أخبار عاجلة

العدو القريب – محاولة لتشخيص أحد أمراض الأمة 1 من 10

د. هاني السباعي

مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن.
عرض مقالات الكاتب

تقدمة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسلنا الأكرم صلى الله عليه وسلم.

هذه مقالة نقدمها للشبيبة الإسلامية وللجيل الصاعد من أبناء هذه الأمة؛ نحاول من خلالها تسليط الضوء على عامل من ضمن تلكم العوامل التي كانت وراء الحالة المزرية التي تعيشها أمتنا الإسلامية في وقتنا المعاصر.  هذا وإن كنا نتناول عاملاً واحداً فإننا في نفس الوقت لا نغفل العوامل الأخرى التي أوصلت أمتنا إلى هذا الهوان والصغار كعامل العدو الخارجي؛ العدو التقليدي للأمة مع عوامل متعلقة بهذا العامل الخارجي كالعامل الاقتصادي والعسكري والثقافي والأخلاقي إلى غير ذلك من عوامل أخرى مجتمعة ومتفرقة ومتراكمة عبر عصور أدت إلى ما وصلنا إليه من تيه وتشرذم وتحارب وضياع!

قال صاحب التحفة الحليمية: ” إن الدول والأمم تشبه الأفراد من حيث تعرضها للأمراض، فالاختلافات الداخلية في الممالك تشبه الأمراض الباطنية. وأسبابها الحكام الجهلاء الظالمون، ودواؤها الحكام العادلون مع الحزم والعلم. والمشاكل الخارجية كالقروح الظاهرة في الأجسام، ودواؤها القوة واليقظة”[1]

وبعد؛ فإننا نختار عاملاً واحداً لا يقل خطورة عن عامل العدو الخارجي ألا هو الخلل الذاتي في جسد الأمة أو ما يعبر عنه بالعدو القريب؛ أس الداء وأصل كل بلاء! فالأمة في حاجة لحملة تطهير ذاتي وتنظيف ما علق في جسدها من أدران، واجتثاث الأورام الخبيثة للحفاظ على البقية الباقية من جسد هذه الأمة كي تصل إلى مرحلة النقاهة؛ ومن ثم تستعيد عافيتها بشريعتها المفقودة وحينئذ تستطيع أن تواجه أعداءها وتنتصر عليهم بإذن ربها..

هذا ما سنتناوله في هذه المقالة عبر المحاور والنقاط التالية:

أولاً: استهلال شرعي.

ثانياً: إطلالة على غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم.

ثالثاً: الخلاف الذي نشب بين الصحابة.

رابعاً: الأندلس.

خامساً: الدولة العباسية: (من 132 هـ إلى 923هـ).

سادساً: ابن تومرت الدجال الذي دمر دولة المرابطين السنية (453 هـ إلى 541 هـ).

سابعاً: الدولة العثمانية.

ثامناً: معركة التل الكبير سنة 1299 هـ/ 1882م بين الجيش المصري والإنجليزي.

تاسعاً: زوال إمارة أفغانستان الإسلامية (طالبان) على يد قوات الاحتلال الأنجلوأمريكي عام 1421هـ/ 2001م.

عاشراً: احتلال عاصمة الرشيد عام 1423هـ/ 2003م.

حادي عشر: احتلال الصومال عام 1427هـ/ 2007م.

صفوة القول.

أولاً: استهلال شرعي:

 (أ) ورد في كتاب الله العزيز: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ)(آل عمران:118).

قال ابن جرير في تفسيره: ” يعنـي بذلك تعالـى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، وأقرّوا بـما جاءهم به نبـيهم من عند ربهم، { لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ } يقول: لا تتـخذوا أولـياء وأصدقاء لأنفسكم من دونكم، يقول: من دون أهل دينكم وملتكم، يعنـي من غير الـمؤمنـين. وإنـما جعل البطانة مثلاً لـخـلـيـل الرجل فشبهه بـما ولـي بطنه من ثـيابه لـحلوله منه فـي اطلاعه علـى أسراره، وما يطويه عن أبـاعده وكثـير من أقاربه، مـحلّ ما ولـي جسده من ثـيابه، فنهى الله الـمؤمنـين به أن يتـخذوا من الكفـار به أخلاء وأصفـياء ثم عرّفهم ما هم علـيه لهم منطوون من الغشّ والـخيانة، وبغيهم إياهم الغوائل، فحذّرهم بذلك منهم عن مخالّطتهم”[2]

وقال القرطبي المتوفى سنة 671 هـ مسقطاً الآية على عصره: ” قلت: وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبةً وأمناء وتَسوَّدُوا بذلك عند الجَهَلة الأغْبِياء من الوُلاة والأمراء. روى البخاريّ عن أبي سعيدٍ الخدرِيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: “ما بعث الله مِن نبيّ ولا استخلف مِن خليفةٍ إلاَّ كانت له بِطانتانِ بِطانة تأمره بالمعروف وتحضُّه عليه وبِطانة تأمره بالشر وتحضّه عليه فالمعصوم من عَصَمَ اللَّهُ تعالى”[3]

أقول: فما بلك بعصرنا الذي قدرنا أن نعيش الهوان ونتنفس انكسار أمتنا على أيدي هذه البطانية الخائنة!! فهذا تحذير قرآني صريح من اتخاذ بطانة من دون المؤمنين نحفظ بها أسرارنا خشية أن يطلعوا عليها أعداء الأمة وخاصة إذا كانت هذه البطانة ضمن دائرة الحكم ومن المقربين للحاكم وأصحاب النفوذ مع اقتناعنا بأن هؤلاء الحكام هم أنفسهم رأس الخيانة!!

(ب) وقوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (لأنفال:46).

(ج) وقوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران:103)

(د) وقوله تعالى جل شأنه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (التوبة:123).

ذكر الطبري: “يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله قاتلوا من وليَكم من الكفار دون من بعُد منهم، يقول لهم: ابدءوا بقتال الأقرب فالأقرب إليكم داراً دون الأبعد فالأبعد. وكان الذين يلون المخاطبين بهذه الآية يومئذ الروم، لأنهم كانوا سكان الشأم يومئذ، والشأم كانت أقرب إلى المدينة من العراق. فأما بعد أن فتح الله على المؤمنين البلاد، فإن الفرض على أهل كل ناحية قتال من وليهم من الأعداء دون الأبعد منهم ما لم يضطرّ إليهم أهل ناحية أخرى من نواحي بلاد الإسلام، فإن اضطرّوا إليهم لزم عونهم ونصرهم، لأن المسلمين يد على من سواهم. ولصحة كون ذلك، تأوّل كل من تأوّل هذه الآية أن معناها إيجاب الفرض على أهل كلّ ناحية قتال من وليهم من الأعداء”[4]

يقول ابن كثير:“أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولاً فأولاً، الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام، ولهذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلما فرغ منهم، وفتح الله عليه مكة والمدينة والطائف واليمن واليمامة وهجر وخيبر وحضرموت، وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب، ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجاً، شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب، وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام؛ لأنهم أهل الكتاب، فبلغ تبوك، ثم رجع لأجل جهد الناس وجدب البلاد وضيق الحال، وذلك سنة تسع من هجرته عليه السلام، ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجة الوداع، ثم عاجلته المنية صلوات الله وسلامه عليه بعد حجته بأحد وثمانين يوماً، فاختاره الله لما عنده، وقام بالأمر بعده وزيره وصديقه وخليفته أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقد مال الدين ميلة كاد أن ينجفل، فثبته الله تعالى به، فوطد القواعد، وثبت الدعائم، ورد شارد الدين وهو راغم، ورد أهل الردة إلى الإسلام، وأخذ الزكاة ممن منعها من الطغاة، وبين الحق لمن جهله، وأدى عن الرسول ما حمله، ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان، وإلى الفرس عبدة النيران، ففتح الله ببركة سفارته البلاد، وأرغم أنف كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد، وأنفق كنوزهما في سبيل الله؛ كما أخبر بذلك رسول الله، وكان تمام الأمر على يدي وصيه من بعده، وولي عهده الفاروق الأواب، شهيد المحراب، أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين، وقمع الطغاة والمنافقين، واستولى على الممالك شرقاً وغرباً، وحملت إليه خزائن الأموال من سائر الأقاليم بعداً وقرباً، ففرقها على الوجه الشرعي، والسبيل المرضي، ثم لما مات شهيداً، وقد عاش حميداً، أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار على خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه شهيد الدار. فكسا الإسلام رياسة حلة سابغة، وامتدت في سائر الأقاليم على رقاب العباد حجة الله البالغة، فظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وعلت كلمة الله، وظهر دينه، وبلغت الملة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها، وكلما علوا أمة، انتقلوا إلى من بعدهم، ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار؛ امتثالاً لقوله تعالى: { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ } وقوله تعالى: { وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً } أي: وليجد الكفار منكم غلظة في قتالكم لهم؛ فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقاً لأخيه المؤمن، غليظاً على عدوه الكافر؛ كقوله تعالى:( فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ )”[5] 


[1]  إبراهيم بك حليم: التحفة الحليمية في تاريخ الدولة العلية/مؤسسة المختار/ القاهرة ص34.

[2]  الطبري: جامع البيان عن أويل آي القرآن/دار الفكر/بيروت/ط1/1421ه/مج3ج4 ص73،ص74.

[3]  القرطبي: الجامع لأحكام القرآن/تحقيق د.محمد إبراهيم الخفناوي ود.محمود عثمان/دار الحديث/القاهرة/ط2/1416ه/مج3/4 جج4 ص189. الحديث رواه البخاري في كتاب الأحكام برقم  7198 أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ عَنِ النَّبِىِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ « مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِىٍّ وَلاَ اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ ، إِلاَّ كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ ، بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى”.

[4]  الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن//مج7ج11 ص85، ص86..

[5]  ابن كثير: تفسير القرآن العظيم/تحقيق د.محمد إبراهيم البنا/دار ابن حزم/بيروت/1419هـ/ج4 ص1727، ص1728.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

رغم جهود التطبيع؛ وطأة العقوبات تشتد على دمشق

التقرير الإستراتيجي السوري (98)الإثنين: 27 يونيو 2022 المرصد الاستراتيجي أشار تقرير أمني غربي (7 يونيو …