أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / دور القبَّالة/الصوفيَّة المغالية في إسقاط الدولة العثمانيَّة واحتلال الأرض المقدَّسة 3 من 6

دور القبَّالة/الصوفيَّة المغالية في إسقاط الدولة العثمانيَّة واحتلال الأرض المقدَّسة 3 من 6

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

تشير الدكتورة هدى درويش في كتابها العلاقات التركيَّة اليهوديَّة وأثرها على البلاد العربيَّة (2002) كانت وسيلة الدولة الأوروبَّية في إسقاط الدولة العثمانيَّة وما يرتبط بها من خلافة إسلامية إشعال العداء بين العناصر الإسلاميَّة، واستنهاض الروح القوميَّة، وذلك عن طريق المدارس الأجنبيَّة والبعثات التبشيريَّة، وعبثًا حاول عبد الحميد الثاني إيقاظ الشعور الديني في النفوس المسلمة من خلال الدعوة إلى اتحاد المسلمين وإلى تأسيس الجامعة الإسلاميَّة. وكان الاتحاد اليهودي العالمي قد أسَّس العديد من المدارس في تركيا في القرن التاسع عشر، وقد استطاعت تلك المدارس تغيير وعي مرتاديها بحيث جعلتهم يتشرَّبون عقائد الغرب المناهضة للإسلام. فطن السلطان عبد الحميد الثاني إلى دور تلك المدارس في نشر التعاليم المعادية للإسلام، فأغلق 400 مدرسة منها، وتعتبر كلية روبرت-المعروفة اليوم باسم جامعة البسفور-صاحبة الدور الأكبر في ذلك. وكان لتلك المدرسة دور في تحريض الأرمن على الانقلاب على الخلافة، وقد حرصت الإرساليات الأمريكيَّة على إيجاد تابعين ومؤيدين لها من معتنقي مذهب البروتستانت، وبدأ الأرمن يدخلون المدارس التبشيريَّة بأعداد هائلة. وما يخصُّنا بالذِكر هُنا هو أنَّ بعضًا ممَّن صاروا في زمن لاحق من زعماء العرب وحُكَّام البلدان الإسلاميَّة تلقُّوا تعليمهم في تلك المدارس، ومن بينهم عبد الله وفيصل، ابنا الحسين بن علي، شريف مكَّة.


5.الحركة الاستعماريَّة العالميَّة: مجرَّد منتفع أم شريك؟

تشير الباحثة هيلة السليمي في دراستها عن دور اليهود في سقوط دولة الخلافة الأخيرة (2001) إلى تضافُر جهود الحركة الاستعماريَّة العالميَّة مع مساعي اليهود الاستيطانيَّة في المشرق الإسلامي، وبخاصَّة في الأرض المقدَّسة. بالطبع، لن ننسى أن بريطانيا ظلَّت الحاضن والداعم الأكبر للماسونيَّة العالميَّة، إلى أن تسلمتها ربيبتها، الولايات المتَّحدة الأمريكية، ويصدق في ذلك قول رسول الله (ﷺ)، أن من أشراط الساعة الصغرى أن تلد الأمة ربَّتها؛ وقد وجد علماء الحديث أنَّ من أنسب تأويلات هذه العلامة خروج الولايات المتَّحدة من رحم بريطانيا، بعد أن استقلَّت عنها، لتتَّخذ لنفسها العدالة والمساواة والحريَّة والإنصاف مبادئ لها-ونترك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد التعليق على ذلك.

نابليون الماسوني كان أسبق من هرتزل بقرن كامل في الدعوة إلى لمِّ شمل اليهود من أجل تأسيس دولة لهم في القدس، استعدادًا لظهور الماشيح، في مشهد أقرب ما يكون بهجرة اليهود إلى يثرب قبيل البعثة النبوية المشرفة، لعلمهم بأنَّ نبي آخر الزمان سيُخرجه قومه إليها. حاييم وايزمان-أول رئيس لإسرائيل وأهم زعيم صهيوني بعد هرتزل-وصف نابليون بأنَّه “أول الصهاينة العصريِّين“، فقد نطق المحتل الفرنسي شهادة التوحيد وادَّعى الإسلام باسم “على نابليون”، وهذه من أشهر طرق خداع اليهود بادعاء الإسلام-أو التدين بين القوم الذين يتسللون إليهم-كي يطمئن لهم الآخرون. وقد وجد نابليون في فكرة تأسيس دولة اليهود مصلحة لهم، ولذلك ساعد على التشجيع على الهجرة إلى فلسطين.

وجدت بريطانيا في استيطان اليهود لفلسطين حماية لمصالحها في المنطقة، فقد عاونت محمد علي-الوافد من سلانيك، أهم معاقل اليهود في الدولة العثمانيَّة، بعد إزمير-في تهديده للدولة العثمانيَّة التي اقترب من حدودها، وأمرته بالخروج من الشام، وحينها بات من الضروري زرع جسم غريب يقطِّع الدولة العثمانية التي كانت حدودها تصل إلى المغرب العربي-الدليل على ذلك تحويل مصر من مجرد ولاية إلى مُلك يحكمه نسل محمد علي-وإن احتفظت بشكل الولاية، فحاكمها خديوي-بالإضافة إلى سيطرته على السودان حتى انفصالها عن مصر بعد تولي الجيش الحكم بدءً من يوليو من عام 1952.

وكانت بريطانيا أول دولة أقامت قنصليَّة لها في القدس عام 1838 ميلاديًّا، فعمل القنصل على رعاية اليهود وتشجيعهم على الزراعة من خلال عدة جمعيات، كما أنشأت مدارس لتخريج الحاخامات ونشر الفكر الصهيوني. ولمَّا رأت الدول الأوروبيَّة أنَّ في وجود اليهود حماية لمصالحها في المنطقة العربية، سارعت بفتح قنصليات لها في القدس، وعلى رأس تلك الدول النمسا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا. كان لتلك القنصليَّات دورها في تسهيل استحواذ اليهود على أراضي فلسطين، من خلال التحايل وعرقلة القوانين العثمانية المقيدة لوجود اليهود في المنطقة. وراحت تلك الدول ترسل المنصِّرين بين الحين والآخر لزعزعة إيمان المسلمين وهز أركان دولتهم، واتَّخذ هؤلاء المبشِّرون هويَّات تجار وعلماء ورحالة.

وجد المستعمرون في الشام ضالَّتهم، حيث ساعدهم التعدد المذهبي في إزكاء نار الفتنة والصراع الطائفي، فاشتعلت الفتن وبدأت الفُرقة. ومن هنا، بدأت ذريعة التدخل العسكري لحماية الرعايا الأجانب والأقليات الدينية، فأرسلت فرنسا إلى الشام جيشًا من 10 آلاف محارب بحجَّة حماية الموارنة من المسيحيين، وكان لليهود دور كبير في تلك الفتنة، فألقي القبض على الكثيرين منهم-فعاد المسيحيون إلى الشام من جديد بعد أن أجلاهم صلاح الدين الأيوبي، ومن قبله الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه). ربَّما من المعروف أنَّ بريطانيا قد وجدت في السيطرة على قناة السويس (افتُتحت عام 1869) مسألة حياة أو موت، فهي أسرع ممر مائي إلى مستعمراتها في الهند، وهذا أجَّج نار الصراع على دخول الغرب إلى منطقة البلدان العربيَّة. ومع إثقال والي مصر، الخديوي إسماعيل-الناشئ في فرنسا والذي شكَّل ذهنه الفكر الماسوني-بالديون كان الدافع وراء بيعه قناة السويس عام 1875، انتهز اليهود الفرصة لإبداء ولائهم للإنجليز بتسديد آل روتشيلد قيمة الصفقة. كان العميل الإنجليزي يهودي الأصل مدحت باشا من أقنع السلطان عبد العزيز بالسماح للخديوي إسماعيل بالاقتراض من بنوك أجنبيَّة، وهذا ما وضع مصر في أزمة ماليَّة طاحنة عانت ويلاتها لعشرات السنين؛ وهكذا نجح اليهود في السماح لبريطانيا باحتلال مصر بحجة فرض رقابة ماليَّة لتسوية ديونها، ولم تخرج إلَّا بعد أن تأسست إسرائيل بحوالي 8 سنوات.

