونشريسي: المعيار المعرب/ج2 ص455، ص456

[5]  د.محمد ماهر حمادة: دراسة وثقية للتاريخ الإسلامي ومصادره/مؤسسة الرسالة/الرياض/1408 هـ/ص510

شاهد أيضاً

هدف الحرب على العراق: دحْر الإرهاب أم التَّنصير؟ 3 من 5

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. تحليل موجز لأهم ما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.