أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / محاولة ترقيعية أخرى لوقف الانهيار

محاولة ترقيعية أخرى لوقف الانهيار

د. محمود المسافر

سياسي وأكاديمي عراقي.
عرض مقالات الكاتب

سمعنا اليوم وقرأنا عن محاولة اخرى للمملكة العربية السعودية لوقف الانهيار السريع في الأمن والسلم الاقليمي من خلال الدعوة لتأسيس تجمع الدول المتشاطئة على البحر الاحمر، والتي هي حتى ولو كانت في أفضل الأحوال قد تمت بالتشاور مع أو بطلب من الولايات المتحدة الدولة العظمى ذات النفوذ والمصالح المتميزة في الخليج العربي، إلا أن جدواه، اي المجلس، اليوم ضعيف جدا، فاذا كان المقصود في الأمر هو أضعاف النفوذ الإيراني والحد من تدخلاتها في الشؤون الداخلية للدول الإقليمية، فهذا يمكن أن يكون إما بالتصدي المباشر لها وهذا مستبعد لأن المملكة ومن خلال محاولات استفزازية إيرانية متكررة أثبتت عدم قدرتها على الرد بالقوة ذاتها للفعل العدواني، أو بالتصدي الجماعي للخطر الايراني وهذا يكون بتشكيل تجمع وتحالف معروف ومحسوب القدرة على التصدي، أو على الأقل تشكيل الردع الذي يمنع إيران من التدخل في دول المنطقة. وهذا ما لم يحصل ابدا لا في درع الجزيرة ولا في هذا المجلس وطبعا هو غير متوفر اساسا في مجلس التعاون الخليجي.

جاءت كل التجمعات الجديدة لسد العيب والنقص في تجمعات سبقتها وفشلت. فهذا المجلس والذي هو بديل لمجلس التعاون الخليجي الذي مع الاسف يبدو انه مات سريريا ولم يبق الا إعلان وفاته، قد مات هو الآخر قبل ولادته. سيموت وستدفن معه مليارات الدولارات التي ستصرف على اللوجيستكس والمناورات والاستعراضات والاجتماعات والزيارات وغير ذلك.

كل تجمع أو مجلس في المنطقة لا يوجد فيه العراق سيكون تجمعا ضعيفا أمام الخطر الايراني المتنامي والمتغول.. اهلنا يقولون في أمثالهم “أعبر الشط من قريب” اي اعبر النهر من اقرب نقطتين متقابلتين على الضفتين. واقرب نقطة لإعادة التوازن هو أن يعود العراق قويا. ولكن يبدو ان العالم كله اليوم قد اتفق على أن لا يعود العراق قويا.. لذلك اقول طالما أن الخريطة السياسية اليوم بلا عراق قوي فالخريطة ستبقى متغيرة لصالح الدول القوية. وان الاعتماد على دولة عظمى لدرء دولة اقليمية كبرى لن يغير من المعادلة شيئا، إذ أن طلبات ومتطلبات الدولة العظمى اسوء احيانا من رغبات دولة إقليمية قوية.

تعد السعودية اليوم أكثر لاعب إقليمي تخبط في مساعيه السياسية خلال الاربعين سنة الماضية. وكان هذا التخبط سببا رئيسيا فضلا عن دور مصر الدولة العربية الكبيرة وذات الوزن الدولي المحوري في جلب القوات الأجنبية إلى المنطقة وفتح الباب لإيران قوية بعد أن ساهمت وغيرها من بعض دول الخليج العربي في انقضاض الصهيونية على العراق من خلال تشجيع الجمهوريين لغزو العراق واحتلاله وتدميره ومن ثم تسليمه لحكومة ايران المتنمرة.

إن الدول العربية الكبرى التي تنوي تاسيس المجالس والتجمعات والاتحادات ينبغي ألا تتملكها مشاعر الاستئثار واستغلال الفرص وكأنها الفرصة الوحيدة. الدول ذات الأثر الكبير اقتصاديا وسياسيا, اذا كان فيها قادة حقيقيون، تبني مواقفها استراتيجيا وتناور بتكتيكات لا تبعدها عن خط الشروع الاول. ولأنها دول كبيرة وذات نفوذ فإنها لا تتصرف مثل الدول الصغيرة التي تحاول التقاط الفرصة وتسجيل موقف قد يزيد من حظوظها ومكانتها الدولية. الدول الكبيرة اقتصاديا تعمل على أنها تحمل مسؤولية أخلاقية عن أمن الإقليم الذي تمثل هي أحد أهم محاوره واركانه. الدول الإقليمية الكبيرة تعامل الدول العظمى والاقطاب بندية ضمن مظلة الحلفاء أو المتنافسين أو أية مظلة أخرى ولا تخضع هكذا بسهولة لابتزاز المافيات السياسية الدولية التي تقود الدول العظمى اليوم مثل أمريكا وروسيا.

رسالتي للسعودية هي أنه ليس أمامها الكثير من الوقت لتصحيح المسار. والتصحيح يبدأ من رأب الصدع الداخلي والمصالحة مع الذات الخليجية والعودة إلى علاقات طيبة مبنية على مفهوم العلاقة الأخوية بين العرب والذي ساد لمدة غير قصيرة من الزمن حتى نهاية الحرب العراقية الإيرانية حين تبدلت البوصلة الخليجية والتي أدت إلى غزو العراق للكويت في الثاني من آب أغسطس 1990. وعليها الإنتباه إلى هذه العبارة لأنها ستحتاجها، “من غير عراق بوصفه شريك استراتيجي في أمن الخليج العربي” لن يكون الخليج آمنا بعد اليوم.

اخيرا اقول اذا لم تعٍ السعودية وولاة أمرها إلى حقيقة مكانتها بين دول الإقليم والدول العربية والعالم، وتعمل على أساس هذا الوعي والفهم، لن تتمكن من قيادة الإقليم في ظل غياب العراق القوي برشادة وحكمة تخرجها والاقليم من أزمة سياسية عميقة عادة ما تكون نتائجها اختفاء أو تفكيك دول وظهور اخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

بين يدي انتخاب المجرم

محمد سعيد سلام سياسي سوري قدم أحد الهياكل السياسية خدمة جليلة للسوريين عن …