أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / العدو القريب – محاولة لتشخيص أحد أمراض الأمة 4 من 10

العدو القريب – محاولة لتشخيص أحد أمراض الأمة 4 من 10

د. هاني السباعي

مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن.
عرض مقالات الكاتب

وثيقة تاريخية هامة:

الأنموذج الثاني: سقوط آخر معقل للمسلمين في الأندلس:

هناك وثيقة تاريخية في غاية الأهمية وتعتبر من أقدم الوثائق التاريخية التي وصلت إلينا  تتكلم عن آخر أخبار المسلمين في الأندلس وكيف سقط آخر حصن لهم هناك حيث أعاد نشر هذه الوثيقة وحققها الدكتور محمد رضوان الداية، وهي عبارة عن كتاب بعنوان (نبذة العصر في أخبار ملوك بني نصر) تأليف مجاهد مجهول من المقاومة الإسلامية في غرناطة (من سنة 900هـ إلى 1000هـ) طبعة دار الفكر بدمشق عام 1423هـ .. وقد كشف هذا المؤلف المجهول الذي كان شاهد عيان حيث شارك في بعض المعارك الأخيرة ضد الصليبين.. والكتاب أشبه بالمذكرات الشخصية، والمدونات اليومية حيث عاصر آخر أيام دولة بني الأحمر (بني نصر) ملوك غرناطة ونهاية دولتهم .. والكتاب بالإضافة إلى أنه وثيقة تاريخية هامة إلا أنه أيضاً مرثية مأساوية حزينة باكية تفتت لها الأكباد وتنخلع من هولها القلوب التي في الصدور!!

نستعرض من خلال هذه الوثيقة ما ذكره هذا المجاهد المجهول عبر الواقعات التالية:

يذكر المؤلف حادثة في غاية الحسرة والأسف والهوان والخذلان تعتبر بحق أنموذجاً للعمالة السافرة مع أعداء الأمة لنعرف لماذا سقطت ديار الإسلام في أيدي أعداء الأمة لأنها سورة مكررة!!

(أ) (الأمير محمد بن سعد يبايع ملك قشتالة، ويساعده مع قواده) لتطويع ما بقي من بلاد المسلمين، صفر 895هـ: “ثم خرج الأمير محمد بن سعد من مدينة وادي آش تابعاً لصاحب قشتالة، فلما لحقه بايعه ودخل في ذمته، وتحت طاعته؛ على أن يعطيه مدينة وادي آش، وكل مدينة وحصن وقرية كانت تحت طاعته وحكمه؛ فأجابه إلى مطلبه، ورجع معه إلى وادي آش؛ وهو فرح مسرور. فدخلها، العدو وقبض قصبتها، واستولى عليها في العشر الأول من شهر صفر عام خمسة وتسعين وثمان مائة. ودخل في ذمته جميع فرسان الأمير محمد بن سعد وجميع قواده، وصاروا له عوناً على المسلمين، وطوعوا له جميع البلاد والقرى والحصون التي كانت تحت طاعتهم من دينة المرية إلى مدينة المنكَّب، ومن مدينة المنكب إلى قرية البذول. فقبض صاحب قشتالة ذلك كله من غير قتال ولا حصار ولا تعب ولا نصب؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون. وجعل في كل قصبة قائداً نصرانيا، مع جماعة من النصارى، يحكم في ذلك الموضع. وفي هذا الشهر خلصت جميع بلاد الأندلس لصاحب قشتالة، ودخلت تحت طاعته وتدجّن جميع أهلا؛ ولم يبق للمسلمين في الأندلس غير مدينة غرناطة وما حولها من القرى خاصة.”[1]

هكذا باع الأمير الملقب بالزغل دينه بثمن بخس لصاحب قشتالة فرنناندو!! فسقط وسقطت غرناطة من جراء خيانته وخلافه مع ابن أخيه!! وقد ذكر المؤلف ما تردد في حينه عن سبب قدوم الأمير محمد بن سعد (الزغل) على بيعة فرناندو والدخول في طاعته!! “وزعم كثير من الناس أن الأمير محمد بن سعد وقواده باعوا من صاحب قشتالة هذه القرى والبلاد التي كانت تحت طاعتهم، وقبضوا منه ثمنها، وذلك على وجه الفرصة والانتقام من ولد أخيه الأمير محمد بن علي وقواده لأنهم كانوا في غرناطة، ولم يكن تحت طاعته غيرها؛ وكان في صلح العدو، فأراد بذلك قطع علائق غرناطة لتهلك كما هلك غيرها!!”[2] 

مرثية حزينة لنهاية المسلمين في الأندلس:

يحكي لنا صاحب (نبذة العصر في أخبار ملوك بني نصر) عن سقوط غرناطة وعن نقض فرناندو شروط الصلح التي أبرمها مع المسلمين؛ بكل حسرة وتأسف عن أفول شمس الإسلام في الأندلس:

“فلما رأى ملك الروم أن الناس قد تركوا الجواز وعزموا على الدجن والاستيطان والمقام في الأوطان، أخذ في نقض الشروط، التي شرطوا عليه أول مرة، ولم يزل ينقضها شرطاً شرطاً، ويحلها فصلاً فصلاً إلى أن نقض جميعها. وزالت حرمة الإسلام وأدركهم الهوان والذلة، واستطال النصارى عليهم وفرضت عليهم الفروضات، وثقلت عليهم المغارم؛ وقطع لهم الأذان من الصوامع، وأمرهم بالخروج من مدينة غرناطة إلى الأرباض والقرى”[3]

ويسترسل في مرثيته الحزينة: “فخرجوا أذلة صاغرين ثم بعد ذلك دعاهم إلى التنصر وأكرههم عليه، وذلك سنة أربع وتسع مائة، فدخلوا في دينه كرهاً، وصارت الأندلس كلها نصرانية. ولم يبق من يقول فيها: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم جهراً، إلا من يقولها في نفسه وفي قلبه، أو خفية من الناس، وجعلت النواقيس في صوامعها بعد الأذان، وفي مساجدها الصور، والصلبان بعد ذك الله تعالى وتلاوة القرآن! فكم فيها من عين باكية، وكم فيها من قلب حزين، وكم فيها من الضعفاء والمعدومين لم يقدروا على الهجرة واللحوق بإخوانهم المسلمين! قلوبهم تشتعل ناراً، ودموعهم تسيل سيلاً غزيرً مريراً. وينظرون أولادهم وبناتهم يعبدون الصلبان، ويسجدون للأوثان، ويأكلون الخنزير والميتات، ويشربون الخمر التي هم أم الخبائث والمنكرات. فلا يقدرون على منعهم ولا على نهيهم ولا على زجرهم. ومن فعل ذلك عوقب أشد العقاب! فيا لها من فجيعة ما أمرّها، ومن مصيبة ما أعظمها وأضرها، وطامة ما أكبرها!”[4]

ثم يختم كتابه قائلاً:

“وعمّ الكفر جميع القرى والبلدان وانطفأ من الأندلس نور الإسلام والإيمان! فعلى هذا فليبك الباكون ولينتحب المنتحبون. فإنا لله وإليه راجعون! كان ذلك في الكتاب مسطوراً، وكان أمر الله قدراً مقدوراً. لا مردّ لأمره، ولا معقب لحكمه، وهو القاهر فوق عباده، وهو الحكيم الخبير. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً”[5]

أقول: إنه بحق كتاب جدير بالقراءة والدراسة أيضاً.. وقد استبان لنا أن الأسرة الحاكمة من بني الأحمر قد تنازعوا فيما بينهم ومزقوا البلاد شر ممزق وكل أفراد الأسرة كانوا يتآمرون مع صاحب قشتالة الصليبي فضاعت الأندلس بسبب هذا الصراع الداخلي على الملك بل إن البداية الحقيقة لهذه النهاية المأساوية لملوك بني الأحمر في الأندلس بدأت من اختراق النصارى للبيت السلطاني ثم أسر الأمير محمد بن علي الملقب أبي عبد الله الصغير في موقعة اللسانة سنة 888 هـ الذي أبقى عليه النصارى وشحنوه وحرضوه على عمه (الزغل) وأمدوه ومكنوه من الاستيلاء على غرناطة وصار ألعوبة في أيديهم ثم مارسوا نفس اللعبة على عمه وكانت النتيجة أن الأميرين كانا يتنافسان أيهما أكثر عمالة لفرناندو! فكانت النتيجة المأساوية سقوط مدينة مالقة عام 892 هـ،  ثم مدينة بسطة سنة 894 هـ .. وهكذا سقطت القرى والمدن الإسلامية بالأندلس كانهيار المتواليات الهندسية! رغم أنه لو اعتصم أمراء بني الأحمر بحبل الله ولم يتفرقوا لما استطاع العدو الصليبي (فرناندو) أن يهزمهم ولربما جاءهم المدد من بلاد المشرق فيما بعد لأنه بسقوط مدينة بسطة 894 هـ يكون فرناندو قد قطع خطوط الإمدادات التي كانت تأتيهم من بلاد المغرب والمشرق!! كل ذلك من جراء هذا الأمير الخائن وذاك الأمير المتآمر..  فضاعت الأندلس وصارت صفحة مطوية منسية في زمان التاريخ..

ثم انقضت تلك السنون *** وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام

خامساً: الدولة العباسية: (من 132 هـ إلى 923هـ):

لقد قسم المؤرخون مدة الخلافة إلى أربعة عصور رئيسية هي: 

العصر العباسي الأول: يمتد في الفترة من 132 إلى 232 هـ.

العصر العباسي الثاني: يمتد في الفترة من 232 إلى 590 هـ. 

العصر العباسي الثالث: يمتد في الفترة من 590 إلى 656 للهجرة.

العصر العباسي الرابع والأخير في مصر حتى سنة 923هـ وتحولها بالغلبة إلى العثمانيين.

سنحاول أن نعلق على حادثتين فقط من تاريخ هذه الدولة لتعضيد وجهة نظرنا:

الحادثة الأولى: مقتل الخليفة المتوكل سنة 247هـ:

لقد كان أول خليفة في تاريخ الإسلام يقتله ابنه بمعاونة حرسه وبطانته الخاصة بل إن منصب الخلافة صار صورياً بعد مقتل الخليفة المتوكل على الله جعفر بن الخليفة المعتصم بن الخليفة هارون الرشيد وطفق الناس يتهكمون على الخليفة الحبيس في قصره رغم أن كل المراسيم تختم باسمه والدعاء له! ومن ذلك قول الشاعر:

خليفة في قفص **  بين وصيف وبغا

يقول ما قالا له ** كما تقول الببغا

ويعتبر العصر العباسي الثاني عصر تسلط الأمراء على شخص ومنصب الخليفة مما أدى إلى ظهور البدع وشيوع الصراع والفوضى في العالم الإسلامي مثل حركة الزنج في البصرة، والقرامطة ثم ظهور العبيدين الذي حكموا نصف العالم الإسلامي قرابة قرنين ونصف وكانت فلسطين يوم أن احتلها الصليبيون تحت أيديهم!!

أما بالنسبة للخليفة المتوكل ناصر السنة وقامع أهل البدع والضلال على اختلاف مشاربهم فقد كان شوكة في حلوق هذه الفرق الضالة لذلك لا عجب عندما نقرأ في كتبهم (معتزلة/شيعة/أهل كتاب/زنادقة الإسلام الجدد) هجوماً وتشويهاً لسيرة هذا الخليفة العباسي.. ونظراً لأن أباه الخليفة المعتصم بالله العباسي ت 218 هـ قد أكثر من الجند الأعاجم الذي دخلوا في الإسلام وكثير منهم حسن إسلامه وكانوا عوناً قوياً لنصرة الخلفاء طالما كانوا جنوداً لكن لما استوزرهم وأدخلهم بيت الخلافة، واطلعوا على أسرار الخلافة!! ومن ثم صاروا هم المتنفذين في شؤون الدولة المترامية الأطراف، فهم أنفسهم الذين أوغلوا صدر ابن الخليفة المقلب بالمنتصر على أبيه وأخيه المعتز لأمور يطول شرحها.. وكان لهذا الابن الذي صار خليفة فيما بعد هوى مع الشيعة وقد أشار بطريق غير مباشر إلى ذلك بعض المؤرخين الحفاظ الكبار كالذهبي، وابن كثير، وابن القيم، والسيوطي..

ففي ترجمة الخليفة المتوكل على الله جعفر يقول السيوطي في تاريخه:

“بويع له في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، بعد الواثق، فأظهر الميل إلى السنة، ونصر أهلها، ورفع المحنة، وكتب بذلك إلى الآفاق، وذلك في سنة أربع وثلاثين، واستقدم المحدثين إلى سامرا، وأجزل عطاياهم وأكرمهم،وأمرهم بأن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية، وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في جامع الرصافة (..) وجلس أخوه عثمان في جامع المنصور، (..)، وتوفر دعاء الخلق للمتوكل، وبالغوا في الثناء عليه والتعظيم له، حتى قال قائلهم الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق رضي الله عنه في قتل أهل الردة، وعمر بن عبد العزيز في رد المظالم، والمتوكل في إحياء السنة وإماتة التجهم”[6]

 وقد نقل السيوطي شعر أبي بكر بن الخبازة في مدح الخليفة المتوكل:

وبعدُ فإن السنة اليوم أصبحت ** معززةً حتى كأنْ لم تذلل

تصول وتسطو إذ أقيم منارها ** وحُطَّ منارُ الإفك والزور من عل

وولى أخو الإبداع في الدين هارباً ** إلى النار يهوي مدبراً غير مقبل

شفى الله منهم بالخليفة جعفر ** خليفته ذي السنة المتوكل

وجامع شمل الدين بعد تشتتٍ ** وفاري رؤوس المارقين بمنصل


[1]  نبذة العصر في أخبار ملوك بني نصر/ص87،ص88.

[2]  نبذة العصر في أخبار ملوك بني نصر/ ص88).

[3]  نبذة العصر في أخبار ملوك بني نصر/ص108، ص109.

[4]  نبذة العصر في أخبار ملوك بني نصر/ص109، ص110.

[5]  نبذة العصر في أخبار ملوك بني نصر/ص111

[6]  السيوطي:تاريخ الخلفاء/دار الكتب العلمية /بيروت/ص276، ص277 بتصرف يسير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

مع المصطفى صلى الله عليه وسلم في محبته – 1 من 27

د. أكرم كساب كاتب ومفكر إسلامي موقع رسالة بوست ينفرد بنشر مؤلف د. …