أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / عتيق الغرب جديد ترامب

عتيق الغرب جديد ترامب

الدكتور عزت السيد أحمد

كاتب ومفكر سوري
عرض مقالات الكاتب

كثيرون يعتقدون أن ترامب يغرد خارج السرب، أو أنه استثناء في قادة الولايات المتحدة الأمريكية. وهو ليس كذلك باعتبار الأصل، وكذلك باعتبار التفرد بخصوصية الشخصية.

أما تفرده بحصوصيته الشخصية غهو في وقاحته في وضوحه وصراحته، متجاوزاً الأعراف والدبلوماسية وضرورات السرية، وفي ارتجالاته في أحكامه وقراراته والتسرع في التصريح بها دون التلميح مهما كانت طبيعتها من الصحة أو الخطأ أو البعد أو  القرب عن خطوط السياسة الأمريكية.

أما أنه ليس استثناء فهو لأنه كبر أم صغر، طال أم قصر، ليس إلا حلقة في مسلسل رؤوساء الولايات المتحدة الأمريكية، ينفذون على رغم أنوفهم عن يد وهم صاغرون سياسة الدولة. ليس ترامب، في هذا السياق، استثناء بحال من الأحوال، ولا يمكن أن يغرد خارج سرب السياسة الأمريكية المرسومة في كواليس صناعة القرار. ولذلك نجده بعدما يترجل قراراً أو موقفاً يتنافى أو يتنافر أو يتعارض مع مخطط الكواليس يتراجع على الفور وربما بعد ساعى أحياناً إنا بخطوة واحدة أو بالتدريج والتربيع والتدوير خلال يوم واحد أو اثنين لا أكثر. وأما ما لا يتراجع عنه مما يبدو متناقضاً مع جوهر السياسة الأمريكية فإنه في الحقيقة يبدو لا أكثر أنه متناقض فيما هو في الحقيقة غير متناقض، وفي أسوأ الاحتمالات فإنه ليس من الأوليات التي تفرض على الكواليس إجبار الرئيس على التراجع والتنفيس.

الرئيس الأمريكي في المحصلة موظف في دولة الولايات الأمريكية، وهو كما يقولون في العالم الغربي أكبر موظف في الدولة. له مهمة وفق مسطرة صلاحيات وسلة أولويات، ولا يحق له أن يغرد خارج السرب بحال من الأحوال. نعم له هومش صلاحيات وحرية حركة كبيرة بوصفه رئيساً، وهذا ما لا يمكن إنكاره، ولكنه ليس مثل أي رئيس في العالم الثالث يتصرف على هواه من دون قيد ولا ضابط أو من دون رسن ولا رابط…

ولذلك فإن الهوامش الممنوحة للرئيس الأمريكي مهما بلغت من الحرية وانفتاح الآفاق فإنها لا تتيح له بل لا تجيز له أن يتجاوز مخططات سياسة الدولة التي ترسمها وتديرها وتحميها مؤسسات دستوية محصنة على رأسها الكونجرس ومجلس الشيوخ.

في الثالث عشر من شهر تشرين الثاني 2019م التقى الرئيس الأمريكي بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وعقب اللقاء أبدى الرئيس الأمريكي ترامب إعجابه بالرئيس التركي، وسروره بلقائه، وسعادته بصداقته، وتقديره لرجولته… وفي اليوم التالي للقاء قال: «لقد أصدرت أوامري لوزارة الخزانة برفع العقوبات الأمريكية المفروضة على تركيا».

ولكن أحداً لم يلتزم بكلامه ولم يتم الالتزام بقراره، ولم ترفع العقوبات عن تركيا، بل وعد المشروعون الأمريكيون بعقوبات جديدة، وفعلاً استمرت أمريكا بفرض عقوبات جديدة، وم تقل أبداً حدَّة التوتر بين تركيا والولايات المتحدة بل هي في ازدياد. ولكن ترامب نفسه فرض عقوبات كثيرة على الصين بالقول والتشريع… ولكن شيئاً لم يتغير في العلاقات والتعاملات مع الصين؛ عقوبات ريق رئاسي على ورق سياسي.

ألهذه الدرجة لا قيمة لقراره؟

نعم، إلى هذه الدرجة لا قيمه لكلامه ولا لتوجيهاته ولالتعليماته ولا لقراراته… ولا حتى لغيره من الرؤساء، إذا كان يتعارض مع مخططات الكواليس الأمريكية. وهذا واحدٌ من الأمثلة المهمة الفاضحة لقيمة الرئيس الأمريكي إذا أراد أن يغرد خارج السرب. الموقف الأمريكي من تركيا موقف مبدئي وليس مرحليًّا، وليس خاضعا لمزاج هذا الرئيس او ذاك أو مشاعره أو رغباته… اللهم إلا إذا انسجم مع موقف الدولة الرسمي الحقيقي.. وإن بالغ الرئيس قليلاً أو كثيراً فلا بأس، بشرط أن تكون المبالغة الزائدة ضمن الحدود المسموح بها.

في هذا السياق لنذهب إلى الموقف من إيران لنرى عدم السماح بالمبالغة الزائدة. ظاهر العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران هو العداء، وترامب فيما يبدو يكره إيران ويتحفز لخنقها وحتى شن الحرب عليها. هكذا يبدو. ولا ندري حقيقة مشاعرة ولا معارفه في هذا الشأن،  ولكن معارف كواليس صناعة القرار اﻷمريكي لا تسمح بشن حرب على إيران ولا حتى إضعافها، ولا الوصول إلى مرحلة إضعاف سلطة الملالي. ولذلك في ظل التهديدات الترامبية كلها لإيران كان يخرج على الفور مسؤول أمريكي رفيع من طراز وزير الخارجية أو وزير الدفاع أو من في حكمهما ويطمئن إيران، ويعلن عدم رغبة أمريكا في محاربة إيران، حتى استحالة الحرب مع إيران، وعدم رغبة أمريكا في تهديد السلطة اﻹيرانية، ولا الانقلاب عليها… وهلم حرًّا وجرًّا مما بات معروفاً لدى المتابعين والمهتمين جميعاً، وحتى العوام أكثرهم. وقد رأينا كم مرة اعتدت إيران علناً على مصالح أمريكية حتى وصل الأمر إلى إسقاط طائرة أمريكية وقبلها أسر جنود أمريكيين من البحر… ومع ذلك لم ترد أمريكا على هذه الاعتداءات، بل حتى طريقة النظام السوري في الاحتفاظ بحق الرد لم توجد في الأجندة اﻷمريكية في التعامل مع الاعتداءات الآيرانية على المصالح الأمريكية، لم يعلنوا أبداً احتفاظهم بحث الرد، ولم يصدر أي تلميح بأنهم سيردون أو يثأرون… علما أنه لو صدر مثل أقل اعتداء إيراني عن دولة غير إيران لمسحتها أمريكا عن وجه الأرض… أستثني مقاومي الاحتلال الأمريكي لأنهم شيء آخر.

للبيان والتوضيح: هذا شأن أي رئيس أمريكي وليس ترامب وحده، ولا تتفاجأوا إذا علمتم أن أوباما الرئيس السَّابق على الرغم من حكمه ولايتين فإنه كان بحكم المحجور عليه رئاسيًّا ﻷنه كان موضع شك وعدم ثقة بسبب أصوله المسلمة، وستكشف الأيام هذه الحقيقة؛ حقيقة مدى التهميش الذي تعرض له أوباما. 

الأمر اللافت العجيب هو أن السمة الأساسية للسياسة الأمريكية على مدار عشرات السنين المنصرمة، وخاصة في الثلاثين سنة الأخيرة، هي: الكوميديا السريالية في القرارات التي تتخذها في معاقبة شخصيات أو حكومات أو مؤسسات. على مدار ثلاثين سنة على الأقل لم تخل سياسة رئيس أمريكي من هذه العقوبات وهذا النمط من العقوبات. بل الأصح لم تخل سياسات الدولة الأمريكية من ذلك، لأن الرئيس ليس إلا واجهة لا أكثر؛ واجهى لا أكثر وفق ما أبنا قبل قليل. بل الأعجب أنه بالكاد يخلو شهر من قائمة أسماء أو شركات أو دول أو كلها معاً تفرض عليها الحكومة الأمريكية عقوبات.

ولماذا هذه العقوبات؟ 

بعضها يمكن تفهمه وليس تقبله بالضرورة. ولكن يمكن تفهم العداء الأمريكي لهذا البلد أو ذاك، وتعرض المصالح الأمريكية للضرر من هذه الطرف أو ذاك، وضرورة اتخاذ إجراءت وقائية لحماية المصالح الأمريكية… كل ذلك يمكن تفهمه.

ولكن ما لا يمكن فهمه ولا تفهمه ولا قبوله ولا تقبله أمران على الأقل:

أولهما صيغة اتخاذ القرارات، مهما كانت محقة أو غير محقة فيها. فهي تفرض قوانين العقوبات وكأنها هي الشرعية الدولية، ومن قناعة مفادها أن الجميع يقبل بها أبا شرعيَّا وروحيًّا للعالم. ولذلك عندما تتخذ أي قرار عقوبات ضد أي طرف تفرض على جميع دول العالم الالتزام به والتقيد بمضمونه… بل المضحك هو أنها أحيانا تحدد من يستثنى من الالتزام بتنفيذ العقوبات كما حدث في منتصف هذا العالم عندما حظرت الدول استيراد النفط من إيران واستثنت بعض الدول لعدة أشهر.

ثانيهما ولا يقل عجائبية وغرائبية عن الأول هو أن تفرض الولايات المتحدة عقوبات من أي نوع على شخصيات أو مؤسسات أو دول بتهمة انتهاك حقوق الإنسان!!

تخيل يا رعاك الله!

الولايات المتحدة الأمريكية التي هي الأكثر والأشد انتهاكا لحقوق الإنسان وكرامة الإنسان في كثير من دول العالم، بل ثمة من يقول حتى إنها تنتهك حقوق الإنسان في داخل الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها في التجارب العلمية الخطيرة على القادمين الأجانب إليها وعلى اللاجئين… وكذلك الزنوج، الذين هم أمريكيون أصليون منذ مئات السنين، فما انتفاضاتهم كل بضعة أشهر على انتهاكات حقوق الإنسان والتمييز العنصري إلا خير دليل على ذلك.

دعك من ذلك، لنقتصر على انتهاكها حقوق الإنسان في غيرها من دول العالم. خذ سوريا على سبيل المثال، أحد الأمثلة الحية التي يعيشها الجميع الآن والجميع تقريباً يشهد مدى الانتهاك الأمريكي لحقوق الإنسان فيها. كان أوباما ديبلوماسيًّا ورقيقاً وراقياً في تصريحاته لصالح الثورة السورية والشعب السوري…  ولكنه وفق التسريبات التي انتشرت مؤخراً، والحقيقة أنها تسربت على دفعتين؛ الأولى تمهيدية ظهرت منها الحقيقة تقريباً،  والثانية كانت واضحة صريحة، تكشف عن اتصالاته الكثيرة مع الرئيس الروسي بوتين وهو يناشده التدخل لحماية النظام السوري وقمع الثورة السورية… وربما قال له: «لأن أمريكا لا تستطيع أن تفعل ذلك حرصا على سمعتها… وحرصا على سمعة النظام». منذ بداية الثورة كانت هذه التواصلات والمناشدات وليس متأخرة. وفي هذا ما يفسر لنا دخول روسيا موسوعة غينيس للأرقام القياسية باستخدام الفيتو ضد قرارات إدانة النظام السوري، وضد أي قرار أممي لدعم الثورة… وهنا نتذكر قول المحللة السياسية الروسية إيلينا سوبولينا عام 2013م على قناة الجزيرة: «لا تلومو روسيا على استخدام الفيتو، هذه إرادة أمريكية. لو كانت أمريكا تريد تمرير القانون لمر. ولكن أمريكا هي التي لا تريد».

فماذا فعل ترامب بعد أوباما في هذا الشأن؟

ها هي تمضي سنواته الأربع تقريباً ولم يفعل شيئاً سوى مزيد من انتهاكات حقوق اﻹنسان في سوريا. حسبك ما كان قبل بضعة أشهر عندما قتل الطيران الأمريكي ليس أقل من ثلاثة آلاف وقيل حسب الشهود المحليين أكثر من خمسة آلاف مدني في منطقة الباغور بدير الزور بذريعة محاربة الدولة اﻹسلامية.

لا نعد فالسلسلة طويلة يصعب حصرها، حسبك أن اليهودي الفرنسي آلان غريش قال قبل تمام عشرين سنة: «لو أن أمريكا جلست على كرسي الاعتراف لتعترف بجرائمها خلال القرن العشرين لأمضت القرن الحادي والعشرين كله على كرسي الاعتراف».

الأعجب من ذلك أنه كلما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على دولة تنطع وزير الخارجية الأمريكي شخصيًّا وربما الرئيس شخصيا ليعلن: «نحن لا نقصد الشعب…نقصد النظام»… هذا ما حدث تماماً مع فرض العقوبات على العراق. مراراً كرروا، وعلى رأسهم مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك: «نحن لا نقصد الشعب العراقي… نحن نقصد النظام… نريد تعديل سلوك النظام ليتوافق مع الشرعية… مع حقوق الإنسان». كان هذا قصدهم فقتلوا نحو مليون ونصف طفل عراقي جراء حظر وصول الأدوية إلى العراق!!!

تخيل هذه الإنسانية الأمريكية والعقوبات التي تفرضها للدفاع عن حقوق الإنسان. ليس ثمة أي مبالغة في ذلك… ولا إضافة.

ولتعجب أكثر فإن الولايات المتحدة عندما غيرت النظام في العراق قتلوا نحو مليوني شخص،  وتسببوا في هجرة ملايين العراقيين… وارتكبوا أكبر جريمة غبر التاريخ بحق العراق والمنطقة كلها… بل إن بعضا من القواد الذين جاؤوا على الدبابات الأمريكية يتحسرون على أيام صدام ويندمون لأنهم كانوا شركاء في وصول العراق إلى ما وصل إليه.

ترامب إذن ليس علامة فارقة إلا في بهرجته وعنطزته وقلة رزانته وانحسار أدبه وتضاؤل آداب سياسته… والغريب أن الانتقال إلى اللعب على المكشوف المفضوح ليس ترامب من فتح بابه وإنما الحكام العرب في السعودية والإمارات ومصر هم الذين طلقوا العيب والخجل وحاروبوا الدين والعلن، ولا تعجب إذا علمت أنهم هم من دعم حملة ترامب الانتخابية على الرغم من أن شعار حملته كان محاربة الإسلام والتضييق على المسلمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

اجتماعات الليبيين في تونس حاسمة

د. علي محمّد الصلابيّ دعا عضو الأمانة العامة للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين …