مقالات

متلازمة استكهولم السورية

الشيخ حسان لطفي الخطيب

باحث إسلامي – سورية
عرض مقالات الكاتب

أعرف معلمة مدرسة في الخمسين من عمرها ،لها حساب على الفيسبوك باسمها الحقيقي ،ودائماً تمتدح و تمجد إنجازات القيادة الأسدية وتنافق إلى أبعد درجات النفاق بوضع صور للطاغية بشار الأسد وزوجته أسماء كل يوم وتكتب : صباح الخير ياسيد الوطن ويا سيدة الوطن وتتغزل بهما صباح مساء !

تم اعتقال أحد أولادها وهو طالب جامعي من على أحد الحواجز الأمنية ،وبقي في السجن قرابة سنة كاملة وخرج مختلا عقليا من السجن، ورغم ماشاهدته من جنون ابنها على يد العصابة الأسدية إلا أنها زادت الثناء على القيادة المجرمة أضعافا مضاعفة ،ولم تتوقف بالثناء على القيادة نتيجة خوفها الشديد من اعتقال بقية أبنائها الصغار، وهذه الحالة النفسية المعقدة تسمى متلازمة استكهولم وهي حالة أصابت الكثير ممن هم في الداخل السوري ..

فتجد أمثال هذه المرأة التي تم ذكرها في قمة المتلازمة ( تمجيد الجلاد )
وبعضهم في متوسطها وهم الذين يستنكرون القصف الإسرائيلي على غزة و معاناة الايغور ،ولايستنكرون القصف الأسدي على أهل السنة في إدلب ،وهم أولاد بلدهم ومن جلدتهم وربما تجتمع بينهم قرابة وصلة ودم .. فهؤلاء من ضمن المرضى بهذه المتلازمة ..

وأدناها من يهتم بالسهر في ليلة رأس السنة الميلادية ويصور الحفلات وطاولات الطعام والشراب والناس تموت الآن جوعا في المخيمات، فهؤلاء أيضا ممن أصابهم لوثة هذه المتلازمة ..

وأعرف الكثير ممن فقدوا أولادهم في سجون النظام النصيري ومع ذلك يمجدون بالقيادة المجرمة ،مع أن الأفرع الأمنية التابعة لتلك القيادة اللئيمة هي من قتلت ابنهم و أعادت لهم هويته مع شهادة وفاة فقط و بدون جثة لأن الجثث سحبت منها الأعضاء للبيع ؛وهذا الكلام موثق بشهادات كثيرة من منشقين عن النظام المجرم حيث يُعذب السجين في السجون السورية إلى قبيل الموت بساعات وبعدها يتم شق بطنه من قبل أطباء من الدائرة المقربة لبشار الأسد، وقد أكد منشقون عن النظام أسماء ( الأطباء ) الذين يشتركون بسرقة وبيع الأعضاء البشرية للمعتقلين بعد القتل العمد وهم :
الطبيب الضابط مازن الأسد زعيم الخلية ،وتواصله مباشر مع بشار الأسد زعيم العصابة والأموال تصل عن طريقه لحساب بشار الأسد الشخصي .
و الدكتور عمار سليمان الذي يعمل في مشفى تشرين العسكري بدمشق.
و الطبيب أديب المحمود الذي يعمل في مشفى المجتهد بدمشق، و الدكتور أحمد الحمصية الذي يعمل في مشفى تشرين العسكري بدمشق ..
وتقوم عمليات سحب الأعضاء حصرا في مشفى 601 العسكري بدمشق بالتعاون مع شركائهم من روسيا “المافيا” ولبنان وإيران ..

وبعد سحب أعضاء الجثث من قبل هذه المجموعة من الأطباء القتلة تقوم العناصر بتحميل الجثث في سيارات مغلقة؛ ويُذهبُ بها إلى مكان صهر الجثث في محرقة صيدنايا !
حيث اتهمت الولايات المتحدة الأمريكية النظام السوري بإقامة محرقة للجثث في سجن صيدنايا العسكري للتخلص من رفات آلاف المعتقلين الذين تمت تصفيتهم ،وقد وثقت ذلك عبر صور من الأقمار الصناعية ولكنها لم تحرك ساكناً رغم تأكدها من ذلك لأن القتلى هم من أهل السنة والجماعة فقط فهي مُوافِقة ضمنياً على تلك المجازر التي لو حركوا هذه القضية فقط تحت البند السابع لذهب الأسد وأتباعه بخبر كان ولكنهم لم يفعلوا شيئا سوى الإدانة والتنديد بتلك الجرائم البشعة ..

و في معمل الإسمنت في طرطوس أدلى أحد المنشقين عن النظام بشهادته وقال : لو كانت هناك حماية دولية لي أنا مستعد للذهاب معهم و شرح طريقة صهر الجثث على أرض الواقع؛ وقال : أعرف المدخل الخلفي لمعمل الإسمنت وكنت أقود السيارة بنفسي ..

وهؤلاء السجناء الذين قتلوا بهذه الطريقة فاقت أعدادهم الثلاثمائة ألف معتقل رأي وناشط سياسي ؛حيث تقوم الأفرع الأمنية بتسليم هوية المعتقل بدون جثة حتى لايشاهد أهل المعتقل شق البطن للجثة فيكون دليل إدانة أكبر في حق العصابة الحاكمة المجرمة لذا يتم التخلص من الجثث بالصهر بحرارة عالية لاتبقي ولا تذر شيئا من الجثة، وبعدها يسلم الأهل فقط شهادة وفاة مع هوية المعتقل، ويتم التوقيع من ولي أمر المعتقل أو أحد أولاده على ورقة تبقى بحوزة الأفرع و لايسمح لهم بقراءة مضمونها مكتوب فيها أن العصابات المسلحة هي التي قتلت ابنهم ، ومن ثمة يستلمون الأوراق ثم يشكرون المجرم على تلك المكرمة والعطاء الذي أبقاهم أحياء؛ ولم يقتلهم كما قتل أبناءهم ليشكروا الأسد ويثنوا عليه وعلى انجازاته الخلبية رغم ما ذاقوه من أفراد عصابته ..

إن ظاهرة التمجيد بالجلاد هي ظاهرة منتشرة بكثرة في أماكن سيطرة النظام السوري ،وتعرف هذه الظاهرة ( بمرض استكهولم ) وهو مرض نفسي حيث يشعر القابع تحت سلطة هؤلاء الجلادين أنهم متفضلون عليه بعدم قتله أو تعذيبه، لذا هم يدافعون عن جلاديهم دفاعا مستميتاً ولن يخرجوا من هذه الحالة النفسية المعقدة حتى يتنفسوا عبق الحرية ويتغير هذا النظام المجرم ..

تعرّف متلازمة استكهولم على أنّها حالة نفسية تدفع المصاب بها إلى التعاطف أو التعاون مع الشخص المضطِهد أو المختطِف أو الذي ضربه بشكل مبرح وما إلى ذلك من الاعتداءات؛ فيبدي الشخص ولاءه للمعتدي و عند وضع شخص أو مجموعة من الأشخاص في موقف معين لا يملكون فيه القدرة على التحكّم بمصيرهم ويشعرون فيه بالخوف الشديد من التعرّض للإيذاء الجسدي، ويظنّون أنّ السيطرة تكمن في يد الشخص الخاطف أو المضطهِد لهم فيفكر هؤلاء الأشخاص بطريقة للنجاة قد تتطور إلى استجابة نفسية تتضمن التعاطف والمساندة مع المضطهِد ؛وقد تم اشتقاق اسم هذه المتلازمة من عملية سرقة بنك حدثت في استوكهولم في السويد عام 1973م تم فيها احتجاز أربع رهائن هم رجل وثلاث سيّدات لستة أيام متواصلة وخلال فترة الاحتجاز ، وفي ظلّ ما كانوا يشعرون به من ضغط أخذ الرهائن في الدفاع عن تصرّفات اللصوص واللوم على الجهود المبذولة من قبل الحكومة في سبيل إنقاذهم وبعد مرور أشهر على انتهاء المحنة استمرّ الرهائن في إعلان الولاء لخاطفيهم لدرجة أنّهم رفضوا الشهادة ضدّهم ،بل وساعدوا المجرمين في جمع الأموال اللازمة للدفاع القانوني عنهم.

أسباب حدوث مُتلازِمَة استوكهولم في حال تعرّضهم للظروف الآتية:  

١ . تأكد الشخص المخطوف أو الرهينة بقدرة ورغبة الشخص الخاطف في قتله .

٢ . اعتقاد الرهينة بأنّ هربه من الخاطف أمر مستحيل.

٣ . تضخيم تصرفات الخاطف اللطيفة من قبل المخطوف لشعوره الداخلي أن الخاطف قادر أن يعذبه أكثر من ذلك ولم يفعل .

٤ . السماح للمخطوفين بالدخول إلى الحمام وتقديم كسرات الخبز اليابس لهم من قبل الخاطفين تعتبر مكرمة ما بعدها مكرمة في نظر المخطوف او المحتجزة حرياتهم .

ويمكن اسقاط هذا على الدول القمعية مثل النظام السوري والنظام الكوري الشمالي حيث تجد تقديم الولاء المطلق للجلاد وأي شيء يقدمه لهم يعد مكرمة وهم يعانون الحرمان من أبسط حقوق الإنسان ..

إنّ علاج هذه المتلازمة يتطلّب جهوداً كبيرة من المعالجة السلوكية والجلسات المستمرة التي تهدف إلى تعديل الفكرة عند الضحيّة من كونه شخص منقذ ورائع، إلى حقيقة أنّه شخص معتدٍ مجرم ..

وبالنسبة للوضع السوري يحتاج أولئك المرضى بهذه المتلازمة لتنفس عبق الحرية المطلقة لا المحدودة بتغيير النظام المستبد بآخر يعطي الحرية والعدالة الاجتماعية للمواطنين ؛عندها تزول هذه المتلازمة تلقائياً ويتحول ذاك الشخص المريض بها إلى شخص يؤمن بالحرية أكثر من غيره ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى