أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / ابن عربي وكتابه الفصوص (15)

ابن عربي وكتابه الفصوص (15)

محمد عبد الحي عوينة

كاتب وداعية إسلامي. إندونيسيا.
عرض مقالات الكاتب

الباب الثاني: مناقشة ابن عربي فيما قاله في فصوصه
(1)
في هذا الباب سنذكر ما أعترض به بعض أهل العلم على كلام ابن عربي في كتابه الفصوص، الذي هو أردء تواليفه كما وصفه الذهبي في سير أعلام النبلاء وقال عنه أيضاً: فَإِنْ كَانَ لاَ كُفْرَ فِيْهِ، فَمَا فِي الدُّنْيَا كُفْرٌ، نَسْأَلُ اللهَ العَفْوَ وَالنَّجَاةَ، فَوَاغَوْثَاهُ بِاللهِ! كما مر.
وقد ذكر العلماء المواضع التي نقلوا منها كلام ابن عربي، فذكروا من أي فص نقلوا، وسوف أشير أنا رقم الصفحة من نسخة دار الكتاب العربي – بيروت – لبنان، التي قام بالتعليق عليها الدكتور أبو العلا عفيفي دكتوراة في الفلسفة من جامعة كمبريدج.
وقد حاولت أن تأتي التعليقات والإنتقادات على ترتيب الكتاب، ليسهل مراجعتها، وليكون الرد بتسلسل كتاب الفصوص.
وفي كتاب مرتبة الوجود ومنزلة الشهود نجد ملا على القاري لا يرد على ابن عربي فقط، بل يرد على من يؤول كلام ابن عربي، من شراح الكتاب الذين يؤولون كلامه دفاعاً عنه، وحتى لا يبدو كلامه معارضاً للشرع الحنيف
فــــــــــص آدم
قال القاري في كتابه مرتبة الوجود ومنزلة الشهود (صـ 69)
قَال ابن عربي فِي فص آدم عَلَيْهِ السَّلَام أَيْضا إِن الْإِنْسَان هُوَ الْحَادِث الأزلي والنشأة الدَّائِم الأبدي انْتهى صـ50
وَالْقَوْل بقدم الْعَالم فَهُوَ كفر بِإِجْمَاع الْعلمَاء خلافًا للفلاسفة من الْحُكَمَاء مَعَ التَّنَاقُض الظَّاهِر، والتعارض الباهر فِي كَلَامه، حَيْثُ جمع فِي مرامه بَين الصّفة الحدوثية والنعت الأزلية وَالله سُبْحَانَهُ هُوَ الأول، وَهُوَ خَالق كل شَيْء فَتَأمل فَإِنَّهُ مَوضِع زلل، وَمحل خلل.
ثم قال القاري ص/ 70
…….مَعَ أَن كَلَامه هَذَا مُنَاقض أَيْضا لما قَالَ فِي الفتوحات فِي الْبَاب التَّاسِع وَالسِّتِّينَ من أَنه سُبْحَانَهُ لم يُوجد الْأَشْيَاء فِي الْأَزَل لكَونه محالا من وَجْهَيْن: الأول أَنه لَا يُوجد الْمَوْجُود فَإِنَّهُ تَحْصِيل الْحَاصِل فِي معرض الشُّهُود وَالثَّانِي أَنه سُبْحَانَهُ مُخْتَصّ بِوَصْف الأزلية فكون الْعَالم أزليا يُنَاقض أوليته وَبِهَذَا تبين كَلَام الشَّيْخ الْجَزرِي أَن ابْن عَرَبِيّ كَانَ غلب عَلَيْهِ السَّوْدَاء فَلَيْسَ كَلَامه على أساس الْبناء. وَأما الشَّارِح القيصري للفصوص فقد صرح بقدم الْأَرْوَاح، إِلَّا أَنه فرق بَين أزلية الْأَعْيَان الثَّابِتَة والأرواح الْمُجَرَّدَة، وَبَين أزلية الْحق سُبْحَانَهُ بِأَن الْأَرْوَاح وَإِن كَانَت أزلية إِلَّا أَن عدمهَا مقدم على وجودهَا بالتقدم الذاتي، لِأَن وجودهَا لَيْسَ مِنْهَا، وَأما أزلية الْحق فَهِيَ عبارَة عَن نفي الأولية الْحَقِيقِيَّة فَإِن وجوده من ذَاته، وَأغْرب الملا جامي وَقَالَ بقدم أَرْوَاح الكاملين وبحدوث أَرْوَاح الناقصين وَنسب هَذَا الْمَذْهَب إِلَى الشَّيْخ صدر الدّين القونوي إِلَّا أَنه لم يعين مَحل نَقله.
واستطرد القاري قائلاً صـ 71
والمؤول الَّذِي طالع كتب ابْن عَرَبِيّ من الفصوص والفتوحات مُدَّة ثَلَاثِينَ سنة من الْأَوْقَات صرح بِأَنَّهُ مَا وجد فِي كَلَامه مَا يدل على قدم الْأَرْوَاح والأشباح. انْتهى وَلَا يخفى أَنه منقوض بقوله أوجد الْأَشْيَاء وَهُوَ عينهَا مندفع بِمَا سبق من نسبته إِلَى قدم الْعَالم فِي نقل أكَابِر الْعلمَاء مَعَ أَن هَذِه الْعبارَة بِعَينهَا متناقضة الطَّرفَيْنِ لِأَنَّهُ يلْزم من إِيجَاد الْأَشْيَاء حدوثها وَمن قَوْله وَهُوَ عينهَا قدمهَا بأسرها أَو قدم أرواحها وَالْحَاصِل أَن طوائف الْإِسْلَام من الْعلمَاء والحكماء وَغَيرهم من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة والمعتزلة وَسَائِر أَرْبَاب الْبِدْعَة أَجمعُوا على حُدُوث الْأَرْوَاح، وَإِنَّمَا قَالَ بقدم الْعَالم جَمْعٌ من السُّفَهَاء الفلسفية وهم كفرة بِإِجْمَاع عُلَمَاء الْأمة الحنيفية
وفي ص/ 72
هَذَا وَقَالَ المؤول إِن الشَّيْخ ذهب إِلَى حُدُوث الْعَالم من الْأَرْوَاح والأشباح، وَإِنَّمَا وَقع غلط كلي من الشُّرَّاح، قلت (أي ملا علي القاري): فَثَبت حُرْمَة مطالعة كتبه لِأَن دسائس كَلَامه وَهُوَ أجرأ مرامه إِذا خفيت على مثل القيصري والجامي (هما من شرَّاح الفصوص) فَكيف بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيرهمَا مِمَّن يطالعها وَهُوَ فِي مرتبَة الْعَاميّ، على أَن الظَّاهِر أَنَّهُمَا مَا ذكرا هَذَا القَوْل من عِنْدهمَا وَلَا معتقدهما، بل لما فهما من كَلَامه على مَا فهما، وَلَا عِبْرَة بِنَقْل المؤول عَن شَيْخه والطعن فيهمَا لِأَنَّهُ على تَقْدِير صِحَة نَقله عَن شَيْخه فَلهُ أَقْوَال متعارضة، وأحوال متناقضة، كَمَا تفوه مرّة بِإِيمَان فِرْعَوْن وَلُزُوم أَنه فِي الْجنَّة مَعَ الْأَبْرَار وَصرح مرّة بِأَنَّهُ من جبابرة الْكفَّار وَأَنه فِي قَعْر النَّار وأمثال ذَلِك كثير فِي كَلَامه حَيْثُ كَانَ مترددا فِي مرامه، ومتذبذبا فِي مقَامه.
ثم قال القاري في المرجع السابق صـ 72
قَوْله فِي فص آدم أَيْضا إِنَّا مَا وَصفنَا الْحق بِوَصْف من الْأَوْصَاف إِلَّا كُنَّا عين ذَلِك الْوَصْف وَقد وصف الْحق نَفسه لنا فَمَتَى شَاهَدْنَاهُ شاهدنا أَنْفُسنَا وَمَتى شاهدنا شَاهد نَفسه انْتهى من صـ 53
وَهَذَا كفر صَرِيح لَا يخفى، لِأَن ذَات الْإِنْسَان وَصفته لَا تكون عين وصف الله وَنَفسه إِلَّا فِي مَذْهَب الْحُلُول والاتحاد ومشرب الوجودي والإباحي وَأهل الْإِلْحَاد، وَهَذَا الْفساد فِي الِاعْتِقَاد أخرب الْعباد وأضل الْعباد، حَيْثُ يَزْعمُونَ أَن الشَّيْخ مَحل الِاعْتِمَاد.
ثم يرد على من أَوَّلَ كلام ابن عربي صـ 73 وما بعدها
وَأما قَول المؤول: إِن هَذَا مَبْنِيّ على قَاعِدَة من قَوَاعِد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن الصِّفَات الذاتية من الْحَيَاة وَالْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام فِي الْأَفْرَاد الإنسانية لَيست عين ذواتهم بل زَائِدَة عَلَيْهَا وَكَذَا قَالُوا فِي حق الْبَارِي قِيَاساً للْغَائِب على الشَّاهِد، فَيلْزم من مشاهدتنا صفاتنا مُشَاهدَة صِفَاته، ومشاهدته سُبْحَانَهُ صِفَاته مُشَاهدَة صفاتنا، فَصدق عَلَيْهِ أَن كل وصف وصف بِهِ سُبْحَانَهُ هُوَ صفتنا، بل نَحن عين ذَلِك الْوَصْف انْتهى.
ويرد القاري على هذا المؤول لكلام ابن عربي قائلاً: وَلَا يخفى أَن مآل هَذَا التَّأْوِيل شَرّ من ذَلِك القيل، فَإِن صِفَات الْخَالِق أزلية ثَابِتَة لَهُ بنعت الْقدَم، وصفات الْخلق نَاقِصَة حَادِثَة من الْعَدَم، فَأَي مُنَاسبَة بَين الصفاتين، ثمَّ أَي مُلَازمَة بَين المشاهدتين، وَكَيف يكون صفة الْحَادِث عين صفة الْقَدِيم، فَهَل رَجَعَ كَلَام هَذَا المؤول إِلَى قَول شَيْخه الأول؟ سُبْحَانَ من أوجد الْأَشْيَاء وَهُوَ عينهَا، مَعَ أَن مَذْهَب أهل السّنة هُوَ أَن صِفَات الله لَا عينه وَلَا غَيره، بِخِلَاف صِفَات الْمَخْلُوق فَإِنَّهَا غَيرهم، وَقد صرح الْعلمَاء الْكِرَام، والمشايخ الْعِظَام، أَن إِطْلَاق لفظ الْحَيَاة وَالْعلم وَغَيرهمَا من الصِّفَات الثبوتية على الْحق والخلق لَيْسَ بِمَعْنى وَاحِد حَقِيقِيّ، بل اشْتِرَاك اسْمِي، لمُجَرّد إِطْلَاق لَفْظِي، لِأَن صِفَاته سُبْحَانَهُ لَيست حَادِثَة، وَلَا أعراضاً، وَلَا متناهية الْأَثر، بِخِلَاف صِفَات الْإِنْسَان، فَإِنَّهُ حَادث وعارض ومتناهي الْأَثر، فشتان بَين الْقطن والكتان وَلذَا قيل ما للتراب وَرب الأرباب!!
وَنَظِير هَذَا ماروي عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ وَغَيره أَن أَسمَاء الْفَوَاكِه وَغَيرهَا مِمَّا يكون فِي دَار الدُّنْيَا وَدَار العقبى إِنَّمَا هِيَ لمُجَرّد المشابهة الاسمية، لَا الْمُشَاركَة الْحَقِيقِيَّة، لاختلافهما فِي الْمَاهِيّة والكمية والكيفية، وَقد كَابر هَذَا المؤول فِي رد كَلَام الأكابر: بِأَنَّهُ يلْزم من هَذَا الْكَلَام جهلنا بِصِفَات الْملك الْعَالم، وَبِأَن مَفْهُوم الْعلم وَالْقُدْرَة فِي الْوَاجِب والممكن وَاحِد بديهة؛ وَأَنت تعلم أَن أهل الْحق معترفون بقصور إدراكهم عَن كنه ذَاته وَصِفَاته، حَيْثُ لَا مشابهة بَينه وَبَين مخلوقاته، وَقد قَالَ تَعَالَى {وَلَا يحيطون بِهِ علما} و {لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار} {وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا} وَقد صَحَّ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك) وَقَالَ الصّديق الْأَكْبَر: الْعَجز عَن دَرك الْإِدْرَاك إِدْرَاك، فحاشا مقامهم أَن يقيسوا الْغَائِب على الشَّاهِد فِيمَا يَقْتَضِي مرامهم، وَكَأن هَذَا المؤول الْجَاهِل الغافل مَا فرق بَين صِفَاته وصفات الْحق، وَلَا بَين ذَاته وَذَات الْحق، فَكَلَامه عين كَلَام شَيْخه: سُبْحَانَ من أوجد الْأَشْيَاء وَهُوَ عينهَا
فمشربهما من عين وَاحِدَة، فهما فِي دَعْوَى معرفَة الْحق جَاحد ولاحِد، بل أكفر من نفاة الصِّفَات، كالجهمية والمعتزلة والفلاسفة من الْحُكَمَاء حَيْثُ أَرَادوا بنفيها احْتِرَازًا من تعدد القدماء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

معاهدات السلام العربية الإسرائيلية في ميزان الشريعة الإسلامية 3

د. عطية عدلان مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول  موقف المعاصرين من …