أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / ماذا تتمنى في 2020؟؟

ماذا تتمنى في 2020؟؟

بشير بن حسن

مفكر إسلامي.
عرض مقالات الكاتب

في مطلع عام ميلادي أو إداري جديد، نؤرّخ به ولادتنا وكلّ أحداث حياتنا بل حتى مماتنا، شئنا أم أبينا، يتمنى كل إنسان في هذه الدنيا أن يكون عاما سعيدا عليه وعلى ذويه، على مستويات أربعة على الأقل: الصحة، والمال، والعمل (أو الدراسة)، والأسرة (أو الحب).
وتمني السعادة الدنيوية لا حرج فيه ولا عيب عليه ، فالله تبارك وتعالى علمنا دعاء يؤكد أن الدنيا رغم أنها فانية لكن للانسان أن يعمل على أن يكون سعيدا فيها كما قال سبحانه ( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) .
ولكن هذه السعادة التي نتمناها جميعا ، يجب الأخذ بأسبابها الكاملة ، أولا ينبغي أن نتذكر أننا جسد وروح ، وقالب وقلب ، و حِسٌّ مادي وشعور عاطفي ، و السعيد من حقق التوازن في حياته ، وأعطى لكل عنصر فيه حظّه وحقه ، عملا بقول ربه عز وجل ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ) وبقول النبي صلى الله عليه وسلم( إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا… فأعط لكل ذي حق حقه ) ، وبقوله أيضا لحنظلة الأزدي رضي الله عنه ( لو بقيتم على الحالة التي تكونون فيها معي لصافحتكم الملائكة في الطرقات ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ) ، أي ساعة لربك وساعة لنفسك وأهلك ، ساعة في العبادة ، وساعة في شؤونك الخاصة، فالإسلام لا يطلب من أهله أن يكون كلامهم كله ذكرا، ولا صمتهم كله فِكرا، وعلى هذا فالذين ينظّرون للناس أن السعادة فقط في الروحانيات والعبادات وكل ما له علاقة بالدين غفلوا عن أنهم يخاطبون بشرا وليسوا ملائكة ( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ) !! ولهذا أغلب هؤلاء القوم ليسوا في حقيقة الأمر سعداء ولو تظاهروا بذلك ، لأنهم غلّبوا جانب الروح والقلب ، ونسوا أو تناسوا وتغافلوا عن جانب الجسد والقالب، وهذا هو الذي يفسر إصابتهم بما يسمى في علم النفس ( بالقلق الاخلاقي ) نتيجة تحكّم ما يسمى ب ( الانا الأعلى ) في شخصياتهم ، فهم رغم اجتهاداتهم في العبادة صدورهم ضيقة ، ووساوسهم كثيرة ، وكآبتهم واضحة ، وكثيرا ما يعانون من أوهام الصرع والمس ، بل فقدوا طعم الحياة ، حتى غابت الابتسامة عن وجوههم ،والفرحة عن قلوبهم، بل ربما ظنوا أن الحزن مقام من مقامات العبادة ، فهم في حزن دائم حتى وقت تجدد الافراح ، فمثلا هم حزينون بسبب الموت الذي يلاحقنا ويلاحقهم، حزينون على أوضاع المسلمين، حزينون بسبب كثرة العصاة والمعاصي وهلم جرا ! وهؤلاء سوّقوا أسوأ صورة للدين ، ويكذبهم قول الله تعالى ( طه (1) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ (2) ) أي لتسعد !! وقوله ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) ، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم ما يعانيه من تحديات وصعوبات لا يستسلم للحزن ولا لدواعيه بل يتجدد النهي له عنه في محكم التنزيل ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا )
كما أن دعاة المادية الذين يدعون الناس للاغراق في الشهوات الجسدية ، بلا وازع ديني ولا خلقي ، واستجاب لهم الكثيرون هم أيضا نسوا أو تناسوا الجانب الروحي والقلبي في الانسان ،ووقعوا في ما يسمى في علم النفس بقلق العُصاب أو الذُّهان ، بسبب تحكم ما يسمى بجانب ( الهو) فيهم ، وهو الداعي إلى كل أنواع التمرد على القيم والقوانين ،الدينية والمجتمعية والأسرية ،فكانت النتيجة وخيمة ، باصابتهم باضطرابات في الشخصية ، و كثير من العقد النفسية ، و الشعور بالضيق و الانقباض ، لأنهم أشبعوا الجسد و جوّعوا الروح ، ومتّعوا البدن و عذبوا القلب ، وليس بالضرورة أن يكون ذلك بالمحرمات لا بل بمجرد الاهتمام فحسب بالجانب المادي في الانسان ولو بالمباحات اذا جاوزت حدها… فلا الفريق الأول أدرك السعادة ولا الفريق الثاني!!
وعلى هذا فمن أراد السعادة فِعلا فما عليه إلا أن يوازن بين دينه ودنياه ، و جسده وروحه ، وهذا يتحقق بتنظيم الأوقات، وحسن توزيعها ، مثلا : العمل له وقته ، والمسجد له وقته ، و الأسرة لها وقتها ، والرياضة لها وقتها ، والقرآن قراءة وسماعا له وقته ، وسماع وقراءة غير القرآن مما ينفع في الدنيا له وقته ، والهاتف وما أدراك ما الهاتف بما فيه من أنواع التواصل له وقته وهكذا هو التوازن والمرواحة .

تذكر دائما وصية النبي صلى الله عليه وسلم ( ساعة وساعة ) وهذا هو الذي يضمن للعبد الاستمرارية في تدينه و عدم الوقوع في الانتكاس الذي وقع فيه الكثيرون والعياذ بالله ، ويضمن به أيضا الوقاية من وحشة القلب و تعكر المزاج .
هذا وإن سعادة الدنيا ستظل دائما غير خالية من المنغصات الكثيرة ، التي لا يسلم منها مخلوق ، مؤمنا كان أم كافرا ،
وهذه الدار لا تبقي على أحد ،ولا يستقرّ على حال لها شأن
( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) ، اليوم انت صحيح وغدا ستمرض ، أو أنك مريض وغدا ستصحّ ، واليوم أنت واجد و انت غدا ستفقد ، أو العكس ، واليوم أنت فرح وانت غدا ستحزن او العكس وهكذا،فوطّن نفسك على كل أقدار الله تعالى ، و ما فعله بك فهو خير كله ولو جهلت الحكمة منه الان (  لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ  ) وقال ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) .
أما السعادة التي لا نغص فيها ولا كدر فهي التي في قوله تعالى ( فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) .
اللهم أسعدنا في الدارين ، و اجعلنا من عبادك الفائزين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

هل تنجح العلاقات القطرية-التركية في اكتساب مؤسسات تركيا

أنس حافظ باحث وكاتب في العلاقات الاستراتيجية التركية العربية والدراسات العثمانية مقال للمؤرخ …