ويشكَّل عام 1907 مرحلة فارقة في تاريخ اتحاد قوى الاستعمار الغربي في مواجهة المنطقة العربيَّة المسلمة، خشية تضرُّر مصالحها نتيجة نهضة تلك الدول؛ حيث عقد رئيس الوزراء البريطاني هنري كامبل بانرمان في ذاك العام لجنة مكوَّنة من كبار المتخصِّصين في شتَّى المجالات، وكان أهم قرارات اللجنة:

 1.الإبقاء على جهل البلدان الإسلاميَّة، مع تشكيل أذهان أهلها بالفكر الماسوني.

 2.منع اتحاد تلك البلدان بأي شكل من الأشكال (دينيًّا أو فكريًّا أو تاريخيًّا-وهذا ما عزز نشر الفكر القومي). 3.العمل على فصل الجانب الآسيوي عن الجانب الأفريقي في المنطقة من خلال زرع جسم غريب معادي للجانبين وصديق للاستعمار (ومن هنا أصبح وجود الدولة العبريَّة لازمًا).

هكذا، تضافرت مصلحة القوى الاستعماريَّة في زرع جسم يعرقل التواصل بين أبناء المنطقة مع رغبة اليهود في العودة إلى أرض فلسطين كي تقوم دولة إسرائيل الكبرى في انتظار استحضار الدجال ليكون ملكهم على أرضها. فلمَّا أيقنت قوى الاستعمار أنَّ تقسيم الدولة العثمانيَّة وتفتيت أجزائها إلى دويلات هو سبيلها للحفاظ على مصالحها فيها، ولمَّا أدرك اليهود أنَّ القضاء على تلك الدولة هو سبيلها للوصول إلى حُكم فلسطين، أصبح القضاء على الخلافة وما تحمله من رمز ديني أول جهودها.

6.وسائل تنفيذ خطَّة القوى الاستعماريَّة لتفتيت الدولة العثمانيَّة: الاستعانة بالمنظَّمات السريَّة

طالما استعان اليهود بالمنظمات والجمعيات السريَّة في تنفيذ خططهم، كما أنَّ التسلل بين الشعوب بهويات مغايرة لحقيقتهم من أشهر حيلهم، وربما تكون المحافل الماسونيَّة من أهم الأدوات التي استخدمها اليهود في الاندساس بين الخلق وبخِّ سمومهم بلا أي عوائق. يدَّعي الماسون أنَّ هدفهم هو التنوير ونشر الحريات، بينما هم يهدفون إلى السيطرة على العقول البشرية من خلال تشكيل الأذهان بحسب رغباتهم، ومن يتمرد على مخططهم يصبح عدوَّهم. واختلفت المصادر عن بداية دخول الماسونيَّة إلى الدولة العثمانيَّة، فقيل في عهد بايزيد الثاني (القرن السادس عشر) حينما أدخلها يهود سلانيك بتأسيس أول محفل هناك، وقيل في عهد أحمد الثالث (القرن الثامن عشر) حينما أنُشأت أول جمعية ماسونية في إسطنبول واستمرت حتَّى الثورة الفرنسيَّة.

انتشرت المحافل الماسونية بمرور الوقت، وبخاصة خلال القرن التاسع عشر، وازدادت معها المآزق وحركات التمرد وأعمال التخريب والأزمات الاقتصادية. حقَّقت الجمعيَّات الماسونيَّة النجاح في مهامها من خلال اجتذاب المأجورين والعملاء والطامحين إلى الثراء. ويعترف اليهود في البروتوكول 15 أنَّهم سيعملون على زرع خلايا من العملاء في كافة أنحاء العالم لنقل الأخبار، وبخاصة الشخصيات العامَّة النشطة في مجال العمل العام. وبرغم حرص عبد الحميد الثاني على التقريب بين كافة الجنسيَّات من أبناء الإسلام كي يذيب العصبيات والقوميات، حفَّزت سياسة التتريك المشاعر القوميَّة العربيَّة باعتبارها رد فعل تلقائي تجاه ظهور القوميَّة التركيَّة، وذلك بعد أن كان العرب يجلُّون الدولة العثمانيَّة ويعتبرونها رابطة المسلمين في كافة أنحاء العالم. وكان للمدارس والجامعات التبشيريَّة دورها البارز في إزكاء المشاعر القوميَّة بالتركيز على مراحل ما قبل الإسلام وقبل الخلافة العثمانيَّة.

نأتي إلى دور جمعية الاتحاد والترقي في إسقاط الخلافة، فكما أشير من قبل، دفع رفض عبد الحميد الثاني طلب هرتزل بهجرة اليهود إلى فلسطين الأخير إلى رفع الأمر إلى الدوائر الماسونيَّة المختصَّة، وهذا ما دفع محفل الشرق الأعظم الفرنسي لإصدار قرار في هذا الشأن. تضافرت جهود جمعيَّة الاتحاد والترقي مع جهود جمعية أخرى، هي تركيا الفتاة، التي أصرت على تحويل نظام الحكم إلى نظام دستوري لتحجيم سلطات الخليفة، لكنَّ عبد الحميد الثاني كان منتبهًا لتلك الأمور. وكان اتصال الجيش الثالث في سلانيك بالجيوش الأوروبية القشة التي قصمت ظهر الخلافة، فقد بُثَّ في عقول هؤلاء الفكر التحرري وتدربوا على معاندة الحكم السلطاني، ثم جاء دور المحافل الماسونية التي وصلت إليهم في ثوب جمعية الاتحاد والترقي، ومن هنا بدأ نخر الجيش في أعمدة السلطنة والخلافة، فقد كان من بين الضباط المنتمين إلى الاتحاديين النقيب ركن مصطفى كمال، المعروف فيما بعد بأتاتورك، أي أب الأتراك.

الحرب العالميَّة الأولى وازدياد سطوة اليهود

أشعل اليهود الحرب العالميَّة الأولى لإشعال صراع بين الاشتراكيَّة والرأسماليَّة الملكيَّة، ولا شك أنَّ السلطنة العثمانيَّة وما تقيمه من خلافة على الشريعة الإسلاميَّة كان الهدف الأكبر، وما كان أحد ليقول أنَّ دولة منهكة اقتصاديًّا وممزقة بسبب الصراعات الداخلية لتدخل حربًا مثل هذه، ولكن الاتحاديين ألقوا بها في أتون الحرب كي يحصلوا على المال ويهلك ما تبقَّى من قوَّة في الدولة. ما يعزز هذا الرأي قول اليهود ماركوس رافاج “نحن اليهود نقف من وراء جميع حروبكم، وإن الحرب الأولى قامت لتحقيق سيطرتنا على العالم”-بالطبع تلك كانت خطة كنيس الشيطان من قرون لإشعال ثلاثة حروب كبرى وثلاث ثورات لإعداد المشهد لتولِّي إبليس عرش العالم. ويعترف أيوب صبري-أحد القادة العسكريين التابعين للاتحاد والترقي-بصفقتهم الخاسرة مع اليهود، الذين أعطوهم “صفيحتين من الليرات الذهبية” مقابل تنفيذ رغباتهم بوساطة الماسون، فيما رفض الخليفة عبد الحميد الثاني 30 مليون ليرة ذهبيَّة في مقابل منحهم فلسطين.

عمل اليهود على توفير كافة السبل الممكنة لضمان هزيمة الدولة العثمانيَّة في الحرب العالميَّة الأولى، فأشعلوا ما عُرف بالثورة العربيَّة الكبرى ضدها فيما تبقَّى من ممتلكاتها في العالم العربي، وكان ذلك بتعاون الشريف حسين، شريف مكَّة والمنتسب إلى آل بيت النبوة. وأدَّى انضمام الشريف حسين إلى صفوف الحلفاء إلى مضاعفة مآزق الدولة العثمانيَّة التي باتت تحارب في جبهتين، وهنا تمزقت قواتها وفقدت المزيد من الأرواح، وباتت على وشك الانهيار. ويؤكد أحد كبار قادة الجيش التركي المشاركين في الحرب أنَّ اليهود المندسِّين بين صفوف الجيش كانوا يمدُّون العدو بكل ما يهم من معلومات، فأدَّى ذلك إلى هزيمة حتميَّة. هكذا، نجحت القوات البريطانيَّة بذلك باحتلال بلاد الشام، وكان لتعاون فيصل بن الحسين مع لورانس البريطاني اليهودي عظيم الأثر في ذلك. ويشاع أنَّ فيصل بن الشريف حسين انخدع بوعود اليهودي لورانس (لورانس العرب) بأنَّ هدف استيطان فلسطين ما هو إلا لتنمية المنطقة، فأخذوا منه وثيقة تفيد بموافقته على هجرة اليهود، وعُرف ذلك بمعاهدة “فيصل-وايزمان”. ويُذكر أنَّ لورانس اعترف بأنَّ هدفه كان في الأساس تفتيت العالم الإسلامي وتدمير الدولة العثمانيَّة وتحويلها إلى دويلات متناحرة بسبب الخلافات العقائدية.

بعد ذلك، أبرمت الدولة العثمانيَّة عام 1920 معاهدة “سيفر” للتصالح مع دول الحلفاء المنتصرة في الحرب، وكان من بين شروطها منح أرمينيا الاستقلال ومنح كردستان حكمًا ذاتيًّا وفتح الملاحة عبر مضيقي البسفور والدردنيل أمام الملاحة التجاريَّة والحربيَّة. وعُقدت اتفاقية سايكس-بيكو في سان ريمو بعد ذلك لتقرير مصير البلاد العربيَّة المحتلة، فصارت سوريا ولبنان من نصيب فرنسا، بينما خضعت العراق والأردن وفلسطين إلى الانتداب البريطاني. وكان اليهودي الصهيوني إريك فوربس آدام هو الذي صاغ بيان الانتداب البريطاني على فلسطين، وكان أول مندوب سامي عليها الصهيوني ووزير الحرب هيربرت صامويل.

7.بزوغ نجم مصطفى كمال وأفول نجم الخلافة إلى يومنا

اندلعت حركة ثورية في الأناضول ضد احتلال الحلفاء إسطنبول واحتلال اليونان إزمير، نتيجة هزيمة الدولة العثمانيَّة في الحرب العالميَّة الأولى. وقد وجدت بريطانيا في تلك الثورة أعظم فرصة للقضاء على الخلافة الإسلامية إلى الأبد، وذلك من خلال صناعة بطل قومي من وهم يعيش في مخيلة العامة باعتباره رمزًا للبطولة والاستقلال، بينما هو كان أحد معاول الهدم. ويُقال أنَّ عملاء الاستخبارات البريطانية هم من رشَّحوا مصطفى كمال –عضو جمعية الاتحاد والترقي ماسونية النشأة والطابع-إلى السلطان محمد وحيد الدين ليتولى مهمة تطهير البلاد من التدخل الأجنبي.

وفق ما جاء في كتاب الرَّجل الصَّنم: مصطفى كمال أتاتورك…حياة رجل ودولة (2013)، وهو من تأليف ضابط تركي سابق، كما يعرِّف مؤلِّفه نفسه، لم يكن في حياة مصطفى كمال قبل وصوله إلى بؤرة الضوء ما يثير الشكوك ضده، وإن كان من الثابت أنه كان عضوًا في المحفل الماسوني الإنجليزي في مدينة موناستر، وهي مدينة كانت تعج بمثيري الفتن ضد السلطان. أسَّس كمال أثناء خدمته في سوريا جمعية أطلق عليها “جمعية الوطن” كانت تعارض السلطان عبد الحميد الثاني وتتهمه بالطغيان، ويُقال أنَّه لم يكن في حاجة إلى شحن خارجي، فما كان به من سخط تجاه الإسلام والثقافة العربية كافيًا لدفعه إلى ذلك، وربما هذا ما جعله أخلص من يتولى مهمة تفتيت الخلافة. من المفارقة أنه مُلئ غيظًا وحقدًا على أعضاء جمعية الاتحاد والترقي الذين استولوا على حُكم البلاد بعد الإطاحة بالخليفة عبد الحميد الثاني، حيث لم يحصل على ما كان يتوقعه، فهو كان يعشق الشهرة والبطولة والتمجيد، وهذا صفة كفيلة لاستغلال اليهود لها للسيطرة عليه بوضعه في مكان يضمن له ذلك، ثم يبتزونه بدفعه لفعل أي شيء يريدون في سبيل بقائه في ذاك المنصب. شارك كمال في الحرب العالميَّة الأولى بمهمة قيادة الجيش السابع في سوريا، وحينما بدأت القوات البريطانية في الهجوم، ما كان منه إلا أن أمر بالانسحاب نحو دمشق، وثبت تواصله مع لورانس أثناء الحرب. وما أن تولَّى قيادة الثورة الوطنيَّة في الأناضول، حتى عمل على الاستخفاف بالسلطان وبث روح السخرية منه، بينما كان السلطان يثق به دون علم بحقيقته.

تظاهَر الإنجليز بالسخط على مصطفى كمال، بل ومطالبتهم بإقالته من منصبه، وما يبرر ذلك هو رغبتهم في نفي أي صلة بينهم وبينه ومضاعفة جهده، فهو ما كان ليرضى بمجرد أن يصبح مواطنًا عاديًّا، وخروجه من الجيش كان سيدفعه إلى فعل أي شيء لإرضاء من بإمكانهم إعادته إلى منصبه. بعد إقالته، تضاعفت جهوده الثوريَّة ضد الخليفة، وهذا مبتغى الإنجليز، فاستغل الفرصة في الدعوة إلى تكوين حكومة وطنية ثورية تتولى زمام الأمور بسبب خضوع الحكومة الحالية تحت سيطرة الإنجليز (نفس حجج أحد أشهر قادة القوميَّة العربيَّة ودعاتها وقت تنفيذه ورفاقه انقلابًا عسكريًّا أطاح بالملكيَّة في بلاده)، وبالفعل شارك الرجل باعتباره ممثلًا شرعيًّا للبلاد في مؤتمر سيواس المنعقد في سبتمبر من عام 1919. صنع نجاح كمال في تحقيق مآربه في ذاك المؤتمر منه بطلًا في أعين الجماهير المحبطة من فكرة احتلال بلادها التي سادت العالم يومًا، وبإخراج الاحتلال من البلاد، زادت شعبيته. من المعروف أنَّ إنهاء الحكم الملكي كان يستهدف وضع شخص يمكن السيطرة عليه، فلا يتسم بالغطرسة وليس لأسرته تاريخ يتفاخر به.

لم يُخفِ كمال عدم اكتراثه بمصير الشام وبلاد العرب، فصرَّح “تستطيعون أن تنالوا سوريا وبلاد العرب ولكن كفُّوا أيديكم عن تركيا”، فشجع ذلك فرنسا على الاعتراف بحكومة أنقرة التي كان هو على رأسها، وهكذا أسهم الرجل الصنم في تمزيق العالم الإسلامي، إعمالًا لخطة الاستعمار التي سبقت الإشارة إليها (لجنة هنري كامبل بانرمان عام 1907 التي قررت منع اتحاد البلدان العربيَّة والمسلمة تحت أي مسمى).انتهت المسرحية الهزلية في 9 سبتمبر/أيلول من عام 1922 بأن انسحبت القوات اليونانيَّة من إزمير، بينما تظاهر كمال بأنَّه وجنوده من أخرجوهم وأنهوا الاحتلال الأجنبي، وهكذا كُللت مسيرة البطولة الزائفة وصار له عملٌ بطولي عظيم جعله الأجدر بقيادة الدولة في تلك المرحلة. بعد إغارة اليونان على إسطنبول، تمكَّن كمال من صد هجومها ثانيةً كي تكتمل أسطورة البطولة، وعُقد في يوم 11 أكتوبر/تشرين الأول من عام 1922 مؤتمر في مدينة مودانيا الواقعة على بحر مرمرة، وجرى الاتفاق على ما عُرف لاحقًا بهدنة مودانيا، بحيث تخرج دول الحلفاء من إسطنبول وينجلي اليونانيُّون عن تراقيا الشرقيَّة، وتسترد تركيا سيادتها على مضايقها.

 لعلَّ أهم نتائج الهدنة منح كمال حق إدارة القسطنطينية وطرد السلطان، وهذا ما حدث بالفعل بعد أن ظهر كمال في صورة البطل الذي أجلى المحتل، بينما اتُّهم السلطان الشرعي بموالاة الغرب. أمَّا عن سبب تباطؤ الجلاء عن تركيا فهو دفْع كمال لتنفيذ باقي أركان الخطة الانقلابيَّة، وقد فتح ذلك المجال أمام الصحف التابعة لليهود لتمجيد البطل الذي أجلى الاستعمار الأجنبي؛ ولعلَّ تشبيه أحمد شوقي لكمال بخالد بن الوليد يلخِّص الصورة الزائفة “الله أكبر كم في الفتح من عجب*يا خالد الترك جدد خالد العربي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الخليفة المظلوم – عبد الله بن الزبير المفترى عليه – 4 من 11

د. هاني السباعي مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن. المبحث الثاني العوامل التي …