أخبار عاجلة

ابن عربي وكتابه الفصوص (8)

محمد عبد الحي عوينة

كاتب وداعية إسلامي. إندونيسيا.
عرض مقالات الكاتب

عقيدة وحــــدة الـوجــــود (أ)
والآن ما هي عقيدة وحدة الوجود؟ وما المقصود منها؟ وما هوموقف أهل العلم منها؟.
نقلنا قبل ذلك قول الدكتور محمد حسين الذهبي في كتابه (تفسير ابن عربي للقرآن حقيقته وخطره)
يقول تحت عنوان: كلمة الحق في التفسير النظري الفلسفي:
ووحدة الوجود- عنده وعند من يقول بها- معناها: أنه ليس هناك إلا وجود واحد، كل العالم مظاهر ومجال له، فالله- سبحانه- هو الموجود الحق، وكل ما عداه ظواهر وأوهام، ولا توصف بالوجود إلا بضرب من التوسع والمجاز؛ وهذه النظرية سرت إلى بعض المتصوفة عن طريق الفلاسفة، وعن طريق الإسماعيلية الباطنية الذين خالطوهم وأخذوا عنهم مذهبهم القائل بحلول الإله في أئمتهم، وصوروه أعني الصوفية، بصورة أخرى تتفق مع مذهب الباطنية في الحقيقة، وإن اختلفت في الاصطلاح والألفاظ….”.
هذا المذهب الذي، خَوَّلَ لمثل الحلاج أن يقول: أنا الله ولمثل ابن عربي أن يقول: إن عجل بنى إسرائيل أحد المظاهر التي اتخذها الله وحل فيها، والذي جرّه فيما بعد إلى القول بوحدة الأديان لا فرق بين سماوي وغير سماوي، إذ الكل يعبدون الإله الواحد المتