أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / تركيا تربك الأفاعي السامة من جديد

تركيا تربك الأفاعي السامة من جديد

الدكتور عزت السيد أحمد

كاتب ومفكر سوري
عرض مقالات الكاتب

أيَّنما ولَّيت وجهك في بقاع الأرض اليوم وجدت المسلمين في حالٍ مآساويٍّ يرثى له؛ من الحروب ضدهم، والتضييق عليهم، وقتلهم، وتهجيرهم، ونهب أملاكهم… حتى في بلاد المسلمين ذاتها من قبل سلاطين يحسبهم الناس مسلمين وما هم بمسلمين، لأن ما يصدر منهم لا يقلُّ بحالٍ من الأحوال عمَّا يصدر عن السلاطين المحسوبين أنَّهُم أعداء الإسلام والمسلمين.

كنَّا وما زلنا نشهد الحرب على الإسلام والمسلمين في مالي وتشاد وإفريقيا الوسطى ومينمار… ناهيك عن هستيريا فوبيا الإسلام في العالم الغربي بشقيه الأمريكي والأوروبي. وفيما لم تبرد دماء المسلمين المنسفحة هنا وهناك طلعت علينا الصين فاعلاً جديداً في حربها على الإسلام والمسلمين بطريقة وحشية لا تختلف في المبدأ عن وحشيَّة محاكم التفتيش الإسبانية وفظاعتها قبل خمسمئة سنة، والتي استمرت أكثر من مئتي عام. ومن حيث لا أحد يتوقع دخلت الهند منذ أيام إلى ميدان ذبح المسلمين بطريقة وحشيَّة سرياليَّة جديدة تدخل في باب المضحك المبكي… ناهيك عمَّا يحدث في بلاد العرب حاضنة الإسلام؛ سوريا والعراق واليمن وليبيا ومصر وغيرها بطرق أخرى مختلفة.

حقيقةً لا مجاملةً، حقيقةً لا وهماً ولا تخيلاً؛ بقيت تركيا هي قلعة الإسلام الوحيدة في هذا العصر، وفقط بفضل سلطتها الجديدة منذ نحو خمسة عشر عاماً تقريباً ليس إلا. ولنكن منصفين فإنَّ ألطاف الله هي التي كانت تحفظ العام الإسلامي قبل ذلك، لأنَّنا اكتشفنا اليوم بالأدلة القاطعة أنَّ حكام بلاد المسلمين أجمعين منذ نهاية الخلافة العثمانيَّة كانوا وكلاء الغرب في محاربة الإسلام، ولكنهم كانوا يفعلون ذلك بالسِّرّ،ِ وبدهاء شديد. فيما اليوم تحرروا من الحياء والخجل، وانفضحوا فصاروا يفعلون ذلك بالعلن… والحقيقة هي أنَّهُم وإلى اليوم هم هم أنفسهم بمعنى أو آخر، فمن همم قائمون اليوم هم ورثة السلاطين السابقين الذين لم يغيروا شيئاً في سياسياتهم.

الدليل على أنَّ تركيا هي قلعة الإسلام الوحيدة المتبقية هو أنَّ هؤلاء جميعاً الذين يحاربون الإسلام والمسلمين هم أنفسهم من يحاصر تركيا ويحاربها ويشوهها ويطعن فيها… بل يشوهون حتى ماضيها في الدِّفاع عن الإسلام والمسلمين… أربعين مليون دولار أنفقتها الإمارات العربية المتحدة قبل شهرٍ لإنتاج مسلسل اسمه ممالك النار هدفه الوحيد والصريح هو تشويه الأتراك الخلافة العثمانية على نحو خاص بل حتى فتح القسطنطينية الذي أنبأنا به رسول الله وأشاد بجيشه وقائده….

هذه الحرب على تركيا من قبل من يحارب الإسلام والمسلمين لا تخفى على أحدٍ أبداً… لا يخفى على أحدٍ أنَّ الذين يحاربون الإسلام والمسلمين هم من يحارب تركيا. ولا ينكر هذه الحقيقة إلا شريك في الحرب على الإسلام والمسلمين؛ أعلم ذلك أم لم يعلم.

الذين يحسبون أنفسهم مسلمين، وهم على وهمٍ في ذلك، يطالبون تركيا بما هو فوق طاقاتها وقدراتها ويترقبون منها كشوفات إعجازيَّة في الوقت الذي تخوض فيه تركيا حربها الدفاعية على عشرات وربما مئات الجبهات.

على أمثال هؤلاء أن يترووا إن كانوا صادقين في ادعائهم أنَّهُم مسلمون. عليهم أن يترووا في التفكير والتدبر وإدراك الحقائق واﻹصغاء إن لم يكونوا أهلاً للتحليل والتعليق (المضحك بين قوسين أنَّ الجميع يرى نفسه أهلاً للتحليل والتنظير)… ولا يشاركوا على حمق وبلاهة في زيادة جراح الجبهة الوحيدة اليوم في الذود عن حياض الإسلام والمسلمين.

الحرب على تركيا، كما هو واضح وضوح الشمس في رابعة نهار صيفي صافٍ، هي من قبل أعداء الإسلام جميعا؛ الغرب وحكام العرب وحكام المسلمين جمعاً وجميعاً تقريباً. وعلى سبيل المثال: قيل أيام تداعت تركيا وماليزيا لتأسيس تخالف إسلامي من خمس دول مسلمة تتسم بالنظافة إن جاز التعبير وهي: قطر والباكستان وأندونيسيا إلى جانب تركيا وماليزيا… من أجل وضع حدٍّ لتدهور العالم الإسلامي ومواجهة التَّحديات المصيرية أمام المسلمين والعالم الإسلامي، والقدرة على إيقاف المجازر ضد المسلمين هنا وهناك… ولكن فجأة قبل ساعات ومن دون إعلان رسميٍّ انسحبت الباكستان وأندونيسيا من التحالف… توقع الجميع أنَّ السُّعودية والإمارات وليس إسرائيل ولا أمريكا ولا أي دولة أوروبيَّة هي من يقف وراء هذا الانسحاب… ولم يخب ظن من ظن هذا الظن، فهذا ما تبين في اليوم التالي إذ إن السُّلطة السعودية هي التي هدَّدت الدولتين فيما لو شاركتا في المؤتمر… ورضخت الدولتان للتهديد والابتزاز السعودي.

لن نعود إلى ما سبق الملام فيه فيرهذا الشأن عبر المحطات السابقة من الخروب على تركيا بدءاً من الانقلابات منذ وصول العدلة والتنمية إلى السلطة، إلى الحروب الاقتصادية، وحرب العملات، مروراً بمحاولات جرها إلى حروب في سوريا والعراق… فذلك كله تقريباً سبق الكلام فيه. سنقف الآن عند الموجة الجديدة الأخيرة الناجمة عن الحركة التركية الجديدة. حتى نتيقن أنَّ تركيا على حق على رغم أنوف الجاحدين في سياستها وسلطتها الراهنة. قياسا على القاعدة الفقهية التي أرساها الإمام الشافعي بقوله: «إذا التبس عليك الأمر وأردت أن تعرف أهل الحق فانظر إلى أين تتجه سهام أهل الباطل».

ولننظر في كيفية هيجان الأفاعي السامة كلَّمَا تحركت تركيا أي حركة في الدفاع عن الحق والحقيقة والذود عن حياض اﻹسلام والمسلمين… بل إن من شدة الحقد عليها ما يجعل هذه الأفاعي تطع في كل ما تقوم حتى مما لا علاقة له بالإسلام.  كان مثل ذلك غير مرة من قبل، وكانت لنا وقفات مع كل منها تقريباً.

وكي ننظر في حدث الأيام الأخيرة وندركه على حقيقته وطبيعته يجب أن ننظر في المشهد الذي يدور الحدث ضمنه:

في عام 2011م قامت ثورة في ليبيا.

انتصرت الثورة عام 2012م.

انهزم نظام القذافي وانهار وانسحق.

قامت في ليبيا أول سلطة شرعية منذ أكثر من أربعين سنة.

بدأت السلطة الشرعية ببناء الدستور والدولة والمؤسسات…

وفجاة بث التلفزيون السعودي المسمى قناة العربية بيان العقيد المتقاعد خليفة حفتر الذي يعلن فيه سيطرته على مؤسسات الدولة وحل السلطة… وتنصيب نفسه حاكما للبلاد!!

كانت فضيحةً بالمعايير والمقاييس كلها، لأن حفتر الذي سجل البيان الانقلابي لم يكن قد وصل إلى ليبيا بعد، وليس لديه جيش إلا بضعة عشران من الأشخاص فقط… فانفضح الفاعل والمفعول وانكشفت الحقيقة في بدايتها. ومع ذلك استمرت المؤامرة في العلن على الحكومة الشرعية. ومنذ ذلك الحين بدأت المشكلات والحرب الأهلية التي يقودها خليفة حفتر بوحشية لا نختلف عن وحشية أعداء الإسلام في محاربة المسلمين من: مجازر، وقتل، وذبح، وحرق، ونبش القبور، وتدمير المدن، وقضف المشافي، ونسف المدارس، ومختلف مؤسسات الدولة…

عسكري متقاعد عمره الآن اثنان وثمانون سنة يريد الانقلاب على السلطة الشرعية باعتراف الجميع والمجتمع الدولي والهيئات الدولية كلاهما باعتراف المجتمع الدولي؛ شرعية السلطة التي يريد الانقلاب عليها ورغبته في الانقلاب على هذه الشرعية.

مع وضوح هذه الصورة ومعها وضوح وحشية ودموية وديكتاتورية خليفة حفتر الذي كان عقيداً يوم أذاع بيانه الانقلابي الكاذب، وفجأة رفعته مذيعة قناة العربية نجوى قاسم إلى رتبة مشير، وثم نزل إلى رتبة لواء!!! مع هذا الوضوح كله فإن الأطراف التي تحارب الإسلام ذاتها: السعودية والإمارات ومصر وأمريكا وفرنسا وألمانيا وغيرهم يدعمون حفتر أنواع الدعم كلها؛ المادي والعسكري واللوجستي والاستخباراتي والاستهباراتي حتى الجنود والضباط المشاركين مباشرة في حربهة الوحشية على الشعب والسلطة الشرعية… وفي الوقت ذاته يحاصرون الحكومة الشرعية ويمنعون عنها السلاح علماً أنَّهُم يعترفون جميعاً بأنَّها الحكومة الشرعيَّة!!!

فماذا فعلت تركيا حتى تزلزلت دول العالم واضطربت وتكركبت وتكهربت وتشلفطت وكأنما صعقتها صاعقة كهرباء أو فت في عيونها الفلفل؟!

بغض النظر عن المؤامرة القذرة التي قادتها مصر السيسي قبل سنوات مع إسرائيل واليونان وقبرص اليونانية في تقاسم البحر الأبيض المتوسط وتهميش تركيا وسوريا ولبنان وفلسطين وقبرص التركية وليبيا وتجاهل هذه الدول وتجاهل حقوقها وكأنها غير موجودة على خريطة الأرض التي تقاسموها… بغضِّ النظر عن ذلك جزئيا فهذا شأن آخر لنا منه القليل هنا، فقد قامت تركيا بعقد اتفاقية تقاسم أو ترسيم الحدود القارية مع ليبيا فيما هو مشترك بينهما وفق القوانين الدولية والأممية الناظمة تماماً من دون أي اعتداء على حقوق أحد ٍكما فعل الآخرون معها، ومن دون الانتقاص من سيادة أيِّ طرف من هذه الأطراف التي أساءت لتركيا واعتدت على حقوقها وتحاهلنها.

الاتفاقية ليست مفاجئة بطبيعة الحال والنطق فلها ترتيبات سابقة، ولكن تم توقيعها في 27 تشرين  الثاني/ نوفمبر  2019م([1]). مع زيارة فايز السراج رئيس الحكومة الشرعية إلى تركيا لهذا الشأن. وهذه الاتفاقية لضمان الحقوق التركية والحقوق الليبية في الوقت ذاته أيًّا كانت الحكومة أو السلطة الليبية. يعني لصالح ليبيا والشعب الليبي وليس لصالح الحكومة.

مع الشَّرعية التَّامة الأركان لهذه الاتفاقية، ومع أنَّهَا مع الحكومة الشرعية الليبية باعتراف المجتمع الدولي دولاً ومؤسسات وهيئات، ومع عدم اعتدائها على حقوقٍ أحدٍ أو طرف آخر، فقد ثارت ثائرة الجميع، واستنفر الشرق والغرب ضد تركيا، وإن وجه بعضهم أصابعه باتجاه ليبيا تمويها لا حقيقة كما فعلت اليونان بتهديد السفير الليبي بالطرد إذا لم يسلمها نسخة من الاتفاقية، ولم يفعل، وتم طرده بسابقة من الوقاحة الدبلوماسية… الهدف هو تركيا وليس ليبيا فليبيا في المطحنة أصلاً.

سنقول: إنَّ اليونان محقَّة في مخاوفها لعلاقتها التخوميَّة جغرافيا مع الطرفين؛ تركيا وليبيا. فبأيِّ حقٍّ تحتج ألمانيا وفرنسا وروسيا وإيطاليا التي برزت ناطقا باسم المحتجين أكثر من غيرها، فصرنا كل بضع ساعات نشهد تصريحاً أو مؤتمراً صحافيَّا للتنديد بهذه الاتفاقية وإعلان القلق والمخاوف منها… والولايات المتحدة الأمريكية التي لم تستطع الصمت فأعربت الخارجية الأمريكية غير مرة عن «قلقها ومخاوفها من قيام الحكومة الشرعية الليبية بطلب مساعدة من تركيا»([2])… ولكنها شأنها شأن فرنسا وألمانيا وبريكانيا وروسيا… لم تشعر بأيِّ قلق من الدَّعم العسكري المفتوح حتى بالمشاركة العسكرية الميدانية المباشرة التي تقدمها هذه الدول ذاتها على مختلف المستويات، وتقدمها على نحو واسع كلٌّ من مصر والسعودية والإمارات… إلى خليفة حفتر الذي هو في الحقيقة التي لا يجهلها أي منهم قائد ميليشيا إرهابيَّة إجرامية خارجة على القانون تقتل الأبرياء والمدنيين وتدمر المدن وتسرق خيرات ليبيا، ويريد قائدها حفتر الانقلاب على السلطة الشرعية التي أنتجتها الثورة الليبية التي كانت على حكم ديكتاتور خنق البلاد أربعين سنة. مع العلم أن الدستور الأمريكي يحظر على السلطة الأمريكية دعم الانقلابات العسكرية في أي بلد في العالم… ويمنع الاعتراف باﻷنظمة الانقلابية… هذا طبعا بغض النظر عن أن أكثر دولة في العالم دعماً للانقلاباب العسكرية على الشرعية هي الولايات المتحدة الأمريكية.

ولم يكن الإعلام العربي الداعم للعصابات الليبية المسلحة أقلَّ طعنا في هذه الاتفاقيَّة، والتهويل في مخاطرها. إلا أنَّ السيسي شخصيًّا ونظامه وإعلامه كانوا جميعاً الأشد صفاقةً ووقاحةً في الطعن في هذه الاتفاقية والتهويل في مخاطرها… وهي خطيرة فعلاً، ولكن على الخونة الذين يحاربون الإسلام والعرب.

ظلَّ العالم في حالة استنفار مستمر، وقلق متواصل، وأرق مغرق، وطعن لا يتوقف في الاتفاقية التركية الليبية منذ الساعات الأولى، وكأن تركيا ستغير مسار المجرة… كان هذا القلق في حقيقته بمنزلة إعلان حرب على تركيا، والحرب على تركيا في حقيقة الأمر مفتوحة ومعلنة منذ استقر حزب العدالة والتنمية في السلطة أكثر من سنة… لأنه استقر حزب العدالة والتنمية في السلطة أكثر من سنة خلافاً لما لماضي الأحزاب الإسلامية التوجه فقد فتحوا نيرانهم عليه بعد السنة الأولى من حكمه… أي الحرب على تركيا قائمة بسبب هذا الاتفاق ومن دونه… ولكن هذه الاتفاقية أخرجت الأفاعي من جحورها وجعلتها تتخبط وتتلبط وتنفث سمومها علنا وأرغمتها على التناقض الفاضح المفضوح لأن محاربة الحق لا يمكن أن تكون إلا بالتناقض مع المنطق.

قلنا إنه حتى ولو لم تعقد هذه الاتفاقية فإن الحرب على تركيا، للأسباب الآنفة، حرب مفتوحة موقدة الأوار ملتهبة النار ما بين الإعلان والإسرار والكتمان واﻹجهار. ولكن هذه الاتفاقية التي تمهد لشرعنة التدخل التركي لدعم السلطة الشرعية الليبية تحت سقف القانون الدولي ووضع حد للعصابات المسلحة الوحشية التي تفتك بالعباد والبلاد وإعادة الاستبداد والاستعباد بالانقلاب على السلطة الديمقراطية الشرعية… هو الذي جمعل الجميع يغلي مثل ديك حيٍّ ألقي في قدر ماءٍ يغلي… على الرغم من أنَّهُم جميعهم يزعمون الديمقراطية ودعم الديمقراطية… وهم كاذبون. لقد أدركوا أن وكيلهم حفتر المنتدب لمحاربة الإسلام والشرعية والديمقراطية والكرامة سيسقط.

اليوم في 26/ 12/ 2019م كانت الخطوة التالية التي تم التمهيد لها والتحضير لها حتى لا يتفاجأ أحد بها. فقد قامت الحكومة الشرعية الليبية بطلب الدعم العسكري من تركيا برًّا وبحراً وجوًّا…

وعلى إعلان الطلب فقط من قبل وكالة رويتر للأنباء تزلزلت عروش الجميع وجن جنونهم وفقدوا صوابهم وهاجوا وماجوا وهيمنت عليهم حالة هستيرية مثل قطيع بغال في زريبة اشتد بهم الجوع فألقمتهم فلفلاً حارًّا وحشوت مؤخراتهم بمثله فزغللت عيونهم وما عاد يمكن أن يقرَّ لهم قرار.

لم تمضي إلا لحظات فقط على إعلان رويتر الطلب حتى انهارت الخطوط الدفاعية والهجومية لشياطين الإنس جميعاً فصاروا لا إراديًّا يقيئون حقدهم من دون قدرة على الصبر أو التماسك حتى بأقل حدود الاتزان.

خذ مثالاً أوليًّا. الجزائر النائمة منذ أربعين سنة عن الشؤون الخارجية أفاقت بصعقة إعلان الخبر واجتمع على الفور المجلس الرئاسي الأعلى، على الرغم من كون الجزائر في حالة حدادٍ على موت رمزها وقائد نضالها رئس أركان جيشها الجنرال أحمد قايد صالح… على رغم حدادهم وانشغالهم بالمراسم اجتمعوا وأعلنوا بعد ساعة فقط من إعلان الطلب أنَّ «الجزائر ستستخدم كل الوسائل لحماية حدودها (أي لعدم السماح لتركيا بالاستفادة من أجوائها وشواطئها)، وتفعيل دورها في الملف الليبي والمالي»([3]).

خمس سنوات على شلال الدم الليبي وضعف هذه  الخمس على قتل المسلمين في مالي ولم يدرك ضمير النظام الجزائري ما يدور، ولم يتحرك… تدخلت دول كثيرة في ليبيا ومالي ضدَّ أهل الحق ولم يتحرك ضمير الجزائر… فقط عندما دخلت تركيا على الخط انتفض الضمير الجزائري… انتفض الضمير الجزائري ضدَّ حماية الشرعية والمدنيين والكرامة الليبية… ولم ينتفض لقتل الأبرياء واغتصاب الشرعية وتدمير ليبيا…

وكما عودتنا روسيا على التهريج في مثل هذه المناسبات فإنها لم تحرمنا من متعة تهريجها هنا أيضا. وروسيا هي حليف تركيا منذ بضع سنوات في ملفات مصيرية للطرفين فيما يفرتض وكما يعلم الجميع. روسيا التي هي بالحقائق والوثائق تقاتل بعساكرها مع عصابات خليفة حفتر المعتدية على الشرعية. ما إن تمَّ الإعلان عن الطلب الليبي من تركيا حتى انتفض الكرملين ـ بطلب بوتين وأمره بطبيعة الحال إذ هو مثل البرلمانات العربية لا للخل ولا للخردل ـ وأعلن بأن «هناك الكثير من المرتزقة في ليبيا بسبب سياسات خاطئة لبعض الدول»([4]). كلام غامض مثل العادة، فمن غير المعقول أن الكرملين يقصد المرتزقة الروس الذين ترسلهم السلطة الروسية للقتال مع خليفة حفتر.

المرتزقة الروس يقاتلون مع خليفة حفتر ليس من أجل الحل السياسي بحالٍ من الأحوال. كما هو شأنهم في سوريا. وإنما من أجل الحسم العسكري لصالح حفتر ضدَّ السلطة الشرعية، للقضاء على السلطة الشرعية وإعادة العسكريتاريا. ولكن عندما دخلت تركيا على الخط تباكى الكرملين ووزير الخارجية وميخائيل بغدانوف نائب وزير الخارجية الذي أعلن باسمهم «أنه يجب فرض الحل السياسي في ليبيا بقوة الشرعية الدولية»([5]).

الكل الذي كان يعمل ويسعى جاهداً للحسم العسكري لصالح قائد العصابات المرتزقة المسلحة من خارج ليبيا أكثرهم… صار يتباكى على الحل السياسي لاقتطاع جزء من السُّلطة لحفتر مؤقتاً ولإقصاء الدور التركي في ليبيا… الكل صار يطالب بوضع حدٍّ للحرب وسفك الدماء وفرض حل سياسي سلمي!!!

خمس سنوات وحفتر يقتل ويرتكب المجازر ويدمر ويقصف المدن والمدنيين والمشافي والمدارس ولم يتحرك ضمير أي منهم لوضع حدٍّ لسفك الدماء إلا من بعض التصريحات العابرة بين الحين والحين لذر الرماد في العيون. أمَّا اليوم مع طلب ليبيا المساعدة من تركيا فقد تحول المجتمع الدولي دولاً ومؤسسات وهيئات إلى متباكين على سلامة المدنيين في ليبيا. تحول الجميع إلى خلية أزمة يدوي نحيبها إنسانية وخوفاً على استقرار ليبيا حتى يكاد عويلهم يصم الآذان من أجل فرض حل سياسي بأقصى سرعة لتخليص ليبيا من ويلات الحرب… ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، بريطانيا، روسيا، أمريكا… حتى لقد وجد الكرملين نفسه ناطقاً باسمهم جميعاً لتخفيف الحرج عنهم، على اعتبار روسيا غير معنية بسمعتها إذا اتسخت، «فأشاد الكرملين بالوساطة الألمانية ومجموعة الدول الأوروبية للدفع بالخل السياسي أقصد بالحل السياسي بين أطراف الأزمة الليبية جميعاً»([6])… انتبه: أزمة وليس عصابات مسلحة تعتدي على الشرعية وعلى دماء الأبرياء وأملاكهم.

بينما في السياق ذاته، نيابة عن الأسرة الأوروبية، أعلنت نائبة وزيرة الخارجية الإيطالية أن «هناك حاجة ملحة لمنع تدخل الجهات الخارجية في الأزمة الليبية»([7])

فقط عندما تدخلت تركيا بل عندما طلبت منها السلطة الشرعية الليبية المساعدة صارت هناك حاجة ملحة لعدم تدخل جهات خارجية قي الأزمة الليبية. تدخلت عشر دول على الأقل حتى على مستوى القتال الرسمي مع حفتر ولم يقل أحد بوجوب عدم التدخل الخارجي. فقط التدخل التركي لنصرة الحق وأصحاب الحق هو الذي أقلق البشرية وهدَّد استقرار المنطقة، وكأن المنطقة لا استقرار لها إلا بسيادة المغتصبين وأهل الباطل. والغريب مع إيطاليا تحديداً أنَّها كما يقولون تدعم السلطة الشرعية التي تريد تركيا أن تدعمها. وفي هذا دليل قاطع على خبث النوايا والأهداف الإيطالية. إيطاليا لن تغيرموقفها نكايةً بتركيا بل تعود إلى حقيقة موقفها.

أما الأنظمة الخليجية العربية الحفترية فموقفها أوضح من أن يتم الإعلان عنه. هي لم تطلق أيَّ تصريح رسميٍّ، وهذه عادة غير جديدة، «فهم أهل أعمال لا أقوال»، يفعلون أكثر من الجميع ولا يعلنون عن شيء، وهذا دهاء وكهن غير مسبوق. ولكن وسائل إعلامهم كفَّت ووفت في التعبير عن هلعها وخوفها وفزعها وتوترها وجزعها من التدخل التركي المحتمل للانتصار ﻻهل الحق.

على أيِّ حال، لقد تركت الدول الخليجية الحفترية مهمة التشبيح والبلطجة والسهوكة والصهوجة لمندوبها وربيبها السيسي. السيسي وحده كان أسطورة في هذا المجال وفي هذا الموضوع.

قبل أيام قليلة علَّق السيسي على تصريح تركيا بأنها «مستعدة ﻹرسال قوات إلى ليبيا إذا طلبت الحكومة الشرعية ذلك»، فقال: «هناك دول تتخذ الإرهاب ذريعة للتدخل في شؤون دول أخرى». ويقصد بذلك تركيا تحديداً، ولكنه يدين به نفسه وأشباهه فهو وأشباهه يدعمون قتلة الأبرياء المعتدين على أهل الحق وأصحاب الحق ويزعمون أنهم يحاربون الإرهاب في ليبيا وسوريا واليمن والسودان ومالي وغيرها… بينما تركيا تتحرك في العلن مع أصحاب الحق والشرعية ولا تفعل شيئا من تحت الطاولة. فمن هو الذي يتذرع بمحاربة الإرهاب؟!

دعك من ذلك.

ما إن انتشر طلب الحكومة الليبية في وسائل الإعلام حتى وثب السيسي كمن لدغته حية في قعر عقره حتى ارتطم رأسه بالسقف من شدة النزف ولوعة النقف. وكانت منه الوقاحة التي لا حدود لها. وإذا كان هو كذلك فلا تسأل عن وسائل إعلامه وطبولها فلن تستطيع وصفها. بعد نصف ساعة فقط اتصل بالرئس الأمريكي ترامب. وننقل ما تناقلته وسائل الإعلام عن هذا الاتصال، ولك أن تتخيل حقيقة ما كان مما لم تنقله وسائل الإعلام.

جملتان فقط نقلتهما وكالات الأنباء ووسائل الإعلام عن هذا الاتصال. الأولى أن السيسي «طالب الرئيس ترامب بوضع حد للتَّدخل الخارجي غير الشرعي في ليبيا». والثانية أنه قال للرئيس ترامب «إن حفتر يحارب الإرهاب ويعمل على وقف نشاط المليشيات المسلحة»([8]). التي هي في الحقيقة القوات الحكومية للشرعية.

هاتان الجملتان كافيتان لتوضيح الصورة من دون تأويل أو حتى شرح، فتدخل مصر والسعودية والإمارات وفرنسا وألمانيا وأمريكا وروسيا وإيطاليا لدعم العصابات الحفترية المسلحة من دون إذن أحد حتى من دون إذن حفتر ذاته هو تدخل شرعي، على الرغم من أن كل حروبهم إرهابية ويقتلون الأبرياء ويدمرون المدن. وتدخل تركيا بناء على طلب الشرعية المعترف بها من الجميع دوليًّا هو تدخل غير شرعيٍّ. وحفتر الذي يقتل الأبرياء بشراكة هؤلاء كما شاهد الجميع وعلم، ويدمر المدن والمدارس والمشافي… هو الذي الرجل الذي يجب الاعتماد عليه. لماذا؟ للقضاء على الشرعية، لخنق آمال الشعب، للقضاء على الديمقراطية، لمحاربة الإسلام.

ولم يكتف السيسي بالرئيس الأمريكي وربما لم يصبر للصباح ففي منتصف الليل غالباً اتصل بالرئيس الروسي القطب الثاني للعالم اليوم نظريًّا أو كما يقال، وربما ترامب هو الذي أمره بهذا الاتصال. وأعاد السيسي لبوتين ما شرحه للرئيس ترامب. فطالبه أيضا بالوقوف مع حفتر في محاربة الميليشيات الإرهابية([9]). ويقصد الفصائل العسكرية التابعة للحكومة الشرعية، وقد كرَّر ذاته غير مرة، على مدار الأسابيع القليلة المنصرمة، أن حكومة طرابلس أي الحكومة الشرعية مدارة من قبل ميليشيات إرهابية.

وبعد اتصال السيسي الذي ربما فيه أكثر من ذلك، وبعدما هدأت مساء الأمس، هاجت روسيا وماجت وعادت للغليان من جديد من الرئيس إلى الخارجية إلى الكرملين والناطقين بأسماء هؤلاء وراح الكل يناشد المجتمع الدولي بفرض حل سياسي للأزمة الليبية بأسرع وقت. والحل السياسي كم أسلفنا هو تمكين حفتر من السلطة ولكن بدهاء وعلى مراحل ولو طالت كما فعلوا في سوريا واليمن والسودان والجزائر.

نعم، الهدف هو تركيا ولكن ليبيا أيضاً دف مثلها مثل أي دولة عربية هي الهدف، لا يريدون السماح لأي شعب عربي عربي أن يدير بلاده. والمسألة ليست مسألة ديمقراطية فهذه كذبة. المسألة هي استمتاتهم في منع وصول الإسلام السياسي إلى السلطة مهما كلفهم ذلك من ثمن. ومن هذا الباب  الحرب على تركيا لأنها يحكمها الإسلام السياسي، مع تحفظي على اصطلاح الإسلام السياسي. وللحديث بقية.


([1]) ـ  خبر تدولته كل وسائل الأنباء والإعلام في العالم منذ حينه إلى اليوم، ويمكن الرجوع إلى الويكيبيديا لمزيد من التفاصيل فقد أفردت مادة خاصة لهذه الاتفاقية بعنوان: اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التركية الليبية.

([2]) ـ  من ذلك ما كان بتاريخ 23/ 12/ 2019م نقلا ن رزيتر والجزيرة ووكالات أنباء مختلفة، ولم تكن الحكومة الليبيبة قد طلبت المساعدة بعد عندما بدأت تعلن أمريكا عن قلقها من رغبة الحكومة الليبية طلب مساعدة من تركيا، وكأن ذلك نهديد مسبق على الرغبة.

([3]) ـ  كان ذلك بعد نحو ساعة أو ساعتين من إعلان الطلب الليبي، خبر تداولته مختلف وسائل الأنباء والإعلام على رأسها رويتر والجزيرة نقلاً عن الإعلام الجزائري.

([4]) ـ  نقلاً عن رويتر والجزيرة وهو خبر تداولته مختلف وسائل الأنباء والإعلام العالمية.

([5]) ـ  نقلاً عن رويتر والجزيرة وهو خبر تداولته مختلف وسائل الأنباء والإعلام العالمية.

([6]) ـ  كان هذا في اليوم التالي على طلب الساعدة، أي في 27/ 12/ 2019م. نقلاً عن رويتر والجزيرة وهو خبر تداولته مختلف وسائل الأنباء والإعلام العالمية.

([7]) ـ  وأيضاً كان هذا في اليوم التالي على طلب الساعدة، أي في 27/ 12/ 2019م. نقلاً عن رويتر والجزيرة وهو خبر تداولته مختلف وسائل الأنباء والإعلام العالمية.

([8]) ـ  كان ذلك بعد نحو ساعة أو ساعتين من إعلان الطلب الليبي، خبر تداولته مختلف وسائل الأنباء والإعلام على رأسها رويتر والجزيرة نقلاً عن الإعلام الجزائري.

([9]) ـ  نحدث الكالات ووسائل الإعلام  عن هذا الاتصال ظهر اليوم التالي على طلب الساعدة، أي في 27/ 12/ 2019م. منها رويتر والجزيرة وغيرها من وسائل الأنباء والإعلام العالمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

قراءة في خطاب أنطوني بلينكن عن السياسة الخارجية في عهد بادين

د. عثمان محمد بخاش باحث في الفكر الإسلامي والقضايا المعاصرة قدم وزير الخارجية …