أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / قراءة في الوضع السياسي العربي مع بداية حقبة العشرينات 2020

قراءة في الوضع السياسي العربي مع بداية حقبة العشرينات 2020

بصيص من الأمل في السودان وشمال أفريقيا ونكوص سياسي وإنحطاط إعلامي في الدول المحورية المهمة ومخاض صعب في لبنان والعراق

فهد السالم صقر

كاتب وباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية
عرض مقالات الكاتب

بعد موجة  الربيع العربي الثانية  التي بدأت في السودان مع نهاية العام 2018  وأطاحت بالطاغية عمر البشير وتبعتها إنتفاضة الجزائر التي حالت دون وقوع مهزلة  ما يسمى ” “بالعهدة الخامسة”  للتجديد للرئيس المُقعد، فاقد الأهلية، عبدالعزيز بوتفليقة لفترة خامسة، تتجه الأمور في البلدين نحو بعض الإستقرارحيث إنتهى الحراك الجزائري  بإنتخابات تعددية في ديسمبر 2019  فاز بها عبد المجيد تبون، أحد رجالات النظام السابق، وإنتهى الحراك السوداني بحكومة مدنية يرأسها الخبير الإقتصادي عبدالله حمدوك، وبالرغم من أن الإنتقال  السياسي تم في البلدين تحت إشراف العسكر، إلا أنه شكل خطوة في الإتجاة الصحيح.   والأمل معقود على أن تتطور العملية السياسية الوليدة للوصول إلى توافقات بين القوى السياسية  والأحزاب المختلفة بناءا على آليات اللعبة الديمقراطية دون تدخلات خارجية وأن يكتب لها النجاح والإستمرارية.

في لبنان والعراق ، يمر البلدان حاليا بمخاض سياسي صعب وحراك وإنتفاضة شعبية ضد الفساد، وضد النظام الطائفي القائم في كلا البلدين. ويكتسب هذان  الحراكان أهمية بالغة لجهة سعيهما ليس فقط للإطاحة بأنظمة فاسدة  قائمة،  بل لسعيهما لتغيير قواعد اللعبة السياسية برمتها ونبذ الطائفية السياسية. لقد أصبح واضحا للجميع بأن الطائفية السياسية التي سعى الغرب بكل الوسائل إلى تقديمها وترويجها في بلداننا ، تارة بحجة حماية الأقليات ، وتارة بحجة حقوق الإنسان والديمقراطية  قد فقدت بريقها وإنكشف عَورها وفاحت رائحتها، وتبين أنها ليست إلا وسيلة لنشر الفساد والتفرقة والحؤول دون تقدم الأمة،  ووسيلة إستعمارية للسيطرة ليس إلا،  كما أثبتت الوقائع في العراق. فالطبقات السياسية  في لبنان والعراق  طبقات متكلسة غارقة في الفساد حتى أذنيها، تتحصن بالمحاصصات الطائفية المقيتة والعزف على وتر المذهبية والعرقية والخوف من الآخر لتحشيد أتباعها. تختبئ  هذه الطبقات السياسية وراء الطائفية وتستخدمها كملاذا آمنا للإفلات من المساءلة أو أي محاسبة قانونية عن فسادها وإجرامها.  هتف المتظاهرون السلميون في كل من لبنان والعراق ضد الطائفية التي يعتبرونها سببا رئيسيا في كل مشاكلهم وضد كل الطبقة السياسية ، و رفع اللبنانيون شعار(  ” كلن يعني كلن” )، بمعنى أنهم يريدون التخلص من كل الطبقة السياسية الفاسدة بما فيها رئيس الجمهورية المسيحي ورئيس الوزراء السني  ورئيس مجلس النواب الشيعي.  وفي العراق يرفع المتظاهروت شعارات مماثلة بينما يحاول بعض السياسيون وأمراء الحرب ركوب موجة الإصلاح ونبذ الطائفية لتحقيق مكاسب شعبية إلا أنهم يفشلون في إقناع الشارع المنتفض بمصداقيتهم ، مقتدى الصدر مثالا.

إن إقصاء الطائفية وإستئصالها في لبنان والعراق لصالح مشروع مدني معتدل أساسه المواطنة بغض النظر عن الدين والمذهب، سيغير حتما من قواعد اللعبة السياسية  ويكون له آثار إيجابية على الجميع و على المنطقة و من شأنه أن يكسر الكثير من المحرمات. ويجب تشجيع ودعم هذا التوجه ولكن هل سيسمح بذلك الغرب الذي يلعب دائما دور الضامن والكفيل للحفاظ على  للوضع الراهن The status quo فلننتظر لنرى.

 وفي تونس  مهد الربيع العربي،  تسير الأمور بسلاسة نوعا ما نحو الإستقرار، حيث تم عقد إنتخابات نهاية العام 2019  هي الثانية بعد الإطاحة بزين العابدين بن علي عام 2011، أفضت إلى إنتخاب رئيس جديد خلفا للرئيس الراحل قايد السبسي هو قيس سعيًد، وهو رجل أكاديمي ويبدو من تصريحاته وقراراته أنه رجل إصلاحي نزيه، وإن كان من المبكر جدا الحكم عليه من الآن.  وتكمن أهمية الإنتخابات التونسية الثانية  أنها رسخت مبدأ التداول السلمي للسلطة بعيدا عن  مفهوم القائد الملهم والزعيم الضرورة.  علما بأنه لا يزال  هناك قوى شد عكسي وجيوب فساد  وعسكر ودول عميقة في كل من الدول الثلاث ، تونس و الجزائر والسودان  لا بد من إحتواءها و ترويضها مع الوقت لمنع إنتكاس العملية الديمقراطية.

وفي مصر بات واضحا الآن بعد أن مرت إنتخابات 2018 الهزلية مرور الكرام ( إنتخابات المرشح الوحيد)، ثم ما جرى بعدها من تمرير للتعديلات الدستورية التي تسمح لعبد الفتاح السيسي أن يحكم مصر عمليا مدى الحياة،  أن الأمور قد عادت إلى سابق عهدها إبان حكم  الرئيس المخلوع حسني مبارك، بل أسوأ،  وكأن ثورة 25 يناير2011 لم تحدث ( كأنك يا أبو زيد ما غزيت). لقد نجحت  الثورة المضادة في مصر بأدواتها؛ الدولة العميقة ، الإعلام المرتزق والدعم الدولي الغربي القوي إلى إعادة الشعب المصري إلى حظيرة الطاعة – ولو حتى حين- . عنوان  المرحلة العريض هو الإستمرار في  شيطنة  جماعة الإخوان المسلمين كوسيلة  لإقصاء الإسلام السياسي بكل أشكاله عن الساحة السياسية ووصمه ( والدين الإسلامي)  بالإرهاب والعنف، وبالتالي  شطب شريحة واسعة ومهمة جدا من الشعب المصري من المشاركة السياسية وتعطيل التحول الديمقراطي،  والتحالف الوثيق  مع إسرائيل بحجة مواجهة إيران والإرهاب تمهيدا لتمرير ما يسمى بصفقة القرن.  

ومن الناحية الإقتصادية يستمر نظام السيسي بالتخبط  بسياسات إرتجالية ومشاريع إستعراضية  غير مجدية ( كتفريعة قناة السويس، والعاصمة الإدارية، والمشاريع غير الإنتاجية)،  دون دراسات  حقيقية أو خطط بعيدة المدى، ودون إستراتيجيات وطنية واقعية ترسم لمستقبل منظور.   المبالغة في بناء القصوروالإستراحات  الرئاسية غير الضرورية البتة، لتنفيع المقربين ،  فالأولى أن توجه الموارد المحدودة للدولة للإستثمارات في المشاريع الإنتاجية لزيادة الدخل القومي و لخلق وظائف جديدة للشباب والعاطلين عن العمل.  في نفس الوقت تُكبت الحريات العامة ويُطلق العنان لإعلام مُطبًل بذيء منحط، وإعلاميين من درجة التيرسو كأحمد موسى وتوفيق عكاشة ولميس الحديدي وغيرهم ( مهرجًين سيرك)  للدفاع عن شخص الرئيس  بالردح  والوقاحة والإسفاف للرد على كل معارض أو منتقد،  والتشهيربالخصوم  وإغتيالهم سياسيا، وترسيخ حكم الفرد وعبادة الشخصية ( The cult of personality) مثل كوريا الشمالية أو موزمبيق في عهد موجابي.  وإطلاق يد الجيش لإحتكار الإقتصاد والتجارة والتدخل في كل صغيرة وكبيرة في الدولة ، من إستيراد  الرز والسكر واللحوم إلى قطاع المقاولات والصناعة والزراعة ، بما يترتب على ذلك من فساد وإفساد وقتل لروح التنافسية والإقتصاد الحر.

 وتغيرت فلسفة وعقيدة الجيش من حامي للحدود ومدافع عن الوطن إلى تاجر وسمسار ينافس القطاع الخاص ورجال الأعمال ويشاركهم في رزقهم، وتراجع الدفاع  والأمن القومي إلى أولويات ثانوية،  ومعه  دور مصر القومي لدرجات مخجلة حتى أصبحت دولة صغيرة بحجم قطر تلعب أدوارا أهم من دور مصر.   وقد شاهدنا درجة الذل والهوان التي آلت اليه البلاد في عهد السيسي ،  لدرجة أن  دولة فقيرة وهامشية كإثيوبيا  تتحكم في حصة المياه التي تستحقها  مصر من نهر النيل وتتحكم في شريان الحياة لمئة مليون مصري،  وتفرض شروطها على مصر في مشروع سد النهضة. بينما  يأتي رد فعل عبدالفتاح السيسي  بطريقة تهريجية فردية وليس مؤسساتية وهو يقف كالقزم الأبله  أمام رئيس الوزراء الإثيوبي  آبي أحمد في مؤتمر صحفي مشترك ويطلب منه أن  يقول: والله والله ما رح أضر مصر،  في مهزلة ديبلوماسية غير مسبوقة وإحراج وطني مهين.  هل هكذا تدار الديبلوماسية والمصالح العليا للدول؟ أن يتصرف الرئيس  بسذاجة متناهية وكأنه في سوق خضار ويطلب من نظيره أن يحلف بالله ثلاثا أنه لن يضر بلاده. أهكذا تحافظ الدول على مصالحها الحيوية..!؟ قول والله والله…

 وبينما يتشدق عبدالفتاح في كل مناسبة بكلام خطابي مرسل ومبهم  ، غير مبني على أي أسس أو برامج واضحة عن تطوير مصر وجعلها  حديثة و متقدمة وحثه المصريين على الصبر والتحمل من أجل مستقبل أفضل .    (وبكره حتشوفوا مصر…)، وطلبه من المصريين أن يمنحوه فترة سنتين فقط  وما إلى ذلك من تفنيص.  نراه من جهة أخرى، يندب حظه أمام الصحفيين الأجانب  ويرفع يده يائسا متظاهرا بالحسرة وقلة الحيلة  متسائلا ببلاهة في تناقض صارخ ماذا عساه يفعل بمليون طفل مصري جديد يولدون في كل عام ، من أين سيوفر لهم الصحة والتعليم وما إلى ذلك ويسألهم  بغباء  قل نظيره ودون خجل،  أرجوكم أرشدوني ماذا أفعل.  وهل مهمة الصحفيين الأجانب  أن يرشدوك ماذا تفعل لشعبك؟؟!. فالرئيس الذي يحترم نفسه ويحترم شعبه يسأل مستشاريه وخبراءه  وإختصاصييه وبيروقراطييه وليس الصحفيين  ما هذا الإسفاف وقلة القيمة؟؟   ألا يعلم عبدالفتاح بأن دول كثيرة  مثل اليابان وألمانيا وفرنسا وكندا تتمنى مليون مولود سنويا، بل وتشجع الإنجاب  وترحب بالمهاجرين الجدد لبعث الحيوية في  إقتصادياتها المتطورة. لا يعلم عبدالفتاح -ولم يخبره أحد- من جوقة المنافقين والمنتفعين حوله أن العنصر البشري هو أهم مقومات الإقتصاد القوي، لمن يعرف كيف يستغله. وإن كنت يا سي عبفتاح  جاهلا بألف باء الإقتصاد، فلماذا لا ترحل وتترك المجال لغيرك،  بدل الوَلوَلَة  والنفاق وإهانة منصب الرئيس بالطريقة الفجة هذه،  فمن الذي يجبرك على البقاء؟

هذا التصرف الأرعن من عبدالفتاح يشي بعقلية فردية متسلطة وعدم فهم لمعنى الزعامة والقيادة، فالرئيس الناجح يحيط نفسه بمستشارين وأخصائيين يرسمون السياسات ويحددون الأولويات ،  فليس المطلوب من الرئيس شخصيا ان يحل مشكلة مليون مولود جديد ، وأن يجد فرصة عمل لكل عاطل ، بطريقة مايكرو إدارية مصغرة ( (Micro management فهناك  حكومة و لجان ووزارات ومراكز أبحاث ،هي التي ترشد الرئيس وتقدم له المشورة بخصوص الأولويات والسياسات العامة، وهو يضعها موضع التنفيذ ويكون دوره إشرافيا.   ولكن عبدالفتاح  يتصور نفسه المسؤول عن كل شيء في الدولة وهذا واضح من تصرفاته وتخرصاته  وطريقة تفكيره النرجسية ،   ففي كثير من المناسبات  يتحدث وهو جالس داير ظهره للجمهور في سلوك عديم الإحترام ويدل على قلة أدب وعدم معرفة بأبسط أصول الإتيكيت .  فقد إعتاد السيسي أن يجلس في قاعة مليئة بالجمهور في الصف الأول ويلقي خطابات مرتجلة فارغة المضمون والمعنى، مليئة بالنرجسية وتعظيم الذات، على غرار: أنا صادق قوي ، وأنا أمين قوي،  وأنا ما بكذبش،  وما تصدقوش حد غيري، وأنا بعرف شو بقول،  ولو بعرف” أتباع لأتباع “، وهو يقصد أن مصر فقيرة جدا لدرجة أنه لو يستطيع يبيع نفسه لفعل، علما بأن مصر من أغنى دول المنطقة ولم تفقر وتتقهقر إلا على يد حكم العسكر من أمثاله وأمثال عبدالناصر وحسني والسادات.

مخطئ من يظن  بأن المهزلة السيسية ( نسبة الى السيسي)  الجارية الآن  في مصر ليست  تحت إشراف مباشر من المايسترو الغربي -الإسرائيلي  الذي يضبط إيقاعها يوم بيوم،   فمصر هي أهم إقليم عربي وهي قلب الأمة العربية وأملها،  وبدونها لن تقوم للعرب قائمة، فمصر ليست تونس ولا السودان ، ولذلك فإن إبقاء مصر تحت الوصاية الإسرائيلية الأمريكية المباشرة بواجهة “شبه وطنية Semi national” مزيفة ووهمية يمثلها رئيس فاقد للمشروعية، ضحل التفكير، سخيف المنطق، ضعيف الحجة، جاهل في ألف باء الإقتصاد  ولا يملك من مقومات  الزعامة أي صفة  كعبدالفتاح السيسي وعميل،  ويدافع عنه إعلام ردح بذيء منحط من الدرجة الثالثة هو الأولوية وحجر الزاوية في الإستراتيجية الغربية في مصر.

والشئ ذاته ، أي نفس المهزلة والنرجسية المفرطة  جاري إستنساخها  في الجزيرة العربية في تمكين  محمد سلمان وتتويجه كحاكم بأمره في بلاد الحرمين، وتصويره بأنه المهدي المنتظر والمخلص والمحدث والعبقري وفلتة زمانه مع  أنه نه لا يفقه شئ، وهو – مثل عبدالفتاح-لا يمكن الوثوق به على سخلتين.  

 لقد مرًرَت أمريكا المهزلة الإنتخابية عام 2018 التي كان السيسي فيها المرشح الوحيد  وتعاطت مع تجاوزات السيسي في إعتقال الخصوم المحتملين وزجهم في السجن بالإكتفاء بإصدار بيانات التعبير عن القلق،  وكانت التغطية الإعلامية الغربية للإنتخابات مخزية تماما ومتواطئة بإمتياز . كما أن الإعلام العربي المعروف الولاء والتمويل تعامل مع تلك المهزلة  بطريقة الإستهبال والعبط… فقد كانت التغطية الإخبارية لقناة العربية ، على سبيل المثال عن إعلان السيسي نيته إعادة الترشح عام 2018 لا تخلو من الإحتفالية ركًزت فيها على شعار الحملة الإنتخابية  الذي إختاره وهو “شعار النجمة” ، في عملية إستغفال رخيصة وإستخفاف بعقول الناس، وكأن ما يهم الناس هو شعار الحملة الإنتخابية إن كان نجمة أو شجرة  وليس برنامج المرشح.   فللمرة الثانية على التوالي يخوض “سي عبفتاح” الإنتخابات دون أي برنامج إنتخابي، ودون أي وعود سوى الكلام الأجوف عن وقوفه في وجه  الإرهاب و الأشرار( الأخوان المسلمين) وما إلى ذلك من كلام مرسل، وسط تطبيل وسيرك إعلامي مرتزق مبتذل يشوه الخصوم  بالكذب والدجل و يغتالهم سياسيا.

لماذا تم التجديد للسيسي بهذه الطريقة الإستفزازية دون الإلتفات إلى أبسط مظاهر الديمقراطية الشكليه؟ ولماذا قامت الدوائرالغربية إياها ( أمريكا تحديدا)  بفعل ذات الشيء في  السعودية بفرض محمد سلمان؟ لماذا محمد سلمان تحديدا ، لماذا تم إستبعاد الأمير محمد بن نايف ولي العهد السابق بطريقة مهينة لصالح أمير أهوج غير ناضج وغير متعلم عديم الخبرة كمحمد سلمان؟

الجواب بسيط، في السعودية كما في مصر،  المرحلة تتطلب تجاوز خطوط حمراء وكسر محرمات ومقدسات  وهم بحاجة إلى خيالات مآتة وطراطير، بمعنى  رموز ورقية لتنفيذ أوامر وتعليمات فقط، يريدون (رجلا معبأ في بدلة)  كالسيسي  أو (رجلا معبأ في دشداشة) كمحمد سلمان. وهذه هي المرتبة الثانية من مراتب  الإستعمار، تأتي  بعد الحكم الأجنبي المباشر (الدرجة الأولى هي الحكم المباشر عن طريق مندوب سامي أو حاكم مدني ظاهر للعيان ومعروف  على نسق بول بريمر في عراق ما بعد الغزو) … فالمرحلة الحالية  تشهد   مجموعة إستحقاقات ؛ أهمها تصفية القضية الفلسطينية بالكامل حسب التصور الإسرائيلي الليكودي، وجعل التطبيع مع الكيان مجانيا دون أي تنازلات أو أي  مقابل من الجانب الإسرائيلي،  وإعادة تقسيم المنطقة عرقيا ومذهبيا ، وهو أمر جاري الآن على قدم وساق في العراق وسوريا واليمن وليبيا ولاحقا في السعودية.   ولإنجاح صفقة القرن لا بد من تجاوز خطوط لم تكن أمريكا أو إسرائيل تحلم بتجاوزها يوما ما  ويعتقد ترامب بغباءه أنه آن أوانها ويستطيع فرضها على العرب   بالقوة والغطرسة  وسياسة الأمر الواقع، – مستخدما الأنظمة كأدوات-   وذلك  بتوظيف حكام ضعاف ذوي شخصيات مهزوزة  وضحلة التفكير كعبدالفتاح  السيسي ومحمد بن سلمان كواجهات فقطـ بينما في كل من القاهرة والرياض  يوجد بول بريمر خفي يدير خيوط السلطة من وراء الكواليس.

أما قاتل شعبه بشار الأسد، و الأكثر دموية بينهم على الإطلاق فهو سيبقى في المدى المنظور  الحصان المفضل عند أمريكا وإسرائيل، تسعيان  لتثبيت حكمه بكل الأشكال وتوطيد حكم طائفته للأسباب نفسها ( بالطرق الملتوية والمؤتمرات والإجتماعات وبالضحك على اللحى وبكل طرق النصب والإحتيال الدولي التي مارسوها في فلسطين سابقا) لأن بشار الأسد  أصبح يناسب (بروفايل الحاكم المطلوب) كالسيسي ومحمد سلمان. ضعيفا ، قاتلا، تلطخت يديه بدماء  شعبه وفاقدا للشرعية، ويعتمد على حمايتهم للبقاء،  وبالتالي، أكثر قربا من الحضن الإسرائيلي وأكثر إستجابة لأوامرهم وتوجيهاتهم.  لاحظوا فقط كيف أن الإستدارة الغربية ب 180 درجة من النظام الأسدي حدثت بسرعة  في سوريا بعد هجوم الغوطة الكيماوي في سنة 2013، ولحس أوباما خطه الأحمر وتبين أنه كان كاذبا من أول يوم في كل تصريحاته عن بشار الأسد، وعن الثورة السورية،  حيث بدأت بعدها مباشرة عملية إعادة تأهيله دوليا بوتيرة مدروسة بعد أن قدم بشار أوراق إعتماده لإسرائيل على شكل ملايين الجماجم لأطفال ونساء سوريا،  وأثبت  لهم -قولا وفعلا-أنه لن يتورع عن إبادة شعب سوريا  بأكمله مقابل البقاء في السلطة تجسيدا لشعار (الأسد أو نحرق البلد)..

إن  نتنياهو وترامب في عجلة من أمرهم ويريدون تحقيق أهدافهم بسرعة، قبل إنتهاء رئاسة ترمب عام 2024  ، (هذا على فرض أنه سيعاد إنتخابه هذة السنة) ،  تصفية القضية الفلسطينية، تأجيج نار الحرب الطائفية، تقسيم المقسم، تشجيع الأقليات للإنفصال وإقامة كيانات عرقية وطائفية وإعلان سيطرة إسرائيل على المنطقة، وبالمرة تُحكم  أمريكا سيطرتها  على كل نفط المنطقة من سلطنة عمان جنوبا حتى كركوك شمالا . فهم يعتقدون أن الفرصة أصبحت مواتية ولا بد من إستغلالها وقطف ثمارها قبل أن تفوتها الشعوب. إسرائيل  تعتقد أنها الآن في موسم قطاف ولا تريد إضاغة فرصة وجود رئيس أرعن عنصري في البيت الأبيض.  

أما الأردن فإنه يتعرض لحصار إقتصادي غير معلن لتركيعه فقد أصبح واضحا من تصريحات الملك عبدالله الثاني المتكررة ومواقف  الأردن  المعلنة في مؤتمر دافوس وقبله وبعده أن المملكة الأردنية الهاشمية تتعرض لضغوط إقتصادية للإنخراط في تصفية القضية والتخلي  عن  القدس. ولكن ولأسباب موضوعية كثيرة ومتشعبة فإن المملكة الهاشمية لن تخضع لهذة الضغوط ولن تقبل  بالإنخراط في  صفقة القرن . من الواضح  إن الأشخاص الذين وضعوا صفقة القرن  لا يعرفون شئ عن طبيعة المنطقة وأهلها ولم يراعوا أبسط المبادئ لتركيبتها الإجتماعية والدينية والتاريخية.  إن سقف التنازلات عند الأردنيين وصل إلى قاع القاع وليس بعد هذا القاع قاع، فالضحية لا يمكن  أنيشهد على نفسه في المحكمة أو يُجَرم نفسه… ولهذا فإنهم يلجأون الى الملف الإقتصادي للتضييق على  االأردن للرضوخ لإملاءاتهم في سلوك سياسي لا يخلو من المخاطرة لأنه قد يرتد عليهم بصورة عكسية، فالمثل يقول : تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، كما أن كثر الضغط يولد الإنفجار. خاصة وأن عند الأردنيين أوراق قوية مهمة بأيديهم لو إستعملوها  قد تقلب الطاولة على إسرائيل،   فالأردن ليس حيط واطي كما يظن البعض،  فالمسافة التي تفصل عمان عن المسجد الأقصى لا تتجاوز السبعين كيلو متر، ويمكن قطعها على الأقدام، وفهمكم كفاية.

الخلاصة أننا نقف الآن  في مطلع عام 2020 على مفترق طرق وفي  مرحلة تصفوية بإمتياز، سوف يكون محوراالتآمر فيها وركيزتها الأنظمة الثلاثة المتحالفة مع إسرائيل ، مصر، سوريا والسعودية   وهي أدواتها  التنفيذية لتمرير المشروع الصهيوني في المنطقة  بعد أن أحكمت الصهيونية العالمية سيطرتها  المباشرة علي هذة العواصم الثلاث . إن ما إقترفته أيدي هذه الأنظمة من إجرام في حق الأمة يجعلها  أدوات هدم فقط لا أدوات تنمية وبناء،  وما رؤية 2030 لمحمد سلمان وما يسمى “بمشروع نيوم”  الوهمي إلا كلام فارغ وإبر تخدير تعطى للشعوب النائمة المغلوبة على أمرها ، وما يشاع عن عمليات ومشاريع إعمار سوريا  قبل زوال نظام بشار الأسد هو نكتة سمجة،  يروج لها البعض في الغرب من باب الإستغفال وتحقير الشعب السوري والقفز على تضحياته،  فهؤلاء ” الزعماء” الوهميين ليسوا إلا  رأس حربة وأدوات المستعمرالأجنبي  في تدمير  الأمة وتصفية قضيتها الأولى وفق نظرية الفوضى الخلاقة التي نادى بها شياطين الإنس الجدد.

 من سخريات القدر أنهم يتحدثون عن إصلاحات إقتصادية في مصر والسعودية  في ظل كبت الأنفاس وقتل المعارضين وتقطيع جثثهم وحبس العلماء و النشطاء السياسيين  وزج الآلاف من المعتقلين  السياسيين في مصر في السجون في ظروف إعتقال مهينة ، وحرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية في العلاج والزيارات العائلية ورؤية محامين.   وسط كل هذا التخلف السياسي والإجتماعي والقمع والإقصاء عن  أي إصلاح إقتصادي يتحدثون. هي كوميديا سوداء بكل معنى الكلمة.  

المطلوب منا في هذة المرحلة العصيبة من تاريخ أمتنا هو الإمتثال لحديث رسولنا  وحبيبنا و شفيعنا محمد صلى الله عليه وسلم : من رآى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان.  رواه مسلم.

شاهد أيضاً

يبقى الماء ويذهب الزبد

د. عطية عدلان كاتب وأكاديمي مصري هذه الأمة كالماء؛ يبقى عذبا ما جرى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.