أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / الأسباب الحقيقية وراء تصفية قاسم سليماني

الأسباب الحقيقية وراء تصفية قاسم سليماني

الدكتور عزت السيد أحمد

كاتب ومفكر سوري
عرض مقالات الكاتب

الذين يريدون منك الحقيقة بحبة وكرعة ماء لتدفشها، إنما يريدون دفش الفهم إلى المعدة لا إلى العقل، ليخرجوها، أي  الحبة، بعد ست ساعات مع الفضلات. هم لا يفهمون ولا يريدون الفهم؛ يريدون التفهمن.

في القسم الأول من هذا المقال الذي حمل عنوان: مقتل سليماني والتآخي الأمريكي الإيراني، انتهينا إلى وجازة اختصرناها اختصاراً وابتسرناها ابتساراً لضيق مساحتي الوقت والمقال وتيسيراً على القارئ. ولكننا في الحقيقة لم نبسط القول في الحقيقة بما يكفي ويشفي.

اللافت العجيب المريب، قبل أن أتابع، هو أنه على رغم وضوح الحقيقة لصغار الفيسبوكيين فإنني لم أجد محللاً واحداً على شاشات التلفزة يرقى إلى واحدٍ بالمليون من مستوى فهم الحقيقة. وكأنهم حلفوا بالطلاق أن لا يقتربوا من الحقيقة. ولذلك عندما أعمم في الأحكام عليهم فإني معذور ولا أبالغ ولا أرتجل من عندي.

كان القسم الأول من هذا المقال مخصًّصاً كله تقريباً، ما عدا الخاتمة، للاحتمال الذي لم يطرحه أحد وهو أن تصفية سليماني كانت بالخطأ. ولم نحشد التفاصيل والحجج المؤيدة لذاك الاحتمال لكثرتها. والسؤال الآن:

إذا لم يكن قتل سليماني بالخطأ كما ذكرنا فإذن لماذا قامت الولايات المتحدة بهذه العلمية ضد قاسم سليماني؟

الحقيقة التي يجب أن ندركها جيداً أنه لا صراع بين أمريكا وإيران ولا بين إيران وأمريكا. وأي صراع بينهما فيجب أن يكون تمثيلاً، فإن كان حقيقيًّا فلن يكون لصالح العرب ولا المسلمين بحال من الأحوال. لأنهما كلاهما يد واحدة، ولكليهما هدف واحد هو محاربة الإسلام والمسلمين والعرب، وهذا موضوع فيه الكثير من التفاصيل.

وفي هذا السياق يمكن فهم عملية تصفية قاسم سليماني إذا كانت مقصودة وأغلب الظن أنها مقصودة. وعلى ذلك أدلة وقرائن:

الدليل الأول: إذا كان قاسم سليماني بهذا الخطر فلماذا تم إمهاله كل هذا الوقت، ولماذا تمت تصفيته بالتحديد عندما أنهى تصفية الثورات السورية واليمنية والعراقية؟ ثمان سنوات وهو يصول ويجول في سوريا والعراق واليمن ولبنان متحديًّا أمريكا (بلسانه وتغريداته) مرتكباً أشنع وأبشع المجازر ضد السوريين والعراقيين واليمنيين ولم تنتبه له الولايات المتحدة، وبعد أن استتب الأمن للأنظمة التي حاربت شعوبها وحاربت الإسلام تمت تصفيته!!

الدليل الثاني: وهنا الفكاهة والفاكهة أن سليماني طيلة حركاته وتحركاته في هذه الأمصار كان يتحرك بحماية الطيران الأمريكي وحماية الجييش الأمريكي، وكل معاركه، تقريباً في هذه الأمصار، كانت تحت مظلة الطيران الأمريكي الذي كان يمسح الأرض له تمهيداً، ويظل فوقه حماية من المفاجآت.

قاسم سليماني إذن لم يكن هدفا ﻷمريكا كما لم تكن إيران هدفا ﻷمريكا ولا للغرب. ومن ثم فإن تصفيته إذا كانت مقصودة فهي حتماً بتوافق إيراني أمريكي، ولا احتمال آخر يقف صامداً أمام هذا الاحتمال إلا احتمال أن يكون موقفاً شخصيًّا من ترامب ذاته غير ممثل لمؤسسة الدولة الأمريكية. وإذ ذاك حتى القصدية في هذا الاحتمال تندرج في باب المصادفة الذي توسعنا فيه نسبيًّا في المقال الأول وإن اقتصرنا على نشر بعضه لا كله.

سواء أكانت العملية مقصودة بهذا التوافق الذي لا بديل عنه قياسا أو بناء على الحقائق التي لا تقبل الشك في حقيقة العلاقة بين إيران والغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة اليوم، أو كان بالقصدية العدوانية والعدائية المبنية على الصراع بين إيران والولايات المتحدة كما يجمع الإعلام والمحللون والسياسيون إما جهلاً أو جهالةً أو تجهيلاً أو نفاقاً أو كلها ارتفاقا. وأستثني لفيفا من الفيسبوكيين وأكثرهم من العامة… فإن السؤال الذي سيظل ماثلاً أو ما زال حتى الآن ماثلاً منتظراً جواباً هو:

– لماذا تمت تصفية قاسم سليماني؟!

لنترك الاحتمال الصراعي بين الولايات المتحدة وإيران فقد فصلنا فيه بما يكفي غير مرة ولننظر في الاحتمال القصدي التوافقي، أي التوافق والتراضي بين الولايات المتحدة وإيران، وربما بناء على طلب إيران إذا كان هذا الاحتمال هو الحقيقة. وأصلا بعد الغربلة ليس لدينا غير احتمالين؛ هذا الاحتمال، والاحتمال الأول الذي ناقشناه من قبل الذي له أشكال عديدة تجتمع وتلتقي وتنخرط في مبدأ واحد هو المصادفة وعدم القصد.

إن قصدية تصفية قاسم سليماني لا يمكن أن تكون إلا بالتوافقية المسبقة بين إيران والأمريكان، ودعك من العي واللعي العلك. وأي قصدية أخرى لن تكون آلا لغواً وخروجاً عن منطق حقيقة العلاقة بين الطرفين وعلى هذا اﻷساس فإن تصفية قاسم سليماني كانت ضرورة تاريخية ومفصلية واستراتيحية للطرفين كليهما معا؛ أهل القاتل وأهل القتيل. وذلك لتحقيق مجموعة من الأغراض المرسومة، وغيرها مما قد يتيسر من الأغراض العرضية. وهذا ما يتجلى على نحو واضح في النقاط التالية:

أولا: وربما يقف على رأس هذه الأغراض وضع حد لتصاعد سطوع نجم سليماني وقوة حضوره وتأثيره في الشارعين الشيعي والإيراني. وهذا هو المفتاح الذي افتتحت به المقال أساساً يوم مقتل سليماني (القسم الأول السابق نشره هنا). وهذه مسألة تاريخية سياسية عامة في مختلف الأنظمة الفردية الحكم، أي غير المؤسساتية.

أي شخصية يكبر حجمها ويمتد تأثيرها لا بد من وضع حد لها. وضع الحد لها يكون تبعاً لنمط الشخصية وطبيعة حضورها ومصدر قوتها ومدى ما تمتلكه من سلطات الدولة وعناصر القوى. كلما امتدت دائرة سلطة وقدرة هذه الشخصية كانت احتمالية تصفيتها بالقتل أكبر. وإذا كانت لا تملك قدرات سيطرة ونفوذ اختراقي فاعل ومؤثر فإن آزاحتها وتهميشها تكون هي السبيل غالباً. ولا يوجد ما يمنع من تصفيتها قتلاً. والأمثلة على ذلك من الأنواع كلها جد كثيرة في مختلف بلدان العالم الثالث المعاصر، وحتى في العالم القديم وجدنا الكثير من الأمثلة في الحضارات الإغريقية واليونانية والرومانية واﻹسلامية وأوروبا العصور الوسطى وصولاً إلى العصر الحديث السابق على تأسيس الدولة المؤسساتية… ولذلك فإنَّ تصفية قاسم سليماني كانت نتيحة حتمية بالتأكيد، وبهذا المعنى فهي مطلب إيراني وهدف إيراني شبه خالص ولا يخلو من أن يكون أيضاً حاجة وهدفاً أمريكيًّا أيضاً. والذي يجعل التخلص منه حاجة للطرفين هو صولاته وجولاته وملعوماته، فبما قام به من عمليات وأعمال ومهام فهو خزان معلومات يخشى الطرفان من تسربها بطريقة أخرى. ألم يقاتل تحت غطاء الطيران الأمريكي بضع سنوات في سوريا والعراق واليمن؟ هل يمكن أن يتم ذلك من دون حزمة اتصالات وتواصلات وأسرار خطيرة؟!

ثانيا: ولا يقل هذا المطلب أو الغرض أهمية عن المطلب الأول بل يفوقه أهمية تكتيكية واستراتيجية ومصيرية، وإذا كان الغرض الأول يكاد يكون إيرانيًّا خالصاً فإن هذا الغرض أمريكي إيراني في وقت واحد. وليست إسرائيل في ذلك كله في منأى.

هذا الغرض هو إعادة تعويم إيران خاصة والشيعة عامة بعد غرقهم المروع، وتلميع صورتهم المقاومة الممانعة بعد انهيار صورتهم وانفضاح حقيقتهم في العالمين العربي والإسلامي انهارا مدويًّا بسبب الثورة السورية على نحو خاص ومحدد.

بسبب الثورة السورية تحديداً انكشف الغطاء عن القناع الإيراني والشيعي وظهروا على حقيقتهم وحقدهم الأعمى وحربهم على الإسلام والمسلمين والغرب وتحالفهم مع إسرائيل والغرب ضد العرب والإسلام والمسلمين بعدما كانوا في نظر المسلمين مسلمين لهم تقدريهم مع ما في العقيدة من خلاف واختلاف.

هذه الحقيقة التي كان يجهلعا أكثر المسلمين والعرب في هذا العصر على أقل تقدير. وعزَّز هذا الانفضاح التحالفات الإيرانية الشيعية مع الغرب وعلى رأسه أمريكا وإسرائيل ضمناً، وإن ظَلَّ الخطاب الظاهر بينهنا العدائية، في حروبهم على الإسلام والمسلمين في أفغانستان والعراق وسوريا واليمن ولبنان. صحيح أن التحالف سري والظاهر هو العداء إلا أن الحقيقة ظهرت من خلال مؤشرات ودلائل وأدلة ناهيك عن الاستنتاجات والبراهين. حسبك السماح ﻹيران والشيعة يالتمدد في أرجاء سوريا حتى الإحاطة بحدود فلسطين المحتلة… وغيرها كثير مما تحدثنا فيه وغيرانا كثيرا.

ذلك كله أدى إلى الانهيار التام للصورة البراقة التي اكتسبتها إيران في العالم الإسلامي عامة والغربي خاصة بعد ما سمي الثورة الإسلامية الإيرانية التي خططتها وأنجحتها المخابرات الأمريكية وأعلنت على الفور الحرب على  إسرائيل وطرد السفارة الإسرائيلية فاكتسبت صورة المقاومة والممانعة والعداء لأعداء العرب والإسلام… وسعت لتزعم العالم الإسلامي… فكان لا بد من إرجاع البريق لهذه الصورة وإقناع المسلمين بأن العداء والصراع بين إيران والغرب وبين الغرب وإيران حقيقي وليس تمثيلا… بل  يأملون أكثر من ذلك وهو تصوريهم على أنهم الممثلون للإسلام المعارض للكفار وقوى الاستكبار. وقد بدأت إسرائيل هذا المشروع منذ أن عادت السيطرة على سوريا للنظام وإيران قبل ثلاث سنوات تقريبا إذا كل أسبوع تقريبا تقصف إسرائيل سوريا وتقول إنها قصفت مواقع إيرانية وشيعية أي لحزب الله او الحشد الشيعي العراقي من أجل تعزيز صورة العداء بين إيران وإسرائيل. وهذه كذبة مفضوحة. إسرائيل وامريكا تركوا إيران والشيعة قبل ذلك ست سنوات يسرحون ويمرحون ويقالون ويرتكبون المجازر لقمع الثورة وعندما قضوا على الثورة بدأ الغرب وإسرائيل بالمناوشات التلميعية هذه مع إيران.

وجاءت خطوة تصفية قاسم سليماني وقبله بيومين القصف الخماسي لمواقع شيعية في سوريا والعراق والتصعيد في التهديد والوعيد بين الطرفين في هذا السياق لإعادة صورة إيران المقاومة والممانعة ضد أمريكا وإسرائيل وإعادة حضورها في قلوب المسلمين وخاصة بعد الانهيار المدوي المرعب لقادة الدولة الغربية بالجملة وانفضاح خيانتهم وعبوديتهم ﻹسرائيل وتطبيعهم العلني معها على نحو تقشعر له الأبدان.

ثالثاً: هذا أيضاً مطلب إيراني أمريكي (غربي) في الوقت ذاته. وهو لملمة شتات الشارعين الشيعي والإيراني، وإلزامهما بالالتفاف حول السلطة والمرجعية بسبب التصدعات والشروخات والترهلات التي أصابت هذا الشارع الشيعي في الآونة الأخيرة والتمرد على التدخل الشيعي في لبنان والعراق والثورة ضد السلطة الشيعية ذاتها في إيران.

هذا الترهل والتفكك في الشارعين الشيعي والإيراني لا يشكل خطراً على السلطة الشيعية والعقيدة الشيعية وحسب بل يشكل خطراً على إسرائيل والغرب بمجملة، لأسباب كثيرة أبرزها أنَّ إيران والشيعة هم اللاجم الذي يكبح وحدة الصف الإسلامي ويعيق قدراته على الفعل، ومن ثم فإنَّ الغرب سيفقد أخطر حليف يحارب الإسلام والمسلمين ويحرفهم عن بوصلة العقيدة، لأنه أي إيران والشيعة يحاربون الإسلام من داخله لا من خارجه؛ أي بشرعية قوية هي شرعية الانتماء إلى الإسلام (بغض النظر عن مدى امتلاكهم هذه الشرعية)، وقد أعلن حسن روحاني للغرب من منبر الأمم المتحدة قبل خمس سنوات فيما أذكر قائلاً: «نحن الإسلام ا لذي يجب أن تعتمدوا عليه»، الغرب يعرف هذه ا لحقيقة وحسن روحاني يعرف أنهم يعرفون هذه الحقيقة، ولكنه لغاية في نفسه ذكرهم بها.

بعد القضاء على الثورات العربية وأخيراً إجهاض الثورتين السودانية والجزائرية بأيدي قواد الخليج العربي حدث ما لم يكن متوقعاً وهو انتفاضة شعوب المنتصرين -أي الشيعة -على نحو مفاجئ وهو أمر منطقي ولكنه غير متوقع ضد السلطة الشيعية في العراق ولبنان لأسباب اقتصادية ولأسباب سياسية هي التدخل الإيراني، وقبل ذلك ، ثورتان ضربتا إيران من الشيعة أنفسهم ضد السلطة الشيعية لأسباب سياسية واقتصادية وحتى على المرجعية الشيعية ذاتها بما هي مرجعية، بما يعي أن الشارع الشيعي يغلي شيعيًّا ضد السلطة الشيعية. ولن يكون من أجل المسلمين بطبيعة الحال فتلك مسألة أخرى. ولأن الضربات الإسرائيلي في سوريا على كثرتها على المواقع العسكرية الشيعية لم تجد في لملمة الشيعة حول سلطتهم كان لا بد من ضربة مميزة تقطع الشك باليقين تكون من جانب أمريكا ذاتها شخصيًّا وتكون عالية المستوى تطال أحد كبار رموز القوة الشيعية الإيرانية، مع البهارات والتوابل السابقة واللاحقة.

وفيما يبدو فإن هذه الخطورة قد نجحت حتى الآن إلى حدٍّ بعيد، فالثورة العراقية بردت وصارت مطالبها هي المطالب الإيرانية ذاته ولا ندر ماذا سيكون غداً، ولا تعرف ماذا يدور الآن في لبنان وماذا سيكون في القريب العاجل، وأما في إيران فإنَّ المتذمرين الذين شاركوا في الثورة شاركوا في اللطميات على تصفية قاسم سليماني.

وفي هذا السياق فإنَّ المطلوب هو تعزيز السلطة الشيهية وقداستها في قمع أي محاولات ثورية من داخل  الشيعة. هذا الأمر لالا ينتظر إذناً في الأصل، وقد سحقت إيران ثورتين كبيرتين في غضون عامين أو أقل من ثلاثة أعوامل على أي حال. ولكن تصعيد الخطاب العدائي والعدواني والصراعي بين الغرب وأمريكا من جهة وإيران والشيعة من جهة ثانية، والاستهداف الأمريكي للشيعة وإيران سيعزز سلطة المرجعية الشيعية في القرار والأريحية في اتخاذ القرار.

رابعاً: تبرير التراجع الأمريكي في الملف النووي على الرغم مما يبدو عليه الأمر من تصعيد في اللهجة على لسان ترامب وفريقه فيما يبدو.؟ والحقيقة أن الملف النووي الإيراني أمر مربك للطرفين الغربي والأمريكي والإسرائيلي من جهة، والإيراني من جهة ثانية. ودعك من أقوال المحللين السطحية.

قلت إثر قيام ترامب بإلغاء الاتفاق النووري مع إيران وموجة الفرحة التي غمرت الكثيرين بأوهام كوميدية: «إن كان إلغاء الاتفاق قرار مؤسسة فهو لتعزيز ا لموقف التفاوضي لإيران ومنحا المزيد من المزايا، وإن كان قراراً شخصيًّا لترامب فأمرخ شحصي ينظر إليه من حلال أخلاق ترامب وأمراضه النفسية وخاصة فيما يتصل بحقده على بارك أوباما لأنه أسود ومن أصل مسلم وصار رئيساً لأمريكا، ولذلك لا يفتأ يسعى بدأب لتشويه صورة أوباما وإنجازاته وأفعاله كلها».

أما ناحية الإرباك فالحقيقة أن إسرائيل وأمريكا وعموم الغرب على خلاف مربك ما بين له وعليه؟ فأكثر ما يظهر منهم  السعي والحرص على عدم امتلاك إيران السلاح النووي، ولكنهم في الوقت ذاته لا يمانعون أبداً من امتلاك السلطة الإيرانية الشيعية السلاح النووي، وربما يرحبون في ذلك من ناحية المبدأ فليس لديهم في حقيقة الأمر أي محاوف من سلطة الملالي، والأمر نفسه بالمسبة للملالي. ولكن المربك في الأمر أن إسرائيل وأوروبا وأمريكا وربما ا لملالي أنفسهم يتخوفون من لحظة تخرج فيها الأمور عن السيطرة بثورة تطيح بالملالي ويصبح معها السلاح النووي تحت سلطة الثائرين على سلطة الملالي، وتكون هنا المصيبة لا الكبرى وحسب بل المصيبة الحقيقية. هذا الاحتمال ليس محالاً وليس ضعيفاً بحال من الأحوال، وها نحن في غضون عامين شهدنا ثورتين في الشارع الشيعي الإيراني ذاته ناهيك عن تذمر القوميات الأخرى الخاضعة لاستبدادية سلطة المرجعيات الشيعية. والغرب بمجمله غير مستعد للمغامر في ما يحص ا لعالم  الإسلامي، يغامر في كل شيء إلا في التفريط في إخضاع العالم الإسلام، ولذلك لا يمكن أن يترط مثل هذه الثغرة في مهب الاحتمال، وبسبب هذه الثغرة يصر الغرب عموماً وعلى رأسه أمريكا وإسرائيل على عدم امتلاك إيران السلاح النووي، ناهيك عما يبديه سجال الملف النووي من صراع بين إيران والغرب بما يرفع رصيد إيران في عيون المسلمين ويظهرها على أنها العدو الحقيقي لإسرائيل والغرب.

هذه هي الحقيقة التي يغفلها الأكثرون ويتجالها الأكثرون وبالكاد تجد من يثيرها. وقد أفضت فيها نسبيًّا في كتابي آفاق التمدد الفارسي الذي صدر قبل نحو خمس سنوات.

خامساً: الأمر ا لذي استجد فجأة أو جاء  عرضاً بوصفه نتيجة لم تكن في الحسابات كلها هو المطالبة بخروج القوات الأمريكية من العراق. جاء ذلك بداية على لسان الإيرانيين بوصفه الرد الأبلغ أو البديل في الحقيقة، أو الثأر الحقيقي لمقتل سليماني على أساس إحراج القوات الأمريكية من المنطقة. ثم تحول إلى مطلب للقيادات الشيعية العراقية التي رفعت شعار طرد بل إخراج ا لقوات المريكية من العراق؟

وعلى هامش انعقاد البرلمان  العراقي في الخامس من كانون الثاني 2020م، ولا ندري ماذا كان في بالهم وأوراقهم، تقدم عادل عبد المهدي رئيس الحكومة المستقيلة التي تصرف الأعمال مؤقتا منذ عدة شهر إلى ما بعد بضع سنوات فيما يبدو، المهم أن رئيس الحكومة هذا تقدم بطلب إدراج مشروع قرار بإنهاء وجود القوات الأمركيية في العراق. وبعد ساعات من ذلك خرج علينا البرلمان بقرار يطالب ا لحكومة بالعمل على إنهاء وجود القوات الأجنبية في العراق. وبعد ساعات راح المحللون  العراقيون الشيعة تحديداً يلمحون إلى القوات التركية بالعراق!!!

الولايات المتحدة اعتدت على العراق، فقام العراقيون بمطالبة تركيا بالخروج من العراق!!

ناهيك عما فعلته وتفعله أمريكا في العراق من نهب وفساد.

لا تختلف طبيعة الكوميديا في هذا القرار عن كوميديا العلاقات الأمريكية الإيرانية الشيعية.

يبدو أن الأمر تحول إلى فرصة للتحلص من الوجود التركي في العراق، ولكنهم في ظل ا لحرب على تركيا وهي الحرب الحقيقية من العرب وعلى رأسه أمريكا أرادوا أن تستغلوا هذه  الفرصة إرباك تركيا وإدخالها في نفق مشكلات جديدة وخلافات جديد إلى جانب جرهاً إلى حواماجهات ومعارم نتعدد لتشتيت قوتها وتبديد ترطيزها، وربما إشعال النيران حولها من الجهات كلها.

الولايات المتحدة رفضت وسترفض الخروج على الفور ولكنها قد تغير موقفها عندما يكون إرباك تركيا أمراً ممكناً. وعلى أي حال تركيا لا تريد الخروج من العراق ليس نكاية بإيران كما يتوهم الجميع بلاهة بلا موسيقى تصويرية وإنما لعدم ترك خط الإمداد إلى الشام من دون حواجز أمريكية، وأيضاً ليس من أجل النفط كما يتوهم أسياد الشاشات فما الولايات المتحدة اليوم ولا من قبل أساس بحاجة إلى هذا النفط والغاز وإنما هو أداة لها فوائد كثيرة لا ننكر خطورة أهميتها بحال من الأحوال.

في الختام لي كلمة في أمرين :

الأولى أني تركت لمن يتابع المقال إلى آخره فكرة التفكير في أن القصف الخماسي وقصف سليماني ومعهما قصف ذكر وقصف ربما لم يذكر إنما هو نسخة مماثلة لأحداث الحادي عشر من أيلول من جهة المبدأ في أقل تقدير: في أحداث أيلول 2001م كانت طائرة واحدة كافية لتدمير برج من الاثنين ولكن الفاعل أراد أن يصدق أن العمل إرهابي لا محض مصادفة. وكان قتل سليماني يكفي ولكنهم قصفوا خمس مواقع شيعية قبله بيومين لتأكيد أن الحرب الأمريكية على الشيعة وإيران جدية.

أما النقطة الثانية فالذي يثبت هذا الوجه من التوافق الأمريكي الإيراني على تصفية سلماني أمور متعددة وليس أمراً واحداً. عرضها من دون توضيح مشكلة، فنتركها لمناسبة أخرى وهي موجودة في أصل  المقال بطبيعة الحال، ولكن الأمر طال على طول المقال.

تعليق واحد

  1. الدكتور سامي سلامة

    تستحق كل الشكر والتقدير
    لم أجد أكثر منك إدراكاً وفهما للحقائق
    وأستغرب أننا لا نراك تحلل هذه الحقائق على الشاشات التلفزيونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إذا كان آدم (عليه السلام) قد أخطأ فما ذنب ذريته حتى يتوارثوا خطيئته من بعده!؟

د. علي محمّد الصلابيّ هذا مبدأ قد نهت عنه كل الشرائع، وهل …