أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / لماذا في العراق؟

لماذا في العراق؟

المحامي محمد نادر العاني

باحث في مجال حقوق الإنسان
عرض مقالات الكاتب

تسائل يطرح دومًا عن بلد لم يعرف معنى الاستقرار ، ولم يتذوق شعبه طعم السكينة ، ولم يجر على قاطنيه سوح الطمأنينة.
اننا نتسائل ونجيب، هل من الممكن أن بلدًا ما ودولة معينة تتعرض لبعض سنين عجاف ولكن ما الجواب عن بلد ووطن عاش جميع ايامه و سنينه وقرونه وعقوده في عجاف ؟

لماذا في العراق؟
ما هذا وكيف نقطة محيرة ، وكل جيل يعيش على هذه الأرض يتسائل السؤال نفسه لأنه يلاقي غبطة أشد أو نفس التي لقيها ممن هم قبله، نعم هذه أقدار الله العظيمة وهو العزيز الحكيم ، ولكن من حكمة الله العظيمة أن جعل لكل بلاء سببًا ، وأسباب الفتن والحروب والتنازع والانقسامات وسفك الدماء والتبديل والتعديل والولاء والبراء كثيرة؛ ولا أحد يستطيع ان يحدو بتحديدها .
ولكن هنالك بعض المواضع التي ممكن أن نستخلصها توضح لنا بعض الشيء من إجابة على السؤال : لماذا في العراق؟

ومكامن هذه الإجابة قائمة على عدة مواضع منها :

الأول : شعب عاطفي ( والتأريخ يحدثنا)
أن الوضع على أرض العراق كان ولايزال وسيبقى لايعرف ( الاستقرار) لأن مكمنه قائم على شعب عاطفي يتغير دومًا ويتحرك حول عاطفته ارتفاعًا وانخفاضًا ،وهذا الأمر ليس وليد الساعة، ففي قرن السابع عشر قبل الميلاد أخذ نبوخذ نصر حربه ضد اليهود بعد أن جمع البابليون حوله وقال لهم: إن الآلهة أرسلتني لحمايتكم ممن يبتغون القضاء عليكم ،فأخذت حملته وقتل مقتلة في فلسطين فشق بطون اليهود باحثًا عن الذهب الذي كان يبتلعه اليهود ونسي مهمة الالهة !
وبالوصول إلى الاحتلال الساساني (الفرس) فكانت الحرب الكبرى بين الفرس والعرب بعدما أودع النعمان بن المنذر بناته لدى حارث الشيباني وقتل كسرى النعمان فجمع الشيباني قبائل العراق العربية ثأرًا له بعد خطبة بنت النعمان بين زعماء القبائل التي أثارت عواطفهم وحدثت ذي قار الشهيرة ،وبالوصول إلى العهد الإسلامي كان العراقيون الأكثر عددًا في استقبال الإسلام واحتضنو المسلمين فورًا، وسقطت المدائن عاصمة امبراطورية الفرس، وانهارت أكبر امبراطورية بسرعة عجيبة ففي فتنة سيدنا عثمان كانوا خوارج البصرة والكوفة هم أول الطلائع التي كانت لها الدور في أحداث الفتنة ،وأول من بايعوا سيدنا علي ،ثم قاتلوا معه ضد معاوية بن ابي سفيان ثم انقلبوا عليه بخروجهم عليه بعد التحكيم، واستشهد سيدنا علي بحربة ابن ملجم العراقي في قضية سيدنا حسين خرج لهم بعد ان عاهدوا له البيعة ثم ما لبثوا أن نقضوا بيعتهم، وانقلبوا عليه وتركوه يستشهد وحيدًا مع اقربائه !
بعدها انتفض أهل الكوفة بقيادة سليمان بن صرت لتكوين التوابين لثأر الحسين، فانهزم أمام عبيد الله بن زياد بعدها بايعوا المختار الثقفي فقتلوا عبيد الله وشمر ذي الجوشن وعمرو ابن سعد بن أبي وقاص وبايعوا مصعب بن زبير فقتلوا مختار الثقفي؛ ثم بايعوا عبد الملك بن مروان وقتلوا مصعب ابن الزبير ومازالت الفتن تلوح ضد ولاة عبد الملك إلى أن سير إليهم الحجاج فصنع فيهم مقتلة عظيمة ،حتى استقر له الأمر واستمرت بعده الفتن وبظهور المسودة أول من بايع العباسيين ؛ونقضوا بيعة الأمويين هم خراسان والعراق ثم ما فتئ أن حكمت الدولة العباسيةةلستة قرون خاضتها في الحروب والفتن والانقلابات تارة ذهبوا مع البرامكة وتارة مع البوهيين ؛وتارة مع السلاجقة وتارة مع القرامطة والزنكين وووو وحتى هولاكو الكافر المجرم خرج من العراق من أعطى له البيعة كالطوسي والعلقمي !
هدمت الدولة وبقيت تعيش الفتن والتقلب حتى في عهد العثمانين بين سليمان القانوني يدخلون وثم لاسماعيل الصفوي وطهماسب يوالون!
وانهارت الدولة العثمانية ليدخل العراق إلى وصاية بريطانية وحدث ماحدث من انقلابات وثورات وانفلاتات عجيبة، انقلاب بكر صدقي ١٩٣٥ ثورةمايس ١٩٤١ وثورة ١٤ تموز ١٩٥٨ وتم سحل نوري سعيد والوصي وقتل العائلة المالكة بطريقة وحشية ؛ فذهب الشعب مع الشيوعيةثم انقلاب ١٩٦٣ على عبد الكريم قاسم ،وذهب الشعب مع القومية ثم في العام نفسه انقلاب عبد السلام عارف على البعثين، ثم انقلاب البعثين على عبد الرحمن عارف ١٧ تموز ١٩٦٨ ليذهب الشعب مع البعثية ثم انقلاب بعد ١٣ يومًا على عبد الرزاق النايف ،ثم ينقلب صدام حسين على أحمد حسن ١٩٧٩ ونأخذ بعدها ردحًا من الشعارات العاطفية القومية والعروبية للتخللها موجات من الحروب والكوارث والعقوبات والحصارات فساتقبلنا الولايات المتحدة بالأحضان في ٢٠٠٣ لنتخلص من صدام ثم أخذنا الموج كلا حسب هواه تارة يمد لإيران وآخر ينحاز لأمريكا، وجناح يذهب للتطرف ،وجانب يذهب للاستقلال وحتى الارهاب هنالك من تعاطف معه وأخيرًا بعد القصف الأمريكي الأخير اخذ شعبنا وساستنا موجة عواطف جياشة بين مؤيد ومعارض للضربة، وحتى خروج الأمريكان ذهب بين مؤيد ومعارض .
فهذه العاطفة الموفورة في شعبنا أحد أهم أسباب تعاسة بلدنا، فولاؤنا دومًا للأشخاص والفرق لا للبلد والوطن لذا من السهل جدا أن توجه اعلاميًا شعبنا كيف ماتريد.
ثانيا :
اقتصاديًا
أن هذا البلد مادام غنيًا بالمعادن والنفط وخصوبة أراضيه ويملك المياه والطبيعة سيتكالب عليه الأعادي من كل حدب ليس حبا فيه ولانفعا له بل لنهب ثرواته وتنشيف خيراته، لذا سيبقى في دوامة اضطراب مادامت هذه الخيرات.
ثالثا:
استراتيجيا
العراق يقع في موضع استراتيجي مهم جدا،يمثل مركز الشرق الأوسط ويربط العالم القديم، ويمثل عمقًا حضاريًا كبيرًا ففي السيطرة عليه يسيطر على الخليج وينفذ إلى شرق آسيا وإلى تركيا، فهو يعد حلقة الربط الأولى للامبراطوريات التأريخية فهو الأقرب إلى الامبراطورية الفارسية والعثمانية والعباسية والاموية فأهمية موقعه أهمية ليس لها نظير من أي دولة أخرى.
رابعا:
تعدد طوائفه
فالعراق بلد ذو طوائف كبيرة ومتعددة، و ذو ألوان كثيرة، يحمل عدة أديان وجماعات ومعتقدات وقوميات ومذاهب ،وليس له صبغة واحدة وكل دين او جماعة أو قومية أو مذهب يرتكز على دولة ناظرة له تنفذ أموره لتحقيق مكاسب هذه الدول، لذا ترى تكالب عدة دول حجة لحماية طوائفهم.

كل ذلك، وأسباب أخرى جعل من هذا البلد بوصلة للخراب وعدم الاستقرار وتغير الاحوال فانت وانا لا نتكلم عن قصة عجيبة من قصص السندباد ( بل هو بلد حقيقي نعيش فيه وشاهدين على أحداثه).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

سؤال الحرية بين الليبرالية والرؤية الإسلامية 2/2

د. جمال نصار أستاذ الفلسفة والأخلاق في جامعة اسطنبول صباح الدين زعيم الحرية …