أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / ابن عربي وكتابه الفصوص (13)

ابن عربي وكتابه الفصوص (13)

محمد عبد الحي عوينة

كاتب وداعية إسلامي. إندونيسيا.
عرض مقالات الكاتب

التأويل الفاســـــد
قال القاري في الرد على القائلين بوحدة الوجود “مرتبة الوجود ومنزلة الشهود” صـ 46وما بعدها
وَمَا أحسن الْمثل الْمَضْرُوب لمثبت الصِّفَات من غير تَشْبِيه وَلَا تَعْطِيل بِاللَّبنِ الْخَالِص السائغ للشاربين يخرج من بَين فرث التعطيل وَدم التَّشْبِيه فالمعطل يعبد عدماً، والمشبه يعبد صنماً، وَلَا شكّ أَن تَعْطِيل الصِّفَات شَرّ من تشبيهها، ثمَّ اعْلَم أَن من أَبى إِلَّا تَحْرِيف الْكتاب وَالسّنة وتأويلهما، بِمَا يُخَالف صَرِيح كَلَام الْأَئِمَّة فَلَا يَشَاء مُبْطل أَن يتَأَوَّل النُّصُوص، ويحرفها عَن موَاضعهَا، إِلَّا وجد إِلَى ذَلِك سَبِيلاً، وَهَذَا الَّذِي أفسد الدُّنْيَا وَالدّين، وَهَكَذَا فعلت الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي نُصُوص التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وحذرنا الله أَن نَفْعل مثلهم، وَأبي المبطلون إِلَّا أَن يسلكوا سبيلهم، وَكم جنى التَّأْوِيل الْفَاسِد على الدّين وَأَهله من جِنَايَة، فَهَل قتل عُثْمَان إِلَّا بالتأويل الْفَاسِد، وَكَذَا مَا جرى يَوْم الْجمل وصفين ومقتل الْحُسَيْن والحرة، وَهل خرجت الْخَوَارِج، ورفضت الروافض، واعتزلت الْمُعْتَزلَة، وافترقت الْأمة على فرق جمة، إِلَّا بالتأويل الْفَاسِد، على وفْق مُتَابعَة الْعقل الكاسد، ثمَّ كَيفَ يُفَسر كتاب الله بِغَيْر مَا فسر بِهِ رَسُول الله، الَّذِي قَالَ الله فِي حَقه {لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم}، وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (من قَالَ فِي الْقُرْآن بِرَأْيهِ فقد كفر) فَكيف من تكلم فِي ذَات الله وَصِفَاته بالأهواء الردية، والآراء البدعية، وَلَا عِبْرَة بقول من يَقُول: الْعقل يشْهد بضد مَا دلّ عَلَيْهِ النَّقْل، وَالْعقل أصل النَّقْل فَإِذا عَارضه قدمنَا الْعقل؛ بل إِذا تعَارض الْعقل وَالنَّقْل وَجب تَقْدِيم النَّقْل، لِأَن النَّقْل فِي نفس الْأَمر لَا يكون مطابقاً لِلْعَقْلِ فَإِن الْعُقُول مُخْتَلفَة، وَلذَا ترى أَصْحَابهَا مُتَفَرِّقَة، وَلذَا قيل فِي الْمثل: الْعقل مَعَ النَّقْل كالعامي الْمُقَلّد مَعَ الْعَالم الْمُجْتَهد، وَقد قَالَ الدَّارَانِي: كل خاطر خطر وَاسْتقر بالبال فأعرضه على ميزَان الْكتاب وَالسّنة، فَمَا وافقهما قبلته، وَمَا خالفهما تركته، فَالْوَاجِب كَمَال التَّسْلِيم لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي التَّحْكِيم، فَلَا يحاكم إِلَى غَيره، وَلَا يُوقف تَنْفِيذ أمره وتصديق خَبره على عرضه على قَول إِمَام مذْهبه، وَشَيخ مشربه، وَأهل زَمَانه ومكانه، بل إِذا بلغه الحَدِيث الصَّحِيح يعد نَفسه كَأَنَّهُ سَمعه من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا يرضى بعد تَحْقِيق أمره إِلَى تَقْلِيد غَيره كَمَا قَالَ إمامنا الْأَعْظَم لَا يحل لأحد أَن يَقُول بقولنَا مَا لم يعرف من أَيْن قُلْنَا، أَو هَذَا مَعْنَاهُ، وكما قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي إِذا ثَبت الحَدِيث فاضربوا بقولي عُرض الْحَائِط؛ فَإِذا كَانَ هَؤُلَاءِ المجتهدون فِي الدّين، الكاملون فِي مقَام الْيَقِين فِي هَذِه الْمرتبَة، فَمَا بَال من يُقَلّد ابْن عَرَبِيّ وَغَيره فِي كَلَام هَل صدر عَنهُ أم لَا مِمَّا، يُخَالف صَرِيح الْكتاب وَالسّنة وَيُوجب الْكفْر أَو الْبِدْعَة، وَيتْرك مُتَابعَة سَائِر الْمَشَايِخ وَالْأَئِمَّة، فَإِن كنت أَيهَا الْأَخ من الْمُجْتَهدين فاعمل بِمَا فِي الْكتاب وَالسّنة من أَمر الدّين، وَإِن كنت من المقلدين فتقلد قَول الْعلمَاء العاملين، والمشايخ الكاملين، الْمجمع على ديانتهم، وَتَحْقِيق أمانتهم، وتصديق إمامتهم، عملا بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: عَلَيْكُم بِالسَّوَادِ الْأَعْظَم. وَالْحَاصِل أَنه لَا يثبت قدم الْإِسْلَام إِلَّا على ظهر الاستسلام لكتاب الله وَسنة رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فقد روى البُخَارِيّ عَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ: من الله الرسَالَة، وعَلى الرَّسُول الْبَلَاغ، وعلينا التَّسْلِيم؛ وَهَذَا كَلَام جَامع نَافِع، وَعَن جَمِيع الْبدع مَانع، فَمن رام علم مَا أحظر عَن علمه، وَلم يقنع بِالتَّسْلِيمِ فهمه، وحجبه مرامه عَن خَالص التَّوْحِيد، وصافي الْمعرفَة، وصحيح التفريد، وَلم يترق إِلَى مقَام التَّحْقِيق، بل تنزل إِلَى حضيض التَّقْلِيد.
إلى أن قال ص49:
فالملوك الْجَبَابِرَة يعترضون على الشَّرِيعَة بالسياسات الجائرة، ويعارضونها بهَا، ويقدمونها على حكم الله وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وأحبار السوء هم الْعلمَاء الخارجون عَن الشَّرِيعَة بآرائهم وأقيستهم الْفَاسِدَة، المتضمنة تَحْلِيل مَا حرم الله وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَتَحْرِيم مَا أَبَاحَهُ، وَاعْتِبَار مَا ألغاه، وإلغاء مَا اعْتَبرهُ، وَإِطْلَاق مَا قَيده، وَتَقْيِيد مَا أطلقهُ، وَنَحْو ذَلِك. والرهبان هم جهلة المتصوفة المعترضون على حقائق الْإِيمَان وَالْإِسْلَام، ودقائق الشَّرِيعَة وَالْأَحْكَام، بالأذواق والمواجيد الخيالية النفسانية، والكشوفات الْبَاطِلَة الشيطانية، المتضمنة شرع دين لم يَأْذَن بِهِ الله، وَإِبْطَال دين شرع على لِسَان نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، والإعراض عَن حقائق الْإِيمَان بحظوظ النَّفس، وخدع الشَّيْطَان، فَقَالَ الْأَولونَ إِذا تَعَارَضَت السياسة وَالشَّرْع قدمنَا السياسة حفظا للرياسة، وَقَالَ الْآخرُونَ إِذا تعَارض الْعقل وَالنَّقْل قدمنَا الْعقل لِأَن الْعقل يثبت النَّقْل، وَقَالَ أَصْحَاب الذَّوْق إِذا تعَارض الْكَشْف وَظَاهر الشَّرْع قدمنَا الْكَشْف لِأَن الْخَبَر لَيْسَ كالمعاينة، وَلم يدروا أَن أَخْبَار الله وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَوق مرتبه عيان الْخلق، فَكيف بالكشف الَّذِي هُوَ مَحل اللّبْس، وَلذَا ترى الكشوف مُخْتَلفَة، وآثارها غير مؤتلفة، فَكل من قَالَ بِرَأْيهِ أَو ذوقه أَو سياسته مَعَ وجود النَّص، أَو عَارض النَّص بالمعقول فقد ضاهى إِبْلِيس حَيْثُ لم يسلم لأمر ربه بل قَالَ: {أَنا خير مِنْهُ خلقتني من نَار وخلقته من طين} وَقد قَالَ تَعَالَى: {من يطع الرَّسُول فقد أطَاع الله} وَقَالَ: {قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله} وَقَالَ {فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا}
فالدائر الحائر بَين الْمَنْقُول والمعقول يتذبذب بَين الْكفْر وَالْإِيمَان والتصديق والتكذيب وَالْإِقْرَار وَالْإِنْكَار، موسوساً تائهاً شاكاً زائغاً، لَا مُؤمناً مُصدقاً وَلَا جاحداً مُكَذباً.
وفي شرح الطحاوية لصدر الدين محمد بن علاء الدين عليّ بن محمد ابن أبي العز الحنفي، الأذرعي الصالحي الدمشقي (ت792هـ) تحقيق شعيب الأرنؤوط – عبدالله بن المحسن التركي مؤسسة الرسالة – بيروت (1/ 343)
فأَنَّ الْعِلْمَ عِلْمَانِ: عِلْمٌ فِي الْخَلْقِ مَوْجُودٌ، وَعِلْمٌ فِي الْخَلْقِ مَفْقُودٌ، فَإِنْكَارُ الْعِلْمِ الْمَوْجُودِ كُفْرٌ، وَادِّعَاءُ الْعِلْمِ الْمَفْقُودِ كُفْرٌ، وَلَا يَثْبُتُ الْإِيمَانُ إِلَّا بِقَبُولِ الْعِلْمِ الْمَوْجُودِ، وَتَرْكِ طَلَبِ الْعِلْمِ الْمَفْقُودِ. انْتهى
ش: وَيَعْنِي بِالْعِلْمِ الْمَوْجُودِ: عِلْمَ الشَّرِيعَةِ، أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا، فَمَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَمَنِ ادَّعَى عَلِمَ الْغَيْبِ كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ. قَالَ تَعَالَى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} (الْجِنِّ26-27) ، الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (لُقْمَانَ34) . وَلَا يَلْزَمُ مِنْ خَفَاءِ حِكْمَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا عَدَمُهَا، وَلَا مِنْ جَهْلِنَا انْتِفَاءُ حِكْمَتِهِ.
وفي “مرتبة الوجود ومنزلة الشهود (ص52)
وَيَعْنِي بِالْعلمِ الْمَفْقُود علم الْقدر الَّذِي طواه الله عَن أنامه، ونهاهم عَن مرامه، وَيَعْنِي بِالْعلمِ الْمَوْجُود علم الشَّرِيعَة، أُصُولهَا وفروعها، فَمن أنكر شَيْئا مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ من الْكَافرين وَكَذَا من ادّعى علم الْغَيْب.
وفي شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (ت792هـ) تحقيق الأرنؤوط مؤسسة الرسالة – بيروت (2/ 741وما بعدها)
قَوْلُهُ: (وَلَا نُفَضِّلُ أَحَدًا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَنَقُولُ: نَبِيٌّ وَاحِدٌ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ).
ش: يُشِيرُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى الرَّدِّ عَلَى الِاتِّحَادِيَّةِ وَجَهَلَةِ الْمُتَصَوِّفَةِ، وَإِلَّا فَأَهْلُ الِاسْتِقَامَةِ يُوصُونَ بِمُتَابَعَةِ الْعِلْمِ، وَمُتَابَعَةِ الشَّرْعِ. فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى الْخَلْقِ كُلِّهِمْ مُتَابَعَةُ الرُّسُلِ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ} [النِّسَاءِ64] إِلَى أَنْ قَالَ: {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النِّسَاءِ65] . وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آلِ عِمْرَانَ31] .
قَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّيْسَابُورِيُّ: مَنْ أَمَّرَ السُّنَّةَ عَلَى نَفْسِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا، نَطَقَ بِالْحِكْمَةِ، وَمَنْ أَمَّرَ الْهَوَى عَلَى نَفْسِهِ، نَطَقَ بِالْبِدْعَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا تَرَكَ بَعْضُهُمْ شَيْئًا مِنَ السُّنَّةِ إِلَّا لِكِبْرٍ فِي نَفْسِهِ.
وَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَّبِعًا لِلْأَمْرِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، كَانَ يَعْمَلُ بِإِرَادَةِ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ، بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ، وَهَذَا غِشُّ النَّفْسِ، وَهُوَ مِنَ الْكِبْرِ، فَإِنَّهُ شَبِيهٌ بِقَوْلِ الَّذِينَ قَالُوا: {لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الْأَنْعَامِ124] .
وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَظُنُّ أَنَّهُ يَصِلُ بِرِيَاسَتِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي الْعِبَادَةِ، وَتَصْفِيَةِ نَفْسِهِ، إِلَى مَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ غَيْرِ اتِّبَاعٍ لِطَرِيقَتِهِمْ!
وَمِنْهُمْ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ صَارَ أَفْضَلَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ! !
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ إِنَّمَا يَأْخُذُونَ الْعِلْمَ بِاللَّهِ مِنْ مِشْكَاةِ خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ! وَيَدَّعِي لِنَفْسِهِ أَنَّهُ خَاتَمُ الْأَوْلِيَاءِ! ! وَيَكُونُ ذَلِكَ الْعِلْمُ هُوَ حَقِيقَةُ قَوْلِ فِرْعَوْنَ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْوُجُودَ الْمَشْهُودَ وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ، لَيْسَ لَهُ صَانِعٌ مُبَايِنٌ لَهُ، لَكِنَّ هَذَا يَقُولُ: هُوَ اللَّهُ! وَفِرْعَوْنُ أَظْهَرَ الْإِنْكَارَ بِالْكُلِّيَّةِ، لَكِنْ كَانَ فِرْعَوْنُ فِي الْبَاطِنِ أَعْرَفُ بِاللَّهِ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ كَانَ مُثْبِتًا لِلصَّانِعِ، وَهَؤُلَاءِ ظَنُّوا أَنَّ الْوُجُودَ الْمَخْلُوقَ هُوَ الْوُجُودُ الْخَالِقُ، كَابْنِ عَرَبِيٍّ وَأَمْثَالِهِ! ! وَهُوَ لَمَّا رَأَى أَنَّ الشَّرْعَ الظَّاهِرَ لَا سَبِيلَ إِلَى تَغْيِيرِهِ – قَالَ: النُّبُوَّةُ خُتِمَتْ، لَكِنَّ الْوِلَايَةَ لَمْ تُخْتَمْ! وَادَّعَى مِنَ الْوِلَايَةِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ النُّبُوَّةِ وَمَا يَكُونُ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مُسْتَفِيدُونَ مِنْهَا! كَمَا قَالَ:
مَقَامُ النُّبُوَّةِ فِي بَرْزَخٍ … فُوَيْقَ الرَّسُولِ وَدُونَ الْوَلِيِّ!
وَهَذَا قَلْبٌ لِلشَّرِيعَةِ، فَإِنَّ الْوِلَايَةَ ثَابِتَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يُونُسَ62-63] . وَالنُّبُوَّةُ أَخَصُّ مِنَ الْوِلَايَةِ، وَالرِّسَالَةُ أَخَصُّ مِنَ النُّبُوَّةِ، كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ.
وفي شرح الطحاوية أيضاً ت الأرناؤوط (2/ 744)
وَقَالَ ابْنُ عَرَبِيٍّ أَيْضًا فِي فُصُوصِهِ: وَلَمَّا مَثَّلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النُّبُوَّةَ بِالْحَائِطِ مِنَ اللَّبِنِ فَرَآهَا قَدْ كَمُلَتْ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، فَكَانَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْضِعَ اللَّبِنَةِ، وَأَمَّا خَاتَمُ الْأَوْلِيَاءِ فَلَابُدَّ لَهُ مِنْ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ، فَيَرَى مَا مَثَّلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَرَى نَفْسَهُ فِي الْحَائِطِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَتَيْنِ! ! وَيَرَى نَفْسَهُ تَنْطَبِعُ فِي مَوْضِعِ تَيْنِكَ اللَّبِنَتَيْنِ، فَيُكْمِلُ الْحَائِطَ! ! وَالسَّبَبُ الْمُوجِبُ لِكَوْنِهِ يَرَاهَا لَبِنَتَيْنِ: أَنَّ الْحَائِطَ لَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَاللَّبِنَةُ الْفِضَّةُ هِيَ ظَاهِرُهُ وَمَا يَتْبَعُهُ فِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ، كَمَا هُوَ أَخْذٌ عَنِ اللَّهِ فِي الشَّرْعِ مَا هُوَ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ مُتَّبَعٌ فِيهِ، لِأَنَّهُ يَرَى الْأَمْرَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَلَابُدَّ أَنْ يَرَاهُ هَكَذَا، وَهُوَ مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ الذَّهَبِيَّةِ فِي الْبَاطِنِ! فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مِنَ الْمَعْدِنِ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ الْمَلَكُ الَّذِي يُوحَى إِلَيْهِ إِلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَإِنْ فَهِمْتَ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فَقَدْ حَصَلَ لَكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ! !
وقال القاري في “مرتبة الوجود ومنزلة الشهود” (صـ 60)
فَلَا طَريقَة إِلَّا طَريقَة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا شَرِيعَة إِلَّا شَرِيعَته، وَلَا حَقِيقَة إِلَّا حَقِيقَته، وَلَا عقيدة إِلَّا عقيدته، وَلَا يصل أحد من الْخلق بعده إِلَى الْحق، وَلَا إِلَى رضوانه وجنته وكرامته، إِلَّا بمتابعة رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ظَاهراً وَبَاطناً، وَمن لم يكن لَهُ مُصدقاً فِيمَا أخبر، مُلْتَزماً لطاعته فِيمَا أَمر من الْأُمُور الْبَاطِنَة الَّتِي فِي الْقُلُوب، والأعمال الظَّاهِرَة الَّتِي على الْأَبدَان، لم يكن مُؤمناً، فضلاً عَن أَن يكون ولياً، وَلَو طَار فِي الْهَوَاء، وَسَار على المَاء، وَأنْفق من الْغَيْب، وَأخرج الذَّهَب من الْجَيْب، وَلَو حصل من الخوارق مَاذَا عَسى أَن يحصل، فَإِنَّهُ لَا يكون مَعَ تَركه الْفِعْل الْمَأْمُور، وَترك الْمَحْظُور، إِلَّا من أهل الْأَحْوَال الشيطانية، المبعدة لصَاحِبهَا عَن الله تَعَالَى وبابه، المقربة إِلَى سخطه وعقابه، وَأما من اعْتقد من بعض البُلْهِ والمولهين مَعَ تَركه لمتابعة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَقْوَاله وأفعاله وأحواله أَنه من أَوْلِيَاء الله فَهُوَ ضال مُبْتَدع، مُخطئ فِي اعْتِقَاده، فَإِن ذَلِك الأبله إِمَّا أَن يكون شَيْطَاناً زندقياً، أَو مزوراً كَاذِبًا متخيلاً، أَو مَجْنُوناً مبذوراً، وَلَا يُقَال: يُمكن أَن يكون هَذَا مُتبعا فِي الْبَاطِن وَإِن كَانَ تَارِكًا لِلِاتِّبَاعِ فِي الظَّاهِر؛ فَإِن هَذَا خطأ أَيْضاً، بل الْوَاجِب مُتَابعَة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ظَاهراً وَبَاطناً، والطائفة الملامية: وهم الَّذين يَفْعَلُونَ مَا يلامون عَلَيْهِ، وَيَقُولُونَ: نَحن متبعون فِي الْبَاطِن، ويقصدون إخفاء أَعْمَالهم، ضالون مبتدعون مخطئون فِي فعلهم، وهم عكس المرائين، ردوا باطلهم بباطل آخر والصراط الْمُسْتَقيم بَين ذَلِك وَكَذَلِكَ الَّذين يصعقون عِنْد سَماع الْأَنْغَام الْحَسَنَة مبتدعون ضالون وَلَيْسَ للْإنْسَان أَن يَسْتَدْعِي مَا يكون سَبَب زَوَال عقله وَلم يكن فِي الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ من يفعل ذَلِك وَلَو عِنْد سَماع الْقُرْآن.
ثم يقول القاري في المرجع السابق صـ 63
فَمن ادّعى أَنه مَعَ مُحَمَّد كالخضر مَعَ مُوسَى أَو جوز ذَلِك لأحد من الْأمة فليجدد إِسْلَامه وَأما الَّذين يعْبدُونَ بالرياضات والخلوات، ويتركون الْجمع وَالْجَمَاعَات، فهم من الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعاً، وكل من عدل عَن اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة إِن كَانَ عَالما فَهُوَ مغضوب عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَهُوَ ضال وَلِهَذَا شرع الله تَعَالَى لنا أَن نَسْأَلهُ فِي كل صَلَاة أَن يهدينا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

نوال السعداوي: نموذج للنُّخب الفكريَّة من أرباب الماسون 3 من 6

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. دعوة ضمنيَّة للثَّورة على …