أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / عملاء العصر الرقمي – كيف تُخضع الدول الغربية العرب لسطوتها من خلال الأنظمة العميلة

عملاء العصر الرقمي – كيف تُخضع الدول الغربية العرب لسطوتها من خلال الأنظمة العميلة

فهد السالم صقر

كاتب وباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية
عرض مقالات الكاتب

بسم الله الرحمن الرحيم

 كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم.  صدق الله العظيم. يوسف 76

مقدمة

دخلت العلاقات الدولية مع إنتهاء الحرب العالمية الثانية (1939-1945) حقبة جديدة من التدافع وإعادة التموضع والترتيب، حيث لم يعد النظام العالمي السابق الذي ساد طوال القرنين التاسع عشر والعشرين بترتيباته وتوازناته وتفاهماته القديمة صالحا للإستمرارا أو قابلا للحياة، فقد شهدت هذة الحقبة ظهور قوتين عظميين،  الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي ، متنافستين وعلى طرفي نقيض من بعضهما البعض.  صعدت خلالها  الولايات المتحدة الأمريكية بقوة وسرعة فائقة كأقوى لاعب على الساحة الدولية في بداية الأربعينات من القرن الماضي بفعل العامل الإقتصادي أولا، وأيضا بفعل القوة العسكرية الخارقة التي إمتلكتها.  فعندما إنتهت هذة الحرب كان الإقتصاد الأمريكي يعيش عصره الذهبي كإقتصاد غني جدا وعملاق و مزدهر ويحقق معدلات نمو هائلة حيث جعلت منه سنين الحرب مصنعا للعالم  . لقد كانت  الحرب الكونية مدمرة ومؤلمة على الجميع ، سواءا المنتصرين أو المهزومين، فلم يخرج منها أحدا معافى ودون خسائر وجراح بإستثناء الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت محصنة من الطبيعة بفعل موقعها الجغرافي بعيدا عن ساحات الحرب خلف المحيطين، الأطلسي والهادي.

 هذا الأمر، منح أمريكا نفوذا سياسيا ضخما على أوروبا والعالم، وتحديدا على بريطانيا وفرنسا اللتين، لولا التدخل الأمريكي العسكري والإقتصادي ما كان لهما أن تنتصرا في الحرب.  وقد شكل هذا الأمر  ديناميكية مهمة جدا على الساحة الدولية، حيث سعت الولايات المتحدة حثيثا للتمدد الخارجي وتحجيم دور الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية – أو مشاركتهما- عن طريق إنتزاع دورأكبرلها في المستعمرات القديمة في الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا يتناسب وحجمها كدولة عظمى قطبية منتصرة، وتستحق نصيب الأسد . كانت أمريكا تعي تماما حقيقة أن الحرب العالمية الثانية كانت حرب إستعمارية إمبريالية بإمتياز، إندلعت بسبب الصراع الأوروبي الشرس على المستعمرات في أفريقيا وآسيا،  ومطالبة ألمانيا بأن يكون لها حصة عادلة من هذه المستعمرات.  ومن جهة أخرى،  شكل ظهور الإتحاد السوفييتي أيضا كقوة عظمى قطبية ثانية منافسة لأمريكا الوجه الثاني للعملة في النظام العالمي الجديد وديناميكية أخرى لا تقل أهمية، وإستمر هذا النظام الجديد سائدا حتى بداية التسعينات  من القرن العشرين.  يؤرخ المؤرخون بعام 1989 كعام نهاية الحرب الباردة ( 1946-1989) وبداية حقبة جديدة في العلاقات الدولية وهو عام سقوط حائط برلين.

وبناءا على هاتين الديناميكيتين الجديدتين، ومع دخول حقبة ما بعد الحرب الكونية الثانية لم يعد الأسلوب الإستعماري القديم ( الحكم المباشرللمستعمرات ) قابلا للإستمرار، ومع هذا تشبثت الدول الإستعمارية التقليدية بمستعمراتها ولجأت إلى إستخدام أساليب عديدة لضمان ربط التابع بالمتبوع وجعله يدور في فلكها إقتصاديا وسياسيا و ثقافيا  تحقيقا لمصلحة الوطن الأم ( المركز) . ومن هذه الوسائل كان العزف على وتر الطائفية والعرقية والقوميات  والقبلية، والتقسيم و إتباع سياسة فرق تسد و تنصيب الأنظمة والنخب العميلة  لتنوب عن المستعمر في الحكم المباشر. و لجأت هذة الدول وخاصة بريطانيا وفرنسا، (ولاحقا أمريكا)  لأسلوب تنصيب العملاء،  بعد أن أضطرتا تحت ضغوطات سياسية، بعضها محلية وبعضها خارجية، إلى التخلي عن أسلوب الحكم المباشرفي المستعمرات السابقة وتفكيك إمبراطوريتهما بأشكالهما التقليدية المعروفة والإنسحاب عسكريا ( شكليا فقط)  والتقهقر داخل الوطن الأم. وقد منحت هاتان الدولتان “الإستقلال” الصوري لكثير من مستعمراتهما وإستعاضتا عوضا عن ذلك بالحكم بالوكالة عن طريق العملاء، وقد برزت هذه الظاهرة كأداة سيطرة جديدة في  العلاقات الدولية في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية 1945،  وتطورت وتعمقت بشكل مؤسسي منظم إلى يومنا هذا. أستخدمت القوى العظمى لتحقيق ذلك القوة الناعمة والماكينة الإعلامية الجبارة، بالإضافة للقوة العسكرية إذا لزم الأمر.

 في الشرق الأوسط تحديدا، شكلت حرب السويس 1956 إحدى إرهاصات ذلك التحول ومنعطفا هاما في تلك الفترة لجهة سعي أمريكا في تحجيم الدورالكولونيالي السابق في هذه المنطقة الحيوية من العالم، ودار  صراعا خفيا بينها من جهة  وبين بريطانيا وفرنسا من جهة أخرى  من تحت الطاولة على مواطئ أقدام ومناطق نفوذ عن طريق الأنظمة العميلة الدائرة في فلكهم. كما شهدت هذة الفترة أيضا ظهور ما يسمى بحركات التحرر الوطنية  في أرجاء مختلفة من العالم، بعضها كان مدعوما من أمريكا وبعضها الآخر من الإتحاد السوفييتي-  في سياق حروب الوكالة والحرب الباردة التي بدأت عام 1946 مع حصار برلين وإنتهت مع سقوط جدار برلين 1989 وظهور ما كان يسمى بدول عدم الإنحياز. وقد ظهرت في فترة الخمسينات وما بعدها من القرن العشرين مدرسة في التحليل السياسي روج لها وتبناها بشكل رئيسي حزب التحرير، كانت تصنف الأنظمة العربية الحاكمة ( أنظمة سايكس بيكو) كعملاء إنجليز أوعملاء أمريكان، بناءا على معطيات موضوعية آنذاك.  ولا شك أن هذا التحليل كان يحمل في طياته بعض الدقة، وأمكن التعويل عليه ولو جزئيا في تفسير و تحليل السلوك السياسي في تلك الحقبة التاريخية لبعض الأنظمة العربية. ( الجامعة العربية مؤسسة إنجليزية الصنع بإمتياز).

لكن مع التغيرات اللاحقة المتسارعة التي  طرأت على الإقتصاد السياسي العالمي -الغربي تحديدا-  في العقدين الأخيرين من القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة، تغيرت طبيعة هذة العلاقة بشكل كبيرلا يمكن إنكاره. فقد ظهرت تكتلات إقتصادية-سياسية عملاقة عابرة  للدولة القومية كالإتحاد الأوروبي (منطقة اليورو  Euro Zone) ومنطقة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية، NAFTA التي أعيد تسميتها  لاحقا USMCA والتي تضم كندا والمكسيك والولايات المتحدة الأمريكية،  وتشابكت وترابطت المصالح الإقتصادية بشكل وثيق جدا بين هاتين الكتلتين فيما بينها ومع بعضها البعض  نتيجة تحرير التجارة، من جهة، وإشتراك هذة الدول ( الليبراليات الديمقراطية)  بنفس القيم والمبادئ والأهداف والثقافة السياسية والمصالح المشتركة، ولأن الثابت الوحيد في السياسة الدولية هو “التغيير” فقد بدأ هذا النظام العالمي الجديد الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية  بدوره يتغير ويأخذ منحى مختلفا تماما مع نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة.

 كنتيجة منطقية لهذا التحول في العلاقات الدولية فإن إن الحد الفاصل بين ما هو مصلحة بريطانية وماهو مصلحة أمريكية أو فرنسية أصبح باهتا تماما وغير مرئي في هذا العصر والزمان، فعلى سبيل المثال، إن حجم التبادل التجاري العابر للمحيط الأطلسي من وإلى أمريكا الشمالية وأوروبا مهولا بحيث أنك لا تستطيع أن تضع عليه رقم ( عشرات بل ربما مئات الترليونات من الدولارات) ، ومن جهة أخرى فلو أخذنا مثلا كندا وأمريكا،   فإن 70% من الناتج المحلي لكندا مثلا، يذهب ألى السوق الأمريكية، فمن البديهي أن تكون صحة وإزدهار الإقتصاد الأمريكي مصلحة قومية عليا لكندا، والعكس صحيح. ناهيك عن أن معظم الشركات ورؤوس الأموال في أمريكا الشمالية نشأت أصلا في أوروبا وإمتدت إلى أمريكا.

إن نزوع هذة الليبراليات الغربية إلى التكامل والتعاون والتوحد فيما بينها، وإنتفاء التنافس والتكالب كما الحال في الماضي، إنعكس أيضا على أساليبهم في الهيمنة السياسية وعلى أدواتهم الدولية و جعل هذا النمط في التحليل السياسي ( العمالة لدولة واحدة)  يخرج من الإطار العملي إلى الإطار الأكاديمي البحت، و لا يمكن  التعويل عليه كأداة في  فهم السلوك  السياسي لأنظمة العالم الثالث و الأنظمة العربية تحديدا، بل على العكس تماما أصبح مضللا بعض الشئ.  فالقول بأن هذا النظام أو ذاك عميلا إنجليزيا أوأمريكيا ينافي الواقع  لأن الأنظمة الوظيفية العميلة  في المنطقة العربية موضوع هذا البحث، ما زالت قائمة كما هي بنفس الأدوار، ولكن طبيعتها قد تغيرت.  لقد أصبح موضوع العمالة لدولة عظمى بعينها حصريا، أمرا من الماضي (Obsolete) ولا يستقيم مع طبيعة الأشياء على أرض الواقع. فنظام كنظام الأسد في الشام مثلا لا يمكن تصنيفه عميلا أمريكيا أو روسيا أو إسرائيليا، بل هو كل ذلك وأكثر ، علما بأنك قد تجد الكثير من القرائن التي تثبت عمالته لأمريكا ولكن قد يجادل البعض بأنه عميلا روسيا مستشهدا بالنفوذ الروسي في سوريا وعلاقة النظام بروسيا،  فبشارالأسد، وقبله المورث حافظ هو أشبه بعاهرة سياسية، الكل يركبها، ونظامه وأجهزته الأمنية عبارة عن دور “دعارة سياسية” أو دكان لكل من هب ودب من أجهزة إستخبارات دولية. فقد  تغيرت طبيعة العمالة في هذا العصر من عميل لدولة أجنبية واحدة ( مستعمر سابق) إلى عميل لمجموعة من الدول الكبرى أو مجموعة من الحلفاء،  بمعنى آخر،  تحول العميل من أجير عند رب عمل واحد إلى أجير عند مجلس إدارة (عدة  دول أجنبية متحالفة بمصالح مشتركة ومتقاطعة تتحقق جميعها من خلال هذا النظام السمسار) فهذة الأنظمة أقرب ما تكون إلى  سوبرماركت عمالة، عدوها الوحيد هو الشعب، الذي تعمل أجهزته الأمنية بمساعدة مباشرة من الأجنبي لقمعه، وهذا هو تماما حال نظام الأسد في سوريا، ولا يبتعد نظام عبدالفتاح السيسي في مصر كثيراعن هذا التشخيص مع بعض الفروقات الطفيفة.   

يعتبر نظام الأسد في سوريا فريدا من نوعه من هذة الناحية كونه نظام وظيفي  طائفي ( علوي)  معادي وحاقد على شعبه السني ويجاهر بعداءه للإسلام، بحكم عقيدته الطائفية، وبحكم وظيفته  وهو بذلك يضع نفسه –شاء أم أبى- في خندق واحد مع إسرائيل ومع كل أعداء الأمة الإسلامية، و يؤدي دوره بإخلاص وتفاني منقطع النظير كخنجر مسموم في جسم الأمة. ورئيس النظام أشبه بأجير أوسمسار( صبي قواد)  عند “مجلس إدارة دول مختلفة”.  ويحقق  نظام الأسد لكفلائه في الخارج عدة أهداف إستعمارية في آن واحد (يصيد عدة عصافير بحجر واحد). فأولا، هو نظام أقلية طائفي يحكم بالحديد والنار بلدا غالبيته الساحقة من المسلمين السنة،  والإسلام السني الآن أصبح عدو الغرب رقم واحد، ( السنة  الآن يخضعون للتهميش والتنكيل  في العراق، وسوريا، وفلسطين، ولبنان، ومصر وتونس، وفي إيران والصين والهند وتايلاند، والقوقاز وغيرها). فالنظام الطائفي يحقق هدف مطلوب في حد ذاته من أهداف سايكس بيكو، و يغلف هذا الحكم الطائفي نفسه بالعلمانية الكذابة بالإضافة إلى الأسطوانة المشروخة الهزلية ، المقاومة والممانعة ويختبئ وراء خطاب خشبي متكلس في ظاهره الصمود وباطنه من قبله الخيانة. وثانيا، فنظام الأسد  نظام عميل ينفذ أجنداتهم حسب الطلب    A la Carte وفق ما تقتضيه المرحلة، بإنصياع كامل وإخلاص وتفاني منقطع النظير،  فعلى سبيل المثال، عندما تدخل هذا النظام عسكريا في الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1976 لم يفعل ذلك إلا بناءا على أوامر وضوء أخضر أمريكي، ما كان هذا الضوء ليصدر لولا موافقة ضمنية مسبقة  ورغبة مشتركة  من كل من إسرائيل وفرنسا وبريطانيا وروسيا، فجميع هذة الدول كانت متفقة في الحفاظ على الوضع الراهن في لبنان، المتمثل بالدستور الطائفي الذي وضعته فرنسا عام 1946 وإلتزمت به بريطانيا حسب إتفاقيات وتفاهمات سايكس بيكو 1916 وتبنته وأقرت به أمريكا لاحقا . لم يكن ثمة أي مصلحة لأي دولة من هذة الدول بإنتصار القوى التقدمية اللبنانية بزعامة كمال جنبلاط المتحالف مع المقاومة الفلسطينية وهزيمة القوات الإنعزالية المسيحية المتمثلة بحزبي الكتائب والوطنيين الأحرار، الأمر الذي كان  سيشكل تهديدا واضحا مزدوجا لإسرائيل وللنظام الوظيفي الطائفي في دمشق. فكان لا بد من إجهاض هذا الإنتصارالذي كان قاب قوسين أو أدنى من التحقق ، وعكس النتيجة لصالح المعسكر الآخر، وهذا ما حصل ( أنظر مذبحة تل الزعتر).

 ولذر الرماد في العيون ، تم إختراع  سيناريو تمثيلية قوات الردع العربية المصادق عليها من خيال المآتة الجامعة العربية في حينه وتم إرسال بضعة جنود سعوديين مع الجيش السوري تم سحبهم لاحقا،  وبقيت سوريا لوحدها في لبنان تسرح وتمرح وتفسد وتقتل وتنهب وتخرب ما يقارب الثلاثين عاما وتتآمر مع أمريكا و إسرائيل على الثورة الفلسطينية حتى أنهت وجودها المسلح في لبنان تماما لصالح إسرائيل والقوى الرجعية.   

 وفي أعقاب إغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري عام 2005 وقيام إنتفاضة شعبية في لبنان ضد الوجود السوري، وتحت ضغوطات دولية وعربية  إنسحب النظام  صاغرا من لبنان على عجل وأنهت سوريا  وجودها العسكري هناك  بعد ثلاثين عاما.  الشاهد،  أنه لو أن دولة واحدة من هذه الدول ( فرنسا مثلا) وضعت فيتو على التدخل السوري في لبنان عام 1976 لما حصل هذا التدخل، وأيضا لوأن دولة واحدة من نفس هذة الدول وضعت فيتو على إنسحاب سوريا من لبنان عام 2005 لما إنسحب هذا النظام، بكل بساطة.  ونفس الأمر ينطبق على إنقلاب عبدالفتاح السيسي في مصر، ففي تصريحات صحفية نشرت في الصحف بعيد إنقلاب السيسي في مصر العام 2013 أعلن فيها أن قائد الإنقلاب عبدالفتاح السيسي إجتمع بهيئة الأركان المصرية وأطلعهم على فحوى 16 مكالمة هاتفية أجريت بينه وبين نظيره آنذاك وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل في الشهرين الذين سبقا الإنقلاب مباشرة،  أي أن السيسي كان يجري بمعدل مكالمتي هاتف أسبوعيا مع نظيره الأمريكي تشاك هيغل قبيل الإنقلاب. وبطبيعة الحال كانت المكالمات جلها تناقش ما يتعلق بالشأن الداخلي المصري من أحداث وتحريض على التمرد ضد الشرعية ومعارضة للرئيس من قوى الدولة العميقة من أذناب الغرب،  وما كان  يجري في مصر من مخاض سياسي وصراع ( تخريب وتشويش متعمد وشيطنة للإخوان المسلمين وتشويه  كافة الإسلاميين ووصمهم بالإرهاب)،  وإعاقة عمل الرئيس الشرعي المنتخب حديثا. طبعا كانت هذه المكالمات كلها تجري من خلف الرئيس الشرعي المنتخب ودون علمه،  وكما تبين لاحقا كانت مكالمات تآمرية عليه من وزير دفاعه يناقش ويتباحث مع وزير دفاع دولة أجنبية التحضير لإنقلاب عسكري ضد رئيسه. وهذا ما حدث بالفعل في 3 يوليو 2013 والباقي معروف. وبلا أدنى شك، فإنه في كل الأعراف والدساتير الدولية يعتبر ما قام به عبدالفتاح السيسي ضد الرئيس محمد مرسي عملا خيانيا مخلا بالشرف والأمانة وحنث بالقسم يندرج تحت بند الخيانة العظمى، لا يمكن أن يتنطع في ذلك  ثورين.

وبغض النظر وبعيدا عن أخلاقيات هذا العمل،  فأنه من شبه المؤكد،  بأن وزراء الدفاع في كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بالإضافة لأمين عام حزب الناتو، بحكم مناصبهم وبصفتهم الإعتبارية بموجب الإتفاقيات الموقعة الملزمة  بين دولهم كانوا جميعا على إطلاع أولا بأول على فحوى هذة المكالمات التي كانت تجري بين تشاك هيغل وعبد الفتاح السيسي، وكانوا يتداولونها فيما بينهم ويبدون الآراء حولها ويناقشونها ويطلعون رؤساهم عليها. ومن المؤكد أيضا، أن الضوء الأخضر لقرار الإنقلاب ضد الرئيس مرسي كان ضوءا أوروبيا -أمريكيا مشتركا ( بتحريض إسرائيلي بالطبع) بدعم إنقلاب السيسي والإطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي، شاركت فيه كل عواصم القرار الدولي ومولته الدول التابعة لهم في المنطقة.

أقول هذا لأن عملية المشاركة وتبادل المعلومات الإستخباراتية الحساسة، خاصة لعملية بهذا الحجم في بلد محوري ومهم كمصر ما كانت لتُترك لوزير دفاع أمريكا وبلاده وحدهم ليقرروا مصيرها، وإلا سيشكل ذلك خرقا للإتفاقيات الأمنية الموقعة بين الحلفاء من ناحية. ومن ناحية أخرى، فإن عملية المشاركة وتبادل المعلومات الإستخبارتية  Intelligence data sharing  بين الحلفاء الغربيين كما سأوضح لاحقا، ليست خيارا أو تفضلا من أمريكا بل تأتي في إطار إتفاقيات ملزمة وتفاهمات لا يمكن الإخلال بها ومنصوص عليه في الترتيبات الدفاعية والأمنية بين الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي.  فأجهزة الإستخبارات في كل هذة الدول تتعاون ووتتبادل المعلومات الأمنية والتجسسية فيما بينها بشكل روتيني، و تعمل إلى حد كبير وفق مبدأ المنصة المفتوحة Open Platform)) ، ولا يحق، ولا ينبغي لأي دولة من هذة الدول أن تخفي أسرار أمنية أو عسكرية حساسة عن الدول الأخرى. وهذا يفسر الموقف الغربي الجماعي الموحد من إنقلاب السيسي في مصر عام 2013 (بيانات فارغة بالتعبيرات عن القلق ومراقبة الوضع عن كثب ومطالبة الإنقلاب -تأدبا- ضرورة الإسراع في العودة إلى المسار الديمقراطي الى آخرهذه الأسطوانة المشروخة، والمطالبة بإطلاق سراح الرئيس محمد مرسي، رفعا للعتب، الأمر لم يتم ولفه النسيان حتى موته من سوء المعاملة ومنع العلاج،  ولم تدين الإنقلاب أي دولة غربية.

مجموعة الخمس عيون Five Eyes

بالإضافة إلى التفاهمات الأمنية والإستخباراتية وتبادل المعلومات بين دول حلف شمال الأطلسي التي ذكرتها سابقا، هناك حلفا سريا آخر أمتن و أوثق وأشد ترابطا ويعتبر رديفا لحلف الأطلسي  يتم فيه تبادل المعلومات الإستخباراتية بثقة ومصداقية أكبرهو تحالف الخمس عيون ( Five Eyes أنظر الرابط أدناه) والذي يضم في عضويته الدول الناطقة باللغة الإنجليزية: بريطانيا، الولايات المتحدة، كندا، أستراليا، ونيوزيلاندا، وقد تأسس هذا الحلف المخابراتي أثناء الحرب العالمية الثانية بين الولايات المتحدة وبريطانيا أولا، ثم إنضمت اليه كندا في العام 1948 وكل من أستراليا ونيوزيلاندا في العام 1956 وهذه الدول  ملتزمة فيما بينها بتبادل طيف عريض من المعلومات الإستخباراتية البشرية والعلمية بالإضافة للعسكرية والسياسية وتضم مجموعة الخمس عيون تحت مظلتها كل الأجهزة الأمنية في هذة الدول مجتمعة، المدنية والعسكرية. و بهذا المعنى، يعتبر هذا التحالف هو الأشمل والأوثق في العالم، ( والأكثر سرية)، وقد لعب دورا مهما إبان الحرب الباردة،  فبالنسبة لبريطانيا ساهم هذا الحلف بتوفير معلومات إستخباراتية مكملة عن الغواصات السوفييتية الحاملة للرؤوس النووية في المحيط الأطلسي وبحر الشمال، وبالنسبة لأمريكا وفرت لهم بريطانيا من خلال مراكز التنصت والتجسس المنتشرة في مستعمراتها السابقة وخاصة في الشرق الأوسط معلومات إستخباراتية مهمة. وقد كان هناك محاولات لضم فرنسا إلى هذا التحالف في عام 2009 بحيث يصبح الست عيون (Six Eyes) ولكن الرئيس نيكولاس ساركوزي أصر على عدة شروط وافقت إدارة أوباما على بعضها ورفضت بعضها الآخربتنسيب من السي آي أيه، منها أن يتم معاملة فرنسا بنفس معاملة أي دولة في المجموعة، وأن يتم التوقيع على إتفاقية عدم تجسس وهذا ما رفضته وكالة المخابرات المركزية. وتعتبر إسرائيل أيضا عضو مراقب في هذه المجموعة.

وفي السنوات الأخيرة  تعرض هذا الحلف Five Eyes  إلى بعض التدقيق والتمحيص حيث أثارت إتهامات العميل السابق في الوكالة الوطنية للأمن National Security Agency )) إدوارد سنودن بأن دول هذا الحلف، “الخمس عيون” تتجسس بشكل مقصود ومتعمد على مواطنين بعضها البعض، ثم تقوم بتبادل المعلومات فيما بينها في تحايل واضح على القوانين المرعية في كل منها بعدم جواز تجسس الدولة على مواطنيها. وقد وصف إدوارد سنودن هذا التحالف الإستخباراتي بأنه حلف عابر للدولة القومية لا يخضع لقوانين الدول الأعضاء المحلية وهو يشرف على عدة برامج تجسسية مشتركة. وبعد أحداث الحادي عشر من سيبتمبر 2001 زادت النشاطات التجسسية لهذا الحلف كجزء من الحرب على الإرهاب. وقد ورد في التقارير أنه في التحضيرات للحرب على العراق عام 2003 تم وضع مفتش الأمم المتحدة للأسلحة في العراق هانز بليكس تحت المراقبة، كما قامت أجهزة الإستخبارات البريطانية بوضع أجهزة تنصت في مكتب الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان. وأيضا قامت السي أي أيه والخدمات السرية SIS بعقد إتفاق شراكة مع العقيد معمر القذافي يتم بموجبه التجسس على المعارضين الليبيين في الخارج مقابل إستخدام ليبيا كقاعدة للتحقيق وإستجواب وتعذيب المشتبه بهم.

في أواسط السبعينات من القرن الماضي، إبان حكم الرئيس جيمي كارتر تسربت معلومات للصحافة أحدثت بعض الضجة في الصحافة الأمريكية،  مفادها أن وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية ( السي آي إيه) كانت تدفع لزعيم عربي مبلغ مليون دولار سنويا لقاء خدمات …  وقد سُئل الرئيس كارتر في مؤتمر صحفي عن الأمر، حيث قيل له ألا ترى بأنه مبلغ ضخم ( بمقاييس الستينات والسبعينات) أن تدفع الوكالة لهذا الزعيم مليون دولار سنويا،  فأجاب الرئيس كارتر: لا أعتقد ذلك، لأن هذا أمر يخص أمن وسلامة الولايات المتحدة،  وأنه ليس بالمبلغ الكبير مقابل الخدمات التي تحصل عليه الولايات المتحدة من هذا الزعيم… بقي أن أقول، بأن هذا الزعيم كان محسوبا على الإنجليز قلبا وقالبا وأنه نشأ وترعرع في أحضانهم . الشاهد، لماذا تدفع السي آي إيه مليون دولار سنويا لعميل “إنجليزي” لو لم يكن هذا الأمر مجرد شكلية بسيطة. حقيقة الأمر أن بريطانيا وأمريكا عائلة واحدة  ومصلحة واحدة عندما يتعلق الأمر بالعملاء والأنظمة العميلة وفيما يتعلق بتحالف “الخمس عيون” أستطيع القول  بأن بريطانيا هي كبيرهم الذي علمهم السحر.

أضف إلى ذلك أن طبيعة العلاقة الخاصة التي تربط بين أمريكا وبريطانيا المبنية على أواصر الدم والقربى واللغة المشتركة والتاريخ المشترك بالإضافة إلى ما ذكر سابقا، تجعل من التفريق بين ما هو مصلحة أمريكية أو مصلحة بريطانية ترفا فكريا… لقد كان مشروع مانهاتن ( صنع القنبة الذرية) في صحراء نيفادا في الأربعينات مثالا حيا على هذة العلاقة، فتطوير القنبلة الذرية كان مشروعا مشتركا بين بريطانيا وأمريكا ولهذا السبب فإن بريطانيا أصبحت دولة نووية وتملك القنبلة الذرية في نفس اللحظة التي أصبحت فيها أمريكا كذلك. بينما فرنسا على سبيل المثال، فقد طورت قنبلتها الذرية بنفسها و رفضت في عهد الرئيس ديجول الإكتفاء بالمظلة النووية الأمريكية التي وفرتها أمريكا لكل حلفاءها الأوروبيين، وأصر ديجول على إمتلاك فرنسا لقنبلتها الذرية الخاصة بها وفعلا أجرت فرنسا تجاربها النووية الخاصة بها في جنوب المحيط الهادي وهي تملك رادعا نوويا مستقلا خارج المظلة الأمريكية لحلف الأطلسي.

لاحظوا أيضا كيف أن مواقف الدول الغربية جميعا من الأزمة السورية 2011-2019 إتخذ منحى بياني واحد. ففي البداية، تظاهر الجميع بدعم الثورة وإدانة النظام وإعتبروه فاقدا للشرعية ثم تحول الموقف تدريجيا من موقف ضد النظام إلى موقف ضد الشعب، بإستدارة 180 درجة، لم تشذ ولا دولة عن نفس هذا المنحنى البياني أبدا.  ومن الواضح والملفت أيضا أن إسرائيل هي التي كانت تديرخيوط اللعبة بخبث ودهاء،  بحكم الجغرافيا والخبرة والمصلحة المباشرة وهي التي كانت تملي ردود الأفعال الغربية نحو الأزمة  وتضبط إيقاعها،  أي أنها أخذت دور ال Lead… كان الهدف دائما هو الوصول بالأزمة إلى طريق مسدود، لا غالب ولا مغلوب، وتدمير سوريا،  مع المحافظة على بقرتهم المقدسة النظام الطائفي العميل المتحالف معهم.

وفي الأثناء، جرى إستغلال الحرب لإحداث تغيير ديموغرافي و تطهير عرقي في  سوريا  ضد المسلمين السنة وتهجير معظمهم على غرار ما حدث في يوغسلافيا السابقة أوائل التسعينيات من القرن الماضي. لم يكن التدخل الروسي العسكري في سوريا ليحدث لولا ضوء أخضر إسرائيلي- أمريكي لحماية النظام حفاظا على مصالح إسرائيل والغرب، وقد جاء التدخل الروسي بعد أن أدركت أمريكا أنه يترنح وسيسقط إن لم يمدوا له طوق النجاة. صحيح أن روسيا والغرب على طرفي نقيض و تتنافسان في أوروبا وكثير من المناطق في العالم،  وأن بين أمريكا وروسيا ما صنع الحداد في أوكرانيا وأوروبا إلا أن مصالحهما تتقاطع وتتماهى عندما يتعلق الأمر بأمن إسرائيل،  فروسيا وأمريكا تختلفان في كل شئ إلا في أمن إسرائيل وهو   بقرة مقدسة وخط أحمر عند الكرملين وعند البيت الأبيض على حد سواء. في هذا الأمر بالذات ليس ثمة خلاف بين روسيا وأمريكا أبدا، ومن يشكك في ذلك لحظة واحدة فهو أحد أمرين ، إما أعمى بصر وبصيرة، أوشخص أخذته العزة بالإثم. فروسيا نفسها لا تنفي ذلك،  ولا تخفيه وكل التصريحات العلنية الصادرة عن الكرملين وعن المسؤولين الإسرائيلين  تؤكد ذلك بل وتتفاخر بالتعاون الأمني بين روسيا وإسرائيل في سوريا وتعتبر أمن إسرائيل مقدسا.

المعارض السوري والمعتقل السابق لدى النظام كامل اللبواني في شهادته في حلقة ( سري جدا) على قناة الجزيرة،  التي تناولت عملية إنتحار (تصفية ) اللواء غازي كنعان رئيس شعبة الأمن السياسي في لبنان سابقا، والحاكم الفعلي للبنان من عام  1982-2001 ، ووزير الداخلية السوري حتى عام 2005 الذي قيل أنه إنتحر في مكتبه،  قال:  كان حافظ الأسد قد عين ضابطا سوريا لكل جهاز إستخبارات،  فكان غازي كنعان مكلفا بالتواصل والتنسيق في الملف اللبناني  مع الإستخبارات المركزية الأمريكية (السي آي أيه) بينما كان اللواء علي دوبا مكلفا بالتنسيق مع الإم آي 6 البريطاني  MI6))، و اللواء محمد الخولي مع إسرائيل ومصطفى طلاس مع فرنسا، وهكذا كان لكل إستخبارات أجنبية زلمتهم ( رجلهم)  في النظام، يعني “بمعنى آخر كان النظام فاتح سوبرماركت”. هذا عدا عن إتصالات أنظمة الإستخبارات مباشرة مع رأس النظام نفسه.  و يروي اللبواني بأن الأمريكان كانوا يطلبون من غازي كنعان تزويدهم بمعلومات عن تدفق  “المجاهدين” و”المقاومين” للإحتلال الأمريكي من سوريا والتي كان النظام في فترة من الفترات يسهل دخولهم إلى العراق بالإتفاق مع إيران لزعزعة الأمن في العراق- كما قال-

ولكن السي آي أيه لم يكونوا يعتمدوا على مصدر معلومات واحد وكان هناك جهاز آخر أمريكي هو الإستخبارات العسكرية الأمريكية يجمع معلومات وله منسق خاص معين من قبل النظام هو اللواء مصطفى التاجر، رئيس جهاز الأمن العسكري، الذي كانت معلوماته تأتي متناقضة مع معلومات غازي كنعان وأدق منها. وقد واجهت السي آي إيه كنعان بهذا ولكنه نفى ذلك في بداية الأمر وأنكره ثم أصر وألح على الأمريكان أن يذكروا له المصدر الآخر  فرفضوا أولا ثم بعد إلحاح شديد منه وتعهد بعدم إفشاء السر، قالوا له أن مصطفى التاجر هو مصدر معلوماتهم الثاني. وبعد أشهر عثر على اللواء مصطفى التاجر مقتولا في مزرعته قرب حلب… ويروي اللبواني أن العلاقات بعد ذلك ساءت مع كنعان وقطعت تماما وتم توبيخ وتسريح ضباط إرتباط السي آي إيه الذين أفشوا سر اللواء التاجر. ( أنظر الرابط أدناه)

كان اللواء مصطفى التاجر مسؤولا عن ملف ” الجهاديين” في سوريا ولبنان،  وهم مجموعات من أصحاب السوابق والمجرمين الذي نظمهم ودربهم نظام الأسد، وأطلقوا عليهم أسماء مثل جند الشام وفتح الإسلام، وكانوا يستخدمونهم في عمليات داخل لبنان وفي العراق ( كما ورد في شهادة عدنان الهواش-ضابط إرتباط سابق- فرع الأمن والإستطلاع والعميد نبيل الدندل- شعبة الأمن العسكري سابقا، انظر الفيديو في الرابط أدناه) وكان الضابط المنشق عدنان الهواش يعمل مع اللواء غازي كنعان في عنجر- وكان مسؤولا  -حسب شهادته – عن تفريغ وسماع أشرطة التنصت التسجيلية – بالإضافة لمهام أخرى -التي زرعها غازي كنعان في مكاتب أمنية حساسة بما فيها مكتبه في عنجرللتنصت على المكالمات.

يذكر أن كل مكاتب رؤوساء الأجهزة الأمنية والمكاتب السيادية وكبار الضباط ومكتب ماهر الأسد نفسه كانت تخضع للتنصت والتجسس من بعضها البعض ومن أمن الرئاسة. لا بل أبعد من ذلك، يروي ميشيل كيلو المعارض السوري المعروف على لسان أحد ضباط الأمن والإستخبارات في النظام بأن مكتب الرئيس نفسه ( بشار وقبله حافظ كانت تخضع للتنصت والتسجيل)، وهذا دليل مرعب آخر على عمالة رأس النظام لجهات خارجية أكبر منه وأعلى منه تحاسبه على كل صغيرة وكبيرة. وإلا لماذا يتصنت رئيس دولة ذات سيادة على نفسه؟!!!! هذا الأمر لا يمكن حدوثه في أي بلد في العالم.  بالمناسبة، العقيد معمر القذافي كان يفعل نفس الشئ كما ذكر عبدالرحمن شلقم  وزير الخارجية السابق والديبلومسي الليبي في إحدى مقابلاته،  حيث قال كان العقيد معمر عندما كان يناقش معي بعض الأمور التي تتعلق  ببرنامج ليبيا النووي والحصار الدولي كان يطلب مني أن أخرج معه لنمشي خارج الخيمة. !!

 يروي الدكتور عبد العزيز ديوب، القيادي البعثي السابق والبروفيسور والأكاديمي والمعارض السوري حادثة عن الضابط ( المقدم آنذاك) حافظ الأسد، (أكد هذة الرواية  مصادر تاريخية مختلفة منها عدة قياديين بعثيين سابقين ورفاق لحافظ الأسد منهم وزير الإعلام السوري الأسبق وعضو القيادة القطرية محمد الزعبي) أنه في العام 1964 سافر وفدا عسكريا إلى بريطانيا بهدف تنويع مصادر السلاح للجيش السوري وكان المقدم حافظ الأسد ضمن هذا الوفد ..وخلال هذة الزيارة إختفى حافظ الأسد لمدة ثلاثة أيام وكان الوفد يتساءل أين حافظ الأسد، وعند عودة الوفد إلى سوريا قدم تقرير إلى القيادة وذكرت فيه هذة الملاحظة وتم إستقصاء الأمر مع الملحقية العسكرية السورية في لندن وتبين أن حافظ كان فعلا في إجتماع مطول على متن باخرة لمدة ثلاثة أيام مع جهات مجهولة…! قامت القيادة بإستدعاء حافظ ومواجهته بهذة الحقيقة التي لم ينكرها ولكنه أخذ يهدد ويتوعد – حسب الرواة- و تم لفلفة الأمر وطوي الموضوع من قبل القيادة ( التي كانت بدورها متواطئة طائفية وعميلة لا تقل عمالة وخيانة عن حافظ.  فمن المعروف أن العلويين إستلموا السلطة الفعلية في سوريا بعد إنقلاب آذار 1963 وليس كما يعتقد البعض مع وصول حافظ إلى السلطة في العام 1970.

وكانت وصية العقيد عبدالكريم الجندي،( أنظر عبد الكريم الجندي- موسوعة سوريا)  أحد رفاق حافظ الأسد البعثيين من اللجنة العسكرية الذي قيل أنه إنتحر في مكتبه ( أو نحر) في الثاني من مارس 1968 عقب ما سمي بصراع الأجنحة في حزب البعث، شهادة من رفيق عمل معه عن قرب (تكونت اللجنة العسكرية من خمسة ضباط بعثيين علويين هم صلاح جديد، حافظ الأسد، محمد عمران، عبدالكريم الجندي وأحمد المير وهي التي حكمت سوريا بعد إنقلاب آذار 1963) وقد تم تهريب الوصية ونشرت في صحف بيروت عام  في تشرين الثاني 1970…. إتهم عبدالكريم الجندي حافظ الأسد بأنه عميل ذو إرتباطات خارجية وجاء فيها ….”أن حافظ الأسد مغرور وموتور ومشبوة و مرتبط بجهات أجنبية وينفذ تعليمات هذة الجهات الأجنبية بدقة متناهية من أجل تحقيق مآرب هذة الجهات” إنتهى الإقتباس. ويتطرق هذا القيادي السابق ( عبدالعزيز ديوب)  إلى علاقة العميل إيلي كوهين الذي أعدم في العام 1964 بعدد من الضباط البعثيين الذين كانوا يترددون على بيته ومنهم حافظ الأسد، وكيف أن كوهين في مذكراته – أو بتعبير أدق- بتقاريره المرفوعة الى قيادته في تل أبيب، وصف حافظ الأسد بأنه الأكثر وضاعة بينهم وأنه من أصل خسيس وليس له دين يهذبه، كان بعد كل وليمة يحمل بقايا الطعام ويرسلها مع السائق إلى منزله. هذه الشهادة وغيرها من ضباط ورفاق ومصادروأدبيات مختلفة كلها أجمعت على علاقة ما كانت تربط العميل كوهين بحافظ الأسد، وكاتب هذة السطور لديه صورة تجمع العميل كوهين ( كامل أمين ثابت) مع حافظ الأسد وصلاح جديد في جبهة الجولان.

نظرية برج المراقبة

كاتب هذة السطورإستخدم لأول مرة مصطلح ” نظرية برج المراقبة” في العمالة السياسية، فكما هو معلوم فإن أبراج المراقبة في المطارات هي التي تسير حركة الطائرات إقلاعا وتحليقا وهبوطا، فليس بإمكان أي قائد طائرة أن يقلع بطائرته من المطار أو يهبط  دون أخذ الإذن الصريح المسبق  من برج المراقبة ( Clearance)، وحتى أثناء التحليق في الجو فإن إرتفاعه وسرعته وزاوية إتجاه الطائرة كلها تكون مقررة مسبقا بإذن من برج المراقبة…وإذا أراد الطيار لسبب من الأسباب، تغيير إرتفاعه أو زاوية الطيران  فلا بد أن يحصل على الإذن المسبق من برج المراقبة، وإلا فإن أي تغيير في الإرتفاع أو الدرجة بدون إذن قد يكون كارثيا ويتسبب في حادث، أو على أقل تقدير، قد يتسبب في فصل الطيار من عمله. إن وظيفة الطيار هي قيادة الطائرة بسلام حسب التعليمات الدقيقة لبرج المراقبة دون نقاش. هذا ينطبق حرفيا على العملاء، فالحاكم العميل لا يغادر مكتبه ولا يسافر ولا يدلي بتصريح إلا بعد أخذ الإذن ” من برج المراقبة”…( وأحيانا تأتي التصريحات والخطب جاهزة مترجمة عن الإنجليزية والحاكم يقرأها).  حتى الخلافات السياسية والصداقات مضبوطة وفق تعليمات برج المراقبة، ودعم هذا النظام أو ذاك بالمال أو الدخول في حرب أو عقد السلم أو صلح كل ذلك يتم عند  الأنظمة العميلة بتعليمات من ” برج المراقبة” …لا شئ يحدث مصادفة فهناك تراتبية دولية Power Hierarchy لا يستطيع أي حاكم عميل تخطيها. الكل يمشي حسب إيقاع مقرر من أعلى وأي إنحراف هنا أو هناك يكون له عواقبه الوخيمة. العميل الجيد هو الذي ينفذ ولا يناقش ، هذة النظرية تنطبق على كل حكام سايكس بيكو أعضاء ما يسمى جامعة الدول العربية.   لقد دفع صدام حسين حياته ثمنا لخروجه عن الطاعة وتمرده على” برج المراقبة”،  كما أن الرئيس محمد مرسي – رحمه الله-  سقط سريعا لأنه كسر هذه الحلقة في التراتبية الدولية، وجاء من خارج الدائرة المغلقة بإنتخابات حرة ونهج مستقل ولم يتبع لسيطرة برج المراقبة ( وهذا كان خطأ الإخوان المسلمين القاتل في مصر، السذاجة السياسية فلم ينتبهوا لضباع العالم ، ولم يفهموا اللعبة الدولية جيدا) ، فكان لا بد من وضع حد سريع له كظاهرة غير مرغوب فيها قبل أن تستفحل، وأشك بأن مقتل الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح في اليمن جاء نتيجة لخروجه عن النص ومحاولته التصرف دون الرجوع لبرج المراقبة فجاءت عملية تصفيته بأسرع مما يتصور.

هذا ، والله أعلم

بعض المقابلات المهمة التي تم إستخدامها كمصادر

الدكتور عبد العزيز ديوب، القيادي البعثي السابق والبروفيسور والأكاديمي والمعارض السوري                      

تل الزعتر- خفايا المعركة ( مذبحة تل الزعتر)

الحلقة الثالثة من الذاكرة السياسية مع وزير الإعلام السوري السابق والأمين العام المساعد لحزب البعث السابق

  • https://www.youtube.com/watch?v=BAlaBfK6BUQ

شهادة كامل اللبواني و عدنان الهواش-ضابط إرتباط سابق- فرع الأمن والإستطلاع والعميد نبيل الدندل- شعبة الأمن العسكري سابقا، في ( سري جدا)

الذاكرة السياسية على العربية مع وزير الإعلام السوري السابق والأمين العام المساعد لحزب البعث السابق

صورة تجمع العميل إيلي كوهين ( أمين ثابت ) صلاح جديد وحافظ الأسد في جبهة الجولان عام 1963  ويقال أنها كانت في الجولان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

زراعة الخوف وزراعة الحياة

حسام نجار كاتب صحفي ومحلل سياسي مقالي هذا يختلف في عرضه وطريقة طرحه …