أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / ابن عربي وكتابه الفصوص (16)

ابن عربي وكتابه الفصوص (16)

محمد عبد الحي عوينة

كاتب وداعية إسلامي. إندونيسيا.
عرض مقالات الكاتب

الباب الثاني: مناقشة ابن عربي فيما قاله في فصوصه
(2)
فص شِــــــيث
قَال ابن عربي فِي فص شِيث عَلَيْهِ السَّلَام صـ 62: بعد بَيَان بعض الْعُلُوم:
أَنه لَيْسَ هَذَا الْعلم إِلَّا لخاتم الرُّسُل، وَخَاتم الْأَوْلِيَاء، وَلم يَرَ أحدٌ هَذَا الْعلم من الْأَنْبِيَاء وَالرسل إِلَّا من مشكاة خَاتم الرُّسُل صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم، وَلم يَرَه أحدٌ من الْأَوْلِيَاء إِلَّا من مشكاة خَاتم الْأَوْلِيَاء، حَتَّى خَاتم الرُّسُل لم يَرَ هَذَا الْعلم مَتى مَا يرَاهُ إِلَّا من مشكاة خَاتم الْأَوْلِيَاء، فالرسل من حَيْثُ ولايتهم لَا يرَوْنَ مَا ذكر إِلَّا من مشكاة خَاتم الْأَوْلِيَاء فخاتم الرُّسُل من حَيْثُ ولَايَته بِالنِّسْبَةِ إِلَى خَاتم الْأَوْلِيَاء كنسبة الرُّسُل والأنبياء إِلَى خَاتم الرُّسُل
وَقَوله أَيْضا فِي فص شِيث صـ63: لما شبه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جِدَار النُّبُوَّة الْمَبْنِيّ بِاللَّبنِ وَقَالَ قد تمّ ذَلِك الْجِدَار إِلَّا مَوضِع لبنة وعنى بِهِ نَفسه، فكملت النُّبُوَّة بِوُجُودِهِ فِي عَالم شُهُوده، فَلَا بُد لخاتم الْأَوْلِيَاء من رُؤْيَة ذَلِك الْجِدَار مَبْنِيا من الذَّهَب وَالْفِضَّة المركبتين فِي الدَّار، وَأَنه يكون نَاقِصاً مَكَان لبنتين، أَحدهمَا من ذهب، وَالْأُخْرَى من فضَّة، لاعْتِبَار أَنه يرى خَاتم الْأَوْلِيَاء نَفسه منطبعا مَكَان تينك اللبنتين، فيكمل بِهِ الْبناء، وَسبب رُؤْيَة ذَلِك أَنه تَابع شرع خَاتم الرُّسُل فِي الظَّاهِر، وَهُوَ مَوضِع لبنة الْفضة، ولكونه يَأْخُذ شرع خَاتم الرُّسُل من الْحق بطرِيق الإلهام، كجبريل عَلَيْهِ السَّلَام يكون هُوَ مَوضِع لبنة الذَّهَب أَيْضاً.
وَقَوله فِي ذَلِك الفص أَيْضا صـ 64 حَيْثُ كَانَ خَاتم الْأَنْبِيَاء وآدَم بَين المَاء والطين وَكَذَلِكَ خَاتم الْأَوْلِيَاء كَانَ وآدَم بَين المَاء والطين.
وقد نقل كلام ابن عربي شارح الطحاوية (2/ 744)
ونقله القاري في كتابه مرتبة الوجود ومنزلة الشهود صـ76 وما بعدها، ثم رد عليه قائلاً:
وَقد صرح فِي الفتوحات أَنه المُرَاد بِخَاتم الْأَوْلِيَاء انْتهى.
وَلَا يخفى مَا فِيهِ من أَنْوَاع الْكفْر الظَّاهِر، الْمَفْهُوم عِنْد الْعقل الحاذق الباهر، حَيْثُ ادّعى علم الْغَيْب أَولاً فِي دَعْوَى هَذِه الْمَرَاتِب، ثمَّ تَقْدِيم نَفسه على أَرْبَاب المناقب، وَقد أَجمعُوا على أَن الْأَوْلِيَاء بأجمعهم لم يصلوا إِلَى مرتبَة نَبِي وَاحِد، فَهُوَ فِي دَعوته الكاسد، ومدعاه الْفَاسِد، لظَاهِر الشَّرِيعَة ناقد، ولباطنها جَاحد، حَيْثُ يزْعم أَنه يَأْخُذ الشَّرْع المجدد فِي بعض الْأَحْكَام عَن الْحق بِوَاسِطَة الإلهام، وَأَنه مستغن فِي سير بَاطِنه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَن الرُّسُل وخاتمهم يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَيَأْخُذُونَ الْفَيْض الإلهي النَّازِل لَدَيْهِ، وَأَن الْأَوْلِيَاء الآتين كعيسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَالْمهْدِي وَغَيرهمَا من أَتْبَاعه، فِي مرتبَة الْولَايَة المختومة عَلَيْهِ، وَحَيْثُ شبه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم باللبنة من الْمدر فِي جِدَار الشَّرِيعَة الشَّرِيفَة، وَمَثَّلَ نَفسه بلبنتين من الْفضة وَالذَّهَب المركبتين من جِدَار الْكَعْبَة المنيفة بِمُقْتَضى رُؤْيا رَآهَا وَأَن المُرَاد باللبنة من الْفضة مُتَابَعَته لظَاهِر الشَّرِيعَة المحمدية، وباللبنة من الذَّهَب أَخذه الْفَيْض الباطني من الحضرة الأحدية، وأمثال ذَلِك من الْكَلِمَات الكفرية.
نسب المؤول إِلَى شَيْخه مَا هُوَ أكبر قبحاً فِي حَقه، وَأظْهر كفراً فِي نَفسه، حَيْثُ قَالَ إِن الشَّيْخ ذكر فِي فص شِيث عَلَيْهِ السَّلَام أَن خَاتم الرُّسُل والأنبياء وَسَائِر الرُّسُل والأصفياء يَأْخُذُونَ الْعلم الْخَاص الْمُخْتَص بالخواص من حيثية أَنهم أَوْلِيَاء أَيْضا يَأْخُذُونَ من مشكاة خَاتم الْأَوْلِيَاء. فَانْظُر هَذَا الْكفْر الصَّرِيح، إِن كَانَ لَك الْإِيمَان الصَّحِيح.
ثمَّ ذكر المؤول قَوْله فِي الفص الْمَذْكُور أَنه لم ير أحد من الْأَنْبِيَاء وَالرسل هَذَا الْعلم إِلَّا من مشكاة خَاتم الرُّسُل، وَلم يره أَيْضا أحد من الْأَوْلِيَاء إِلَّا من مشكاة خَاتم الْأَوْلِيَاء. انْتهى.
ذكر المؤول أَن شَيْخه الملا نور الدّين عبد الرَّحْمَن الجامي قَالَ فِي شرح الفصوص إِن مشكاة خَاتم الْأَوْلِيَاء هُوَ مشكاة خَاتم الرُّسُل وَإِلَّا فَلَا يَصح الحصران ثمَّ أَطَالَ المؤول بِمَا لَا طائل تَحْتَهُ وَمن جملَته قَوْله فِي فص شِيث إِن خَاتم الْأَوْلِيَاء من وَجه أنزل وَأدنى، كَمَا أَنه من وَجه أفضل وَأَعْلَى، ثمَّ مثله المؤول بموافقات عمر رَضِي الله عَنهُ فِي بدر وَغَيره، فَيلْزم مِنْهُ أَن عمر أفضل من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من وَجه وَهَذَا قَول لم يتفوه بِهِ مُؤمن فَتدبر فَفِي الْمُضْمرَات مَا قَالَت الروافض إِن عليا كَانَ أعلم من مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَهَذَا مِنْهُم كفر.

فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية (فـــص نوح أ)
قَوْله في بداية فِي فص نوح عَلَيْهِ السَّلَام صـ68:
إِن التَّنْزِيه عِنْد أهل الْحَقَائِق فِي الجانب الإلهي عين التَّحِديد وَالتَّقْيِيد، فالمنزه إِمَّا جَاهِل بالرب، وَإِمَّا غافل قَلِيل الْأَدَب… ثمَّ قَالَ لِأَن الْحق لَهُ فِي كل فَرد من أَفْرَاد الْخلق ظُهُور، فَهُوَ الظَّاهِر فِي كل مَفْهُوم، وَهُوَ الْبَاطِن عَن كل مَعْلُوم، إِلَّا من فهم من قَالَ: أَن الْعَالم صُورَة الْحق وهويته، هُوَ ظَاهر فِي كل مظهر وماهية، ثمَّ قَالَ: وَهَكَذَا من شبه وَمَا نزه، حَيْثُ جعل الْحق مُقَيّداً ومحدوداً، وَلم يعرف كَونه معبوداً، وَمن جمع بَين التَّشْبِيه والتنزيه فِي وصف الْحق، فَهُوَ الَّذِي عرف الْحق من بَين الْخلق
وَقَالَ فِي فص إِدْرِيس عَلَيْهِ السَّلَام: إِن الْحق المنزه، هُوَ الْخلق الْمُشبه.
وَقَالَ فِي فص إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام: فَلَا تنظر إِلَى الْحق فتعريه عَن الْخلق، وَلَا تنظر إِلَى الْخلق فتكسوه سوى الْحق، فنزهه وَشبهه، وقم فِي مقْعد الصدْق. انْتهى
فَرَدَّ عليه علي القاري في مرتبة الوجود ومنزلة الشهود (صـ 103)
مآله ضَلَالَة فِي جعله الْخلق عين الْحق، وَهُوَ الْكفْر الْمُطلق، ثمَّ تحسينه للتشبيه مُنَاقض لتحقيق التَّنْزِيه، ومعارض لقَوْله تَعَالَى {لَيْسَ كمثله شَيْء}.
ثمَّ قَوله: الْحق المنزه هُوَ الْخلق الْمُشبه؛ هُوَ عين بطلَان قَوْله الأول، فَتَأمل وتنبه، ومجمل كَلَامه، وَظَاهر مرامه، أَن تَنْزِيه الْحق عين تشبيهه بالخلق، لَيْسَ القَوْل الصدْق وَهُوَ كذب بَاطِل، إِذْ لَا مُنَاسبَة بَين العَبْد والرب، وَبَين الْحَادِث وَالْقَدِيم،
وَأما الِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ وَحملهَا على هَذَا التَّأْوِيل فخطأ فَاحش، إِذْ لَا يلْزم العينية من الْمَعِيَّة، إِلَّا على مَذْهَب الحلولية والاتحادية والوجودية، بِخِلَاف مَذْهَب أهل الْحق الْمُحَقِّقين.
وفي الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة (صـ74)
يريد ابن عربي بالتنزيه الإطلاق، وبالتشبيه التقييد، فإله ابن عربي مشبه إذا نظرت إليه من حيث تعيناته في صور خلقية، وهو منزه إذا نظرت إليه من حيث كونه وجوداً مطلقاً, والعارف الحق عنده من يؤمن برب كان مطلقاً، ثم تعين فصار مقيداً، أي: خلقاً. أما من يؤمن بأن الله غير خلقه، فهو ضال مشرك في رأي ابن عربي، إذ يؤمن بغير ما من الأغيار. انتهى
وقَوْله فِي فص نوح عَلَيْهِ السَّلَام: لَو جمع نوح بَين التَّشْبِيه والتنزيه ودعا قومه إِلَيْهِمَا لأجابوه فيهمَا، لكنه دعاهم جهاراً إِلَى تَشْبِيه، ثمَّ دعاهم إسراراً إِلَى التَّنْزِيه وَقَالَ إِنِّي دَعَوْت قومِي لَيْلًاً إِلَى التَّشْبِيه، وَنَهَارًاً إِلَى التَّنْزِيه.
فَيرَدَّ عليه علي القاري في مرتبة الوجود ومنزلة الشهود (صـ 107وما بعدها)
وَهَذَا كفر ظَاهر لاعتراضه على نَبِي من الْأَنْبِيَاء، وَقد صرح الْعلمَاء بِأَن من عَابَ نَبياً من الْأَنْبِيَاء فقد كفر، ولادعائه علم الْغَيْب فِي الأنباء، وَالتَّفْسِير بِرَأْيهِ مُخَالفاً للْعُلَمَاء والأولياء، من غير قَاعِدَة عَرَبِيَّة، أَو قرينَة حَالية أَو مقالية، على مَا ادَّعَاهُ من الْإِيمَان.
ثمَّ أقبح من ذَلِك قَوْله فِي فص إلْيَاس عَلَيْهِ السَّلَام: عِنْد قَوْله تَعَالَى {وَإِذا جَاءَتْهُم آيَة قَالُوا لن نؤمن حَتَّى نؤتى مثل مَا أُوتِيَ رسل الله، الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته} فِيهِ وَجْهَان من بَيَان المبنى وعيان الْمَعْنى أَحدهمَا أَن رسل الله مُبْتَدأ وَالله خَبره، وَقَوله أعلم خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف هُوَ هُوَ، ثَانِيهمَا أَن الله مُبْتَدأ وَأعلم خَبره وَفِي الْوَجْه الأول رسل الله يكونُونَ الله، وَفِي الْوَجْه الثَّانِي غَيره وسواه، فَهَذَا هُوَ التَّشْبِيه فِي التَّنْزِيه والتنزيه فِي التَّشْبِيه انْتهى.
وَأَنت ترى أَن هَذَا إلحاد فِي المبنى، واتحاد فِي الْمَعْنى، وَلَا يخفى أَن جهل هَذَا الْقَائِل فِي الْإِسْلَام أقوى من عَبدة الْأَصْنَام، حَيْثُ قَالُوا {مَا نعبدهم إِلَّا ليقربونا إِلَى الله زلفى} و {هَؤُلَاءِ شفعاؤنا عِنْد الله} وَأَشد كفرا من النَّصَارَى حَيْثُ قَالُوا {إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم} وَهُوَ يَقُول بِأَن جَمِيع الرُّسُل هم الله، مَعَ أَن هَذَا لَيْسَ على قَاعِدَته المبنية لتصريح هَذِه الطَّائِفَة الرَّديئَة، الْمُسَمَّاة بالوجودية، أَن النَّصَارَى مَا كفرُوا إِلَّا لحصر الإلهية فِي الْمَاهِيّة المسيحية، فهم عمموا العينية فِي الْأَشْيَاء الدنية، فَصدق فِي حَقهم مَا قَالَ الله تَعَالَى {يحرفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه} ….فَإِن قطع رسل الله عَن قَوْله أُوتِيَ فِي غَايَة من الإغراب، فَجمع بَين تزييف المبنى، وتحريف الْمَعْنى، فَثَبت أَنه جَاهِل أَيْضا بالقواعد الْعَرَبيَّة، الَّتِي لَا تخفى على من قَرَأَ الأجرومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

بؤساء دمشق: ناموا على أبواب الفرن

فراس العبيد – رسالة بوستافترشوا الرصيف… ناموا والتحفوا السماء.. تاركين للبرد أن يمد يديه ويلعب …