أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / العدو القريب – محاولة لتشخيص أحد أمراض الأمة 2 من 10

العدو القريب – محاولة لتشخيص أحد أمراض الأمة 2 من 10

د. هاني السباعي

مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن.
عرض مقالات الكاتب

ويشخص لنا ابن كثير حال الأمة بعد القرون الأولى قائلاً: “وهكذا الأمر لما كانت القرون الثلاثة الذين هم خير هذه الأمة في غاية الاستقامة والقيام بطاعة الله تعالى، لم يزالوا ظاهرين على عدوهم، ولم تزل الفتوحات كثيرة، ولم تزل الأعداء في سفال وخسار، ثم لما وقعت الفتن والأهواء والاختلافات بين الملوك، طمع الأعداء في أطراف البلاد، وتقدموا إليها، فلم يمانعوا لشغل الملوك بعضهم ببعض، ثم تقدموا إلى حوزة الإسلام، فأخذوا من الأطراف بلداناً كثيرة، ثم لم يزالوا حتى استحوذوا على كثير من بلاد الإسلام، ولله الأمر من قبل ومن بعد، فكلما قام ملك من ملوك الإسلام، وأطاع أوامر الله، وتوكل على الله، فتح الله عليه من البلاد، واسترجع من الأعداء بحسبه، وبقدر ما فيه من ولاية الله. والله المسؤول المأمول أن يمكن المسلمين من نواصي أعدائه الكافرين، وأن يعلي كلمتهم في سائر الأقاليم، إنه جواد كريم”[1]

وقال الألوسي في روح المعاني: ” لأنه من المعلوم أنه لا يمكن قتال جميع الكفار وغزو جميع البلاد في زمان واحد فكان من قرب أولى ممن بعد، ولأن ترك الأقرب والاشتغال بقتال الأبعد لا يؤمن معه من الهجوم على الذراري والضعفاء، وأيضاً الأبعد لا حد له بخلاف الأقرب فلا يؤمر به، وقد لا يمكن قتال إلا بعد قبل قتال الأقرب، وقال بعضهم: المراد قاتلوا الأقرب فالأقرب حتى تصلوا إلى الأبعد فالأبعد وبذلك يحصل الغرض من قتال المشركين كافة، فهذا إرشاد إلى طريق تحصيله على الوجه الأصلح. ومن هنا قاتل صلى الله عليه وسلم أولاً قومه ثم انتقل إلى قتال سائر العرب ثم إلى قتال قريظة. والنضير. وخيبر. وأضرابهم ثم إلى قتال الروم فبدأ عليه الصلاة والسلام بقتال الأقرب فالأقرب وجرى أصحابه على سننه صلى الله عليه وسلم إلى أن وصلت سراياهم وجيوشهم إلى ما شاء الله تعالى”[2]

وهكذا نلاحظ أن آية سورة التوبة (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) تشير إلى صلب موضوعنا أنه لزام على المسلم ألا يغفل عن جبهته الداخلية وعن أعدائه القريبين لأن هذا مكمن الخطورة حيث ينشغل المسلمون في حرب ما مع عدو خارجي ثم يفاجأ المسلمون بخلل في جبهتهم الداخلية وأن هناك طابوراً خامساً يخرب بنية الأمة الداخلية وهذا ما حدث عبر حقب تاريخية متلاحقة مع الأسف الشديد!!

وهناك بعض الآيات تكلمت عن الردة بوجه عام سواء ردة الفرد أو الحاكم:

(ج) )إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ) (آل عمران:90)

(د)(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) (النساء:137)

(هـ) (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (آل عمران:86)

(و)(إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ) (محمد:25)

(ز) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (المائدة:54).

في حساب الإسلام وأصول الشريعة يقدم قتال الحكام المرتدين على غيرهم من الكفار الأصليين لثلاث أسباب:

الأول: أنه قتال دفع متعين وهو مقدم على قتال الطلب لأن هؤلاء الحكام المرتدين عدو تسلط على بلاد المسلمين؛ قال ابن تيمية: “أما قتل الدفع، فهو أشد أنواع دفع الصائل على الحرمة والدين، فواجب إجماعاً، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شئ أوجب بعد الإيمان من دفعه” (الاختيارات الفقهية ص309).

الثاني: أن المرتد أغلظ جرماً من الكفار الأصلي. قال ابن تيمية: “وكفر الردة أغلظ بالإجماع من الكفر الأصلي” (الفتاوى 28/478). وقال أيضاً: “وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي” (الفتاوى 28/534). وقال أيضاً: والصديق رضي الله عنه وسائر الصحابة بدؤوا بجهاد المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب، فإن جهاد هؤلاء حفظ لما فتح من بلاد المسلمين وأن يدخل فيه من أراد الخروج عنه. وجهاد من لم يقاتلنا من المشركين وأهل الكتاب من زيادة وإظهار الدين. وحفظ رأس المال مقدم على الربح” (الفتاوى 35/156_159).

الثالث: لأنهم العدو الأقرب. قال ابن قدامة (مسألة) ويقاتل كل قوم من يليهم. والأصل في هذا قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) التوبة. ولأن الأقرب أكثر ضرراً، وفي قتاله دفع ضرره عن المقابل له وعمن وراءه، والاشتغال بالبعيد عنه يمكنه من انتهاز الفرصة في المسلمين لاشتغالهم عنه ـ إلى أن قال ـ إذا ثبت هذا فإن كان له عذر في البداية بالأبعد لكونه أخوف أو المصلحة في البداية به لقربه وإمكان الفرصة منه، أو لكون الأقرب مهادناً أو يمنع من قتاله مانع فلا بأس بالبداية بالأبعد لكونه موضع حاجة” (المغني مع والشرح الكبير ج10 ص372_373)”[3]

 أقول: نعم هناك حالات استثنائية للبداية بقتال العدو الأبعد كما ذكر ابن قدامة لكون الجبهة الداخلية أو العدو القريب مأمون الجانب!! قد تكون هذه الصورة الاستثنائية مقبولة إلى حد ما في ظل دولة تحكم بالإسلام وتفرض سيطرتها على العدو القريب والأقرب!! أما في وقتنا المعاصر فإنه لا توجد دولة تحكم بالإسلام بالمعنى الحقيقي لكلمة الإسلام بالإضافة أن الذي يحكمون بلاد المسلمين هم أنفسهم العدو القريب والأقرب!! لذلك فإن أغلظ أنواع الردة هي ردة الحكام حيث إنه من المفترض فيهم أن يكونوا حماة لعقيدة الإسلام وحراساً لها من سهام المعتدين وزيغ المبطلين!! لكن الحقيقة أن الأمة ابتليت بمجموعة من الحكام المنسلخين عن دينهم الموالين للشيطان المعادين لأولياء الرحمن بل هم العقبة الكأداء أم تقدم شعوبهم للحكم بشريعة الإسلام الغراء وللدفاع عن مقدسات المسلمين السليبة التي اغتصبها أعداء الأمة بمباركة هؤلاء الحكام المتسلطين الخائنين! فبدل أن يكونوا رعاة خير يحمون بيضة الأمة ويذبون عن حياضها من ذئاب الشر الإنسية إذا هم أنفسهم الذئاب وبئس الذاب!

وراعي الشاة يحمي الذئب عنها *** فكيف إذا الرعاة لها ذئاب

لكن قد يقول قائل إن كثيراً من بلاد المسلمين اليوم محتلة عن طريق العدو الخارجي مباشرة أو عن طريق الحكام المغتصبين للسلطة بمساعدة العدو الخارجي أيضاً.. فماذا عسانا أن نفعل حيث لا طاقة للأمة أن تقاتل على جبهتين في وقت واحد؟!

أقول: إننا بصدد تشخيص الحالة التي نعيشها والأسباب التي أوصلتنا إلى هذه الذل والهوان بمعنى آخر نحن نقر أن بعض بلاد المسلمين محتلة احتلالاً مباشراً كفلسطين وكشمير والشيشان وأفغانستان والعراق والصومال.. وفي هذه الحالة كما هو مقرر في كتب الفقه أن العدو إذا حل ببلد إسلامي ففرض عين على أهل تلك البلد من القادرين على حمل السلاح  أن يقاتل الأعداء المحتلين لبلاده .. وفي هذه الحالة فقد اجتمع عدوان في آن واحد؛ عدو خارجي غاز وعدو داخلي متسربل زوراً بالإسلام إذن فهما واحد واجتمعا في زمان ومكان واحد فيجب أن يعاملهم المسلم معاملة واحدة حيث صار العدو الداخلي منهم أي من أنصار العدو الخارجي المحتل المغتصب لبلد إسلامي بل هذا العدو القريب الداخلي هم أعين العدو الخارجي التي تحرسه وتتزلف إليه بالوشاية والتجسس على أماكن المجاهدين المدافعين عن ديارهم المغتصبة.. وصدق الله العلي القدير القائل في محكم التنزيل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة:51)

 لكن السؤال هو من الذي تسبب في دخول القوات الغازية إلى ديار المسلمين؟ بالطيع هناك عوامل كثيرة من أهمها موضوع مقالتنا هذه وهو العدو الداخلي (القريب) وهم الأنظمة الحاكمة لبلاد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ نقصد بالطبع الحكام وأعوانهم! فكل هؤلاء الحكام صورة مستنسخة على نطاق واسع من أبي رغال ووالي عكا وابن العلقمي  وإن اختلفت الأسماء والأزمنة!!

وهناك حديث ذكره مسلم في صحيحه في باب أشراط الساعة يبين أن مشكلة هذه الأمة تكمن في أنها لما ابتعدت عن كتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم سلط الله عليه عدواً من أنفسهم (العدو القريب) يهلك بعضهم بعضاً!! والحديث في صورة خبر يستعرض حالة الأمة لكي يحذر أولو الألباب وأولو الأمر من الحكام والعلماء ممن شؤم الفرقة والتناحر!!

الحديث كما ورد في صحيح مسلم: “عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِىَ الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِى سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِىَ لِى مِنْهَا وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ وَإِنِّى سَأَلْتُ رَبِّى لأُمَّتِى أَنْ لاَ يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ وَأَنْ لاَ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَإِنَّ رَبِّى قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّى إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لاَ يُرَدُّ وَإِنِّى أَعْطَيْتُكَ لأُمَّتِكَ أَنْ لاَ أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ وَأَنْ لاَ أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا – أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا – حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِى بَعْضُهُمْ بَعْضًا ». 


[1]  ابن كثير: تفسير القرآن العظيم/ ج4 ص1728.

[2]  الألوسي: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني/دار الكتب العلمية/ بيروت/1425هـ/مج4 ج6 ص47.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

أهمية الأخلاق في المنهج القرآني ودورها في تأسيس الجيل الأول

د. علي محمّد الصلابيّ إنَّ الأخلاق الرَّفيعة جزءٌ مهمٌّ من العقيدة؛ فالعقيدة …