أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / دور القبَّالة/الصوفيَّة المغالية في إسقاط الدولة العثمانيَّة واحتلال الأرض المقدَّسة 6 من 6

دور القبَّالة/الصوفيَّة المغالية في إسقاط الدولة العثمانيَّة واحتلال الأرض المقدَّسة 6 من 6

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

تقسيم فلسطين وموقف عبد الله بن الحسين منه

تزامَن إعلان المملكة الأردنيَّة الهاشميَّة مع صدور تقرير لجنة فلسطين الخاصة التابعة للأمم المتحدة (الأنسكوب) في أغسطس من عام 1947، الذي أوصى بضرورة تقسيم فلسطين (ص269). كانت بريطانيا وأمريكا، المنتصرتان في الحرب، قد بدأتا في مناقشة مصير فلسطين، وكان رأى عبد الله حينها هو تأييد فكرة التقسيم، وعرض ذلك على رئيس وزراء بريطانيا كليمنت آتلي وعلى وزير خارجيتها إرنست بيفن، بل وقد نصح بفرض الأمر دون استشارة أحد، بل وصرَّح للدبلوماسي البريطاني أليك كيركبرايد بأنَّه كان يعارض بقاء فلسطين دون تقسيم (ص272).

في 29 نوفمبر من عام 1947، صوَّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح قرار تقسيم فلسطين بأغلبية محدودة وبضغط أمريكي، بينما امتنعت بريطانيا، صاحبة المصلحة الأولى ومدبِّرته الأساسية، عن التصويت! بالطبع، لا فارق بين موقف بريطانيا التي آثرت عدم التصويت للحفاظ على مكانتها في العالم العربي وموقف عبد الله الذي ما كان إلا ليتظاهر بالرفض كي لا يغرِّد خارج السرب. وصل الأمر إلى استغلال الفيلق العربي في “الحيلولة دون انتشار الفوضى والإسهام في إعادة إشاعة الأمن”، والمقصود هنا دحر أي محاولة من الفلسطينيين لمقاومة التقسيم، وربما كذلك أي محاولة عربيَّة أو إسلاميَّة أخرى. وبرغم محدوديَّة عناصره من حيث العدد مقارنة بجيشي مصر والعراق (7200 عنصر فقط تحت إمرة 191 ضابطًا)، كان الفيلق متفوقًا من حيث التدريب والتجهيز (ص277).

من جديد، يقترح عبد الله احتلال الجزء العربي من فلسطين باستخدام الفيلق العربي، في محاولة لإثبات معارضته للتقسيم، وفي خطوة تمكِّنه من توسيه نطاق أرضه، وبالطبع رحَّبت بريطانيا هذه المرة. واجهت خطة عبد الله التوسعية الأخيرة بسبب مذبحة دير ياسين أمرين متضاربين: من ناحية، أصبح لتدخُّله العسكري مبرره وبخاصة بعد أن طالبه الفلسطينيون بحمايتهم، ومن الناحية الأخرى، صار من الواجب تدخُّل قوات عربية بدعم من جامعة الدول العربية، وهذا كان سيعرقل خطته. ظهرت نوايا اليهود الحقيقية بعد عدوانهم على مدن خارج النطاق الذي حددته لهم الأمم المتحدة، على عكس ما ورد في اتفاقه مع جولدا مائير في نوفمبر من العام السابق، وهنا تضاعفت طلبات الاستغاثة الفلسطينية، وحينها وقع عبد الله في حيرة في كيفية التوفيق ما بين إرضاء الفلسطينيين وبين الحفاظ على سمعته أمام الجميع بأنَّه لا دخل له فيما يحدث.

اتفقت الجامعة العربيَّة مع عبد الله على التدخل العسكري في فلسطين بميزانيَّة 3 ملايين جنيه، وسُمي عبد الله قائدًا للقوات العربيَّة، برغم غياب التنسيق ما بين تلك القوات وبرغم وجود قائد على رأس كل فرقة. كان التناسب بين القوتين العربيَّة واليهوديَّة يُقدَّر بمعدل التناسب الرقمي ما بين 19200 و74000، على التوالي (ص287). كان الهدف الأهم للفيلق العربي هو حماية القدس الشريف، أما سائر الجيوش الأخرى، فقد واجهت صعوبة في معركة غير متكافئة ومحسومة لصالح اليهود، وكأنَّ الهدف منها لم يكن سوى إثبات أنَّ العرب لم يقبلوا باحتلال فلسطين وبذلوا جهدهم في سبيل إنقاذها دون جدوى.

من ناحية أخرى، كانت كافة الدول العربيَّة مستاءة من فكرة سيطرة عبد الله على فلسطين ولكل دولة تبريرها، فلبنان وسوريا رأتا أنَّ تمزيق فلسطين كان الخطوة الأولى في سبيل تحقيق حُلمه بتأسيس سوريا الكبرى، أما ابن سعود فكان يرى دائمًا أنَّ أي تقدُّم لعبد الله يهدد سيطرته على الحجاز. في حقيقة الأمر، لم يكن هناك من مستفيد من توسيع نطاق دولة الأردن لتشمل الأجزاء الباقية من فلسطين سوى إسرائيل بذلك سيُزال اسم فلسطين من خارطة القانون الدولي، ولكن يبدو أنَّها آثرت الإبقاء على الجزء العربي ضعيف اقتصاديًّا وسياسيًّا، كما هو الحال، ويبدو أنَّ قبول الطرح الأول لم يكن يستهدف سوى إغراء عبد الله ليكبح الكفاح العربي ضد اليهود.

انقسم الفلسطينيُّون-المنقسمين قبل الحرب-إلى ثلاث فرق: فرقة آثرت البقاء في إسرائيل (عرب 48)، وأخرى خرجت من الأجزاء المحتلة إلى البلدان المجاورة (مصر وسوريا والأردن ولبنان)، والثالثة بقيت في الأجزاء غير المحتلة، ولكنها لم تسلم من الأذى. وتجمَّع الفلسطينيون بمئات الآلاف في الضفة الغربية وفي قطاع غزة، ولا يمكن وصف معاناتهم. وبريطانيا ترفض إقامة حكومة فلسطينيَّة مستقلة لأنَّ من شأن حكومة كهذه أن تتحول إلى “بؤرة تعصُّب عربي غير فعَّال”، وهذا كان سيؤثِّر على مصالح بريطانيا الاستراتيجيَّة في فلسطين، وبشأن مصير الأجزاء غير المحتلَّة، فقد تركته لمشاورة الدول العربيَّة، وعرضت ضمَّه إلى الأردن.

أُجهضت مساعي عبد الله المضنية في سبيل ضم أجزاء فلسطين الباقية إلى مُلكه بفعل الإرادة الفلسطينيَّة التي رفضت طموحاته التوسعيَّة التي كانت خطوة في طريق الاعتراف بإسرائيل (ص321). وعقد مؤتمر أريحا في ديسمبر من عام 1948 بهدف منح ضم الأجزاء العربيَّة من فلسطين إلى الأردن، مما أثار انتقاد الملك فاروق لعبد الله علانيةً، فسعى الأخير إلى الانتقام بتحريض السودانيين على المطالبة بالانفصال عن مصر من خلال إرسال رسالة تأييد إلى عبد الرحمن المهدي، حامل لواء الانفصال.

اتَّبع عبد الله سياسة “الضم الزاحف” لضم ما بقي من أراضي فلسطين العربية، من خلال عملية تغيير سياسي واقتصادي تؤدي إلى توسيع دائرة نفوذه هناك، وشمل ذلك منح الجنسيَّة الأردنيَّة لعرب فلسطين في فبراير من عام 1949، ولكنَّ معاندة الفلسطينيين وقفت حائلًا دون ذلك. في حين عانى اللاجئون الفلسطينيُّون من نقص في كل شيء (غذاء وماء وسكنى وبالطبع مال)، وكانت شرق الأردن عاجزة عن توفير ما يحتاجون إليه، ومن هنا تعاقبت بعثات الأمم المتحدة لدراسة أحوال اللاجئين (ص323).

استغلَّ الأردنيُّون الوضع برفعهم أسعار الأراضي، كما أنَّ ناهدة-زوجة عبد الله-قد استغلت نقل اليهود العراقيين إلى إسرائيل من خلال شركة للنقل كانت تمتلك حصة بها بالحصول على مقابل باهظ (ص325). وبريطانيا تمنح عبد الله مليون جنيه إسترليني في سبيل توطين اللاجئين، في خطة تستهدف تحسين الأوضاع الاقتصادية في تمهيد لدمج باقي فلسطين بالأردن، ولكنَّ المبلغ استُخدم في شق الطرق، ممَّا أدَّى إلى إضاعته على أمور توجد أدنى أهميَّة من سواها.

كان للحرمان الاقتصادي أثران متناقضان، فمن ناحية ضاعف مشاعر الاستياء تجاه عبد الله وسياساته، ومن ناحية أخرى ساعد على إجبار بعض الفلسطينيِّين الآخر على الإذعان لسلطة الملك، وهو لم ينسَ لهؤلاء ذلك، فأغدق عليهم من العطايا ما ضَمَن ولاءهم. كانت الحسابات منذ مؤتمر أريحا قد تغيرت لصالح عبد الله، وقد طمأنته بريطانيا في زيارته في أغسطس 1949 إلى سيرها في اتجاه دمج فلسطين العربيَّة بشرق الأردن، حيث رأت في ذلك حلًّا نهائيًّا لمشكلة فلسطين وضمانًا لحماية إسرائيل.

أدَّى نبذ عبد الله من قِبل العالم العربي إلى تقليص فائدته كشريك مفاوض، (ميله لإسرائيل لم يكن مجالًا للشك، فبأي صفة يتفاوض لصالح الفلسطينيِّين؟)، وكان هذا يعني تقلُّص مقابل أي تسوية مع إسرائيل. وانقلبت الدنيا على عبد الله بعد نشر تفاصيل تعاونه مع إسرائيل في الجرائد المصرية على يد حاكم القدس السابق عبد الله التل، وقد هددت الجامعة العربية بطرد أي كيان يتواصل مع إسرائيل بصورة فرديَّة.

وبالطبع، ما كانت إسرائيل لتقبل بأي حل يحرمها من باقي فلسطين، وهي التي ترغب في مدِّ أجنحتها لتشمل المنطقة من العراق إلى مصر، وما كانت لتتنازل لمن هو أضعف منها ولمن قدَّم لها تنازلًا تلو الآخر على مدار عقود، فقد كان هشًّا على كافة المستويات الاقتصاديَّة والسياسيَّة والعسكريَّة، وما كانت لتمنحه هدية مجانيَّة بلا مقابل يقدِّمه، وكأنَّ تنازلاته وأبيه من قبله للإنجليز ما كانت تستحق باقي أرض فلسطين غير المحتل، وكأنَّه هو نفسه لم يفطن إلى حقيقة أنَّه لم يكن إلا حارسًا لحماية حدود إسرائيل، وليس ليكون صاحب سيادة يناطحها في سياديها!

في النهاية، اُغتيل عبد الله داخل المسجد الأقصى وهو بصحبة حفيده الحسين بن طلال-ابن الثامنة عشرة حينها-وكأنَّ القدر كان يرتِّب للحسين أن يشهد اغتيال جده ليحمل هو مسؤولياته من بعده ويكمل مسيرة بدأها الجد كانت لها ما لها من تأثيرات على واقع الأمة العربية لم تزل تعاني منه إلى يومنا هذا.

لم تكن محاولة عبد الله امتصاص باقي فلسطين إلا ليقينه بأنَّ اليهود لا يريدون أي ذكرى لأي كيان نشأ بين فترة حُكم الملك داود للقدس وعام 1948، وإلا دُمِّرت أُسس دولتهم، وفي الوقت ذاته، كان عبد الله ملزمًا من الدول العربية برفع راية فلسطين والدفاع عن قضيتها، وهذا لم يكن ممكنًا، إن لم يكن بسبب تاريخه مع اليهود في نشأة بلادهم، فعلى الأقل لأنَّه ما كان ليُمنح حُكم فلسطين إلا لطمس هويتها وتاريخها السابقين.

شهادة الغرب واليهود على تعاوُن عبد الله بن الحسين معهم على حساب فلسطين

تذكر الدكتورة زبيدة عطا في كتابها يهود مصر: التاريخ السياسي (2010) أنَّ وثائق الصحافي الإسرائيلي إلياهو ساسون والسفارة البريطانيَّة على حد السواء تؤكِّد أنَّ عبد الله بن الحسين كان مؤيدًا للتقسيم، مشيرةً إلى اتِّفاق اليهود مع عبد الله بن الحسين على عدم الدخول في الحرب فرفض ذلك الشرط كي لا يخرج عن سائر العرب، لكنَّه تعهَّد بألا يصطدم جيشه باليهود، وفي المقابل وُعد بضمِّ الجزء العربي من فلسطين إلى مملكته. تضيف عطا أنَّ عبد الله اتَّفق مع وزير خارجيَّة بريطانيا، بيفين، على عدم إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، وسعيه إلى احتلال الجزء العربي في فلسطين لطمس هويتها. تقول عطا “الملك عبد الله (الأوَّل) يعكس الازدواجيَّة العربيَّة بجميع أبعادها؛ فأثناء اتصاله مع اليهود ومقابلته لجولدا مائير أكثر من مرَّة وللمبعوثين اليهود والتأكيد لهم على قبوله التقسيم وعدم دخوله في حرب ضدَّهم وسعيه إلى عدم إقامة دولة فلسطينيَّة…نجد أنَّ تصريحاته في الصحافة المصريَّة والعربيَّة تعكس موقفًا مخالفًا. فهو يعلن أنَّه سيكون المقاتل والمدافع الأوَّل عن فلسطين” (ص306).

جدير بالذِّكر في هذا السياق، أنَّ عبد الله الثَّاني بن الحسين بن طلال-حفيد عبد الله الأوَّل بن الحسين بن عليٍّ-قد صرَّح برفضه صفقة القرن، وهي خطَّة السَّلام الأمريكيَّة لتصفية لإنهاء الصراع العربي-الإسرائيلي-أو لتصفية القضيَّة الفلسطينيَّة، وفق آراء المحللين-وبأنَّ القُدس ومقدَّساتها خطٌّ أحمر:

مقال-الملك عبد الله: القُدس خط أحمر

يتعارض ما يقوله الملك عبد الله الحفيد مع ما نُسب إلى الملك عبد الله الجد، من سعيه موافقته على إقامة دولة إسرائيل على أراضي فلسطين المحتلَّة، وتصفية القضيَّة بضمِّ الأراضي غير المحتلَّة إلى مملكته. وتستند الدكتورة زبيدة عطا في ذلك إلى عدَّة مصادر، من بينها كتاب Collusion Across the Jordan: King Abdullah, the Zionist Movement, and the Partition of Palestine تواطؤ عبر نهر الأردن: الملك عبد الله والحركة الصهيونية وتقسيم فلسطين (1998)، للكاتب آفي شلايم، الذي يؤكد التقاء عبد الله بجولدا مائير في 7 نوفمبر 1947 ميلاديًّا، أي قبل إصدار قرار التقسيم من الأمم المتَّحدة بأيَّام، والاتفاق على 3 أمور: 1-إعلان الصُّلح بين العرب واليهود وعدم إرسال جيش أردني لنُصرة فلسطين؛ و2-إرسال والٍ عربي لحُكم القسم العربي من فلسطين؛ و3-ضمِّ القسم العربي إلى المملكة الهاشميَّة لاحقًا (ص309-310). صدر قرار تقسيم فلسطين في 29 نوفمبر 1947، ونصَّ على عدم إقامة دولة فلسطينيَّة على القسم غير المُحتل، في تنفيذ لاتفاق عبد الله بين الحسين مع اليهود.

وتجدر الإشارة إلى أنَّ بن جوريون كشف في مذكراته عن تواطؤ عبد الله بن الحسين لصالح اليهود في معارضته قطع العلاقات مع الغرب في جامعة الدول العربية بسبب موقفه من تقسيم فلسطين. وذكر بن جوريون أيضًا أنَّ عبد الله بن الحسين أبدى استعداده لإعارة الفيلق العربي للإنجليز مقابل 6 ملايين دولار، معلنًا تأييده تقسيم فلسطين، بشرط ألا يُخزيه التقسيم، كما ذكر عبد الله بن الحسين أنَّه لن يسمح للفيلق بمهاجمة اليهود، وطالب بدعم أمريكي كي لا يظل مرتبطًا بالإنجليز وحدهم، إلى جانب قرض لتطوير دولته كلِّها، كما تذكر عطا (ص319-320).

وأضاف السياسي الصهيوني الرائد أنَّ ملك الأردن كان واثقًا من عجز الجيوش العربية على الصمود أمام القوات اليهودية، وقد كانت الجيوش العربية هي أمل الحاج أمين الحسيني-مفتي القدس-بعد ضعف قوات المتطوعين نتيجة الاعتداءات المتكررة من عصابات الهاغانا؛ واستغلالًا منه لتلك الحقيقة، عزم عبد الله على عدم مواجهة القوات اليهوديَّة. وتشير دراسات إلى أنَّ الجيش المصري كان في حالة بالغة السوء من حيث التدريب والتسليح، كما أنَّ القيادات لم تكن على علم بطبيعة مسرح العمليَّات أو بتسليح قوات اليهود أو تنظيمهم، وهي معلومات في غاية الحساسيَّة. مع ذلك، اضطر الساسة إلى إرسال قوات عربية إلى فلسطين ليس لشيء إلا استجابةً لضغوط شعوبهم. وذكر اللواء أحمد المواوي، أول قائد لحملة فلسطين، أنَّ بريطانيا نصبت فخًّا للجيش المصري لسحقه.

أهم سؤال تطرحه الكاتبة في النهاية هو: هل لو أنَّ العرب وافقوا على التفاوض مع اليهود لقامت دولة فلسطينيَّة إلى جانب إسرائيل؛ والإجابة هي بالطبع لا؛ لأنَّ “لا الإنجليز ولا اليهود ولا عبد الله بن الحسين كانوا يريدون تلك الدولة” (ص352).

دور حاييم ناحوم

سبقت الإشارة إلى دور الحاخام التركي-المصري حاييم ناحوم في إسقاط الخلافة العثمانيَّة في الدراسة بعنوان “عقيدة المسيَّا المخلِّص”؛ وتذكيرًا به، فهو الحاخام الأكبر لإسطنبول في الفترة ما بين عام 1908-عام قبل خلْع السُّلطان عبد الحميد الثاني-وعام 1925-عام بعد سقوط الخلافة الإسلاميَّة وإعلان الجمهوريَّة التركيَّة؛ ولعلَّ في تحديد فترة نشاطه تلك في إسطنبول ما ينبئ عن طبيعة مهمَّته. توجَّه ناحوم إلى مصر عام 1925، حيث تقلَّد منصب الحاخام الأكبر للقُطر المصري، ومنحه الملك فؤاد الأوَّل الجنسيَّة المصريَّة عام 1929.

من المثير للانتباه أن نشر اليهودي ألبرت موصيري في صحيفته إسرائيل سؤالًا يلخِّص مسألة هويَّة اليهود في مصر، وهو “كيف يمكن للإنسان أن يكون مواطنًا مخلصًا لبلد مولده في حين يكون مواطنًا مواليًا للوطن القومي اليهودي؟؟”-وبالطبع لم يرد ناحوم، الذي طالما أعلن عن معاداته للصهيونيَّة، على ذلك السؤال. وكما تشير الدكتورة زبيدة عطا في كتابها (2010) آنف الذِّكر، إلى محاولة ناحوم إخفاء ميوله بالدعوة إلى التبرع لصالح المجهود الحربي المصري والترفيه عن الجنود، وهو ذاته الذي فعل كل ما بوسعه لإنهاء الخلافة الإسلاميَّة، وكان أول من شيَّع جنازتها قبل ربع قرن من تقسيم فلسطين.

كان لحاييم ناحوم تأثير سياسي قوي بفضل علاقته بالملكين، فؤاد وفاروق، وعضويته في مجمع اللغة العربيَّة، حيث كان قريبًا من صانعي القرار والرأي من مفكرين وسياسيين، مما منحه القدرة على التدخل في الأمور السياسيَّة، وقد كان في ذات الوقت على صلة بالقيادات الصهيونيَّة، وكانوا يزورنه في الحاخامخانية قبل حرب 1948، وكان يتظاهر برفض فكرة الهجرة إلى فلسطين، بالطبع للحفاظ على مصالح اليهود في مصر، منعًا لإثارة سخط العامة تجاههم. كان ناحوم منذ مجيئه إلى مصر عام 1925 كثير التردد على فلسطين، وقد ورد أنَّه خلال زيارته للقدس في يوليو من عام 1928 قد زار مركز اللجنة الصهيونيَّة وجمعية رأس المال القومي، وحثَّ اليهود هناك على بثِّ الروح القوميَّة لجمع شتات الأمة اليهوديَّة، وهذا يتنافى مع ما ورد عن رفضه الهجرة، في الوقت الذي ابتُعث فيه من الأصل من موطنه إزمير-معقل الدونمة-إلى مصر لحشد يهودها من أجل تلك المهمة.

تذكر عطا أنَّ التدبير لهجرة اليهود إلى فلسطين يدور بين ناحوم والياهو ساسون-وهو صحافي يهودي من دمشق لعب دور الوسيط بين الكيان الصهيوني والقادة العرب-وإسماعيل صدقي-رئيس وزراء مصر حينها-وبمعرفة الملك فاروق، الذي لم يعارض فكرة القسيم، بل وكان هناك ترتيبات للقائه بحاييم وايزمان-الصهيوني الأهم بعد هرتزل وأوَّل رئيس لإسرائيل-حينما تسمح الظروف.

شاهد أيضاً

ابن عربي وكتابه الفصوص (21)

محمد عبد الحي عوينة كاتب وداعية إسلامي. إندونيسيا. الباب الثاني: مناقشة ابن عربي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.