أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / كيف تَهُز عرش الفرعون؟

كيف تَهُز عرش الفرعون؟

محمد عماد صابر

برلماني مصري سابق
عرض مقالات الكاتب

لقد بدأت في هذه المنطقة من العالم مرحلة تاريخية وحضارية جديدة لن تعود بعدها عقارب الزمن إلى الوراء أبداً، لكننا نحتاج إلى فهم التاريخ والواقع وموازين القوى الداخلية والخارجية وتشابكاتها، كما نحتاج إلى البحث في أوراق القوة التي بين أيدينا وأيدي الطرف الآخر، ثم إعادة النظر في منهجنا وأدائنا حتى الآن، ثم جمْع كل ذلك مع غيره من الوسائل والأدوات والعوامل لطرح السؤال الكبير: هل الاستمرار بهذه المنهجية في التفكير والأداء سيوصلنا إلى أهدافنا، أم إننا نحتاج إلى تغيير أو تطوير هذه المنهجية وهذا الأداء؟

إنّ منْ أبسط قواعد القيادة والإدارة أنّ الرؤية تُبنى على رفع الواقع ودراسة العناصر المختلفة لتخرج منها استراتيجية تتفرع عنها خطة وأهداف ووسائل وليس العكس، وإنّ ممّا يُنقل عن “اينشتاين” تحذيره من الإصرار على الطريقة ذاتها في العمل ثم انتظار نتائج مختلفة.

في معظم الثورات عبر التاريخ، تقع أعيننا على شخصية محورية تملك الكاريزما أو تيار فكري أو سياسي يملك القاعدة الجماهيرية العريضة. وعلى سبيل المثال فقد نَظّــر للثورة الفرنسية مفكرون كبار أمثال “روسو وفولتير وكانْت”، بينما قاد “لِينين” والحزب الشيوعي الثورة البلشفية في روسيا، وتَقدّم “الخُميني” والمجلس الثوري (الحزب الثوري الإسلامي لاحقاً) صفوف الثورة الإيرانية. فهذا التيار الغالب يعتبر في الثورات ضابط الإيقاع وضامن السياق، حيث يؤمن الأعداد الكبيرة في المشاركة، والتأثير الفعلي في الثورة، وحفظ الخط الرئيس للثورة من المعارك الجانبية والانحرافات السلوكية والاختراقات المضادة، إضافاً إلى كونه الوسيلة الرئيسة واليد الضاربة لتحقيق أهداف الثورة النهائية بعد الإطاحة بالنظام.

وكما في كل الثورات، يعمل النظام القائم على بث الشائعات وتفريق الجمع الثوري والضغط بكل قسوة وعنف والمبالغة في القتل والتعذيب، مما قد ينعكس في صفوف الثوار في الشارع تشتتاً وبلبلة..فضلا على أنّ الشعبية والعَفَوِيّة وغياب التخطيط – التي تُطلق الشّرارة، قد تكون هي نفسها مُخمِدَة الثّورة على المدى البعيد.

لذلك يمكن القول: لا التّذمر ولا الاحتجاج ولا الهَبَّة هي الثورة.ولا كل حشْد جماهيري  أو تظاهرة تُعد ثورة، وكل تذمّر لا يُفضي بالضرورة إلى ثورة، وكل مُحتج لا يُعد ثائرًا لمجرد أنه أعلن رفضه للنظام. لا يُعد أي منْ هذا ثورة، ولا يُعد  “أداة ثورية” إلا إذا جاءت في إطار مشروع ثوري يربطها ببقية الأدوات ويحدد وظيفة كل منها وفق رؤية وسياسات و استراتيجيات وخطط عمل..، مشروع تغييري “واعٍ”، لا يكتفي بمعرفة ما يرفضه، بل يعرف ما يريده، والأكثر أهمية أنه يعرف طريق الوصول إليه. وهذا ما سأعرضه في السطور القليلة التالية.

بدايةً  لا يُمكن أن تستغني أي ثورة عن “المشروع التغييري” والذي يتكون من ستة مستويات تعمل جميعها بشكل متناغم و متزامن.

1- فالثورة يلزمها “قيادة فكرية”، تنظـّر لها، وتصوغ لها أهدافها، وأفكارها الصلبة ومبادئها وثوابتها التي لا يمكن التنازل عنها، وتصوغ لها أفكار المرنة التي تقبل التعديل وحتى التبديل. قيادة فكرية دارسة للتاريخ، مستوعبة لدروس الماضي، مدركة لتفاصيل الواقع، ملمة بتعقيدات المشهد، مبصرة لتشابكات الشارع، وبناء على كل ذلك تستطيع أن تضع بصمتها في إسقاط النظرية على الواقع بأنجع ما يكون من وسائل لتحقيق الأهداف المَرْجُوّة.

2- كما يلزم الثورة “قيادة سياسة”، ترسم لها طريقها وتحدد الفعل وكيفية التصرف، وتضع الضوابط التي تحكم مشروع التغيير وتحدد علاقته بالمشاريع الإصلاحية الأخرى في المجتمع وتضبط المسافات بينهم، وتحدد المتغيرات والثوابت، وتحدد نوع الخطاب الموجه للداخل والخارج ..وتحدد سياسات التمويل.. واتخاذ القرارات.. وضبط إيقاع الحراك والفعل…إلخ.

3- ولا تستغني الثورة عن العقول الاستراتيجية التي تضع :

* الاستراتيجيات العليا: التي ترسم المسارات الكبرى للتغيير، والخيارات الكبرى، والمُستَهدَف بالتغيير هل النخبة الحاكمة فقط أم النظام السياسي كله.. إلخ)، و تحدد المواصفات المطلوبة فى بنية المشروع التغييري من (أفراد وجماعات وقيادات ) وتحدد أدوات التغيير الرئيسية، وأدوات الحسم والأدوات الداعمة: هل ثورة سلمية أم ثورة مسلحة، أم نضال قانوني دستوري..إلخ)

* الاستراتيجيات التفصيلية: التي تنقل كل ما سبق إلي حيز التنفيذ، والتي تتعامل مع أحداث ووقائع محددة ( قمع ..انهاكات.. هجوم.. انسحاب تأمين .. إعلام.. دعاية تمويل..إلخ).

4- أما المستوى الرابع فهو مستوي التكتيكات: أيْ منْ يملكون فنّ استخدام الموارد البشرية والمادية المتاحة ولديهم المهارة في تحديد (الوسائل.. والخطط.. واختيار الفعَاليّات الميدانية .. وغيرها).

5-ثم يأتي دور المُنَفِّذين على أرض الواقع.

6- وأخيرًا يبدأ أصحاب الخبرة في التقييم والمراجعة والتطوير وتحديد مدى الالتزام بمكونات البناء التغييري الستة: (الرؤية والسياسات والاستراتيجيات والتكتيكات والتنفيذ).وتقويم أي انحراف وأي بُعد عن الأهداف.

ومن خلال تلك العناصر الستة التي يتكون منها المشروع الثوري التغييري  يمكننا أن نحدد مستويات الخطأ ودرجة خطورته، فمثلا:

* الخطأ أو الجهل على مستوى (التكتيك و التنفيذ) يكون محتملاً ويمكن تداركه.

* والخطأ على المستوى (الاستراتيجي) يكون مؤلما وأكثر خطورة.

* لكنّ الخطأ على مستوى السياسات يؤدى إلى الفشل.

* أّا الخطأ في مستوى الرؤية والأفكار والأهداف فـ مهلكة وتَوَهان وشَتَات وفَرَاغ وجَرْى في المَحَل، وعشوائية وعَفَوِيّة..ناتج عن فقدان الرؤية والهدف الجامع لكل الجهود ويربطها ببعضها.

وإذا كانت القيادة الفكرية والقيادة السياسية تمثل “قاعدة” المشروع الثوري أو “قبضة السيف” فإن العقل “الاستراتيجي و التكتيكي والتنفيذي” هو الرأس المُدَبب المُوَجه نحو الخصم.

هكذا، وهكذا فقط، لا تنجح الثورات وتحقق أهدافها وحسب بل تختزل المسافة الزمنية المطلوبة للوصول إلى تلك الغاية، ممّا يعني تضحيات أقل وأضراراً أخف وعملية أسرع وأجدى في إعادة صياغة المجتمع والدولة وفق تصورات ورؤية الثورة وما أرادته من تغيير، وإلاّ كان البديل إمّا فشل الثورة أو استطالة أمدها مع كل ما يحمل ذلك من تضحيات ومعاناة وخسائر.

إنّ تغير المشهد وموازين القُوَى يفرض علي كل القُوَى السياسية والثورية أن تعيد تقييم الموقف، وأن تجدد من الخطط والأساليب والوسائل..، فنحن أمام نظام أخذ أسوأ ما كان في النظام القديم وأضاف إليه أضعافاً مضاعفة من البطش والظلم والتجبر. وقد أحكم  قبضته على البلاد وسد كل منافذ الحياة، هذا الواقع الجديد ينبغي التعامل معه، ليس من خلال التسليم لذلك والخضوع لمعطياته، بل بإعادة التقييم والعمل بشكل منظم من خلال تصعيد العمل الثوري والميداني، وفق رؤية واضحة وخطوات مرسومة كما ذكرت آنفا، وصولاً إلى لحظة إعلان سقوط النظام المستبد الفاسد التابع.

إنّ دروس الثورات الفرنسية والإيرانية والأوكرانية تقول بشكل واضح إن الثورة سَيْرُورَة طويلة، فيها من المدّ والجزْر، والثورة والثورة المضادة، والارتفاع والهبوط ما فيها، مع كل ما يتضمنه ذلك من وقت وجهد وفكر وتضحيات. وأن من ينتظر غيره ليخوض عنه معركته، ويبرع في خسارة الحلفاء أو المحايدين أكثر ممَا يبرع في محاربة الخصوم والأعداء فسينتظر كثيراً – وربما أبداً – قبل أن يقطف ثمار ثورته.

ندرك طبعاً أن هذه الطريق طويلة وتكتنف الكثير من الوقت والتضحيات والجهد، ولكنها طريق الثورات والتغييرات التاريخية الكبرى، ولا نعتقد أن ثورة في التاريخ نجحت بدون دفع هذه الفاتورة الباهظة، فما بالنا بثورة ينتظر لها أن تغير خارطة المنطقة بأسرها؟

إنّ نجاح أيّ ثورة  يتطلب بالضرورة فهم استيراتيجية الخصم وفهم واقعه وكيف يفكر، ورفع الواقع وإدراك عناصر القوة والضعف في المشهد، لبناء استيراتيجية مضادة يمكنها أن وتقود الحراك الميداني والسياسي، جنباً إلى جنب مع وحدة الموقف في مواجهته الانقلاب وصولا  للهدف. وإنّ أكثر وأوْلَى ما تحتاجه الحالة المصرية الآن هو وقفة، وقفة للمراجعة والتقييم ثم التقويم. والتخفف من زحام وفوضى الأحداث اليومية، للتفكير في صورة أعلى وأكبر من الناحية الاستراتيجية، تتصل بالواقع المصري وثورة 25 يناير ومآلاتها وطرق إنقاذها. فحين تتعدد المحاولات ويتكرر الفشل أو استعصاء النجاح، هنا يجب تقيم “المنهج” قبل “الأداء” وهذا ما تحتاجه الحالة المصرية اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

حكم سبّ النبي والاستهزاء به (ماكرون وشارلي إيبدو)

نعيم مصطفى كاتب وباحث سوري يبدو أن ماكرون يعيش في أزمة حادة جعلته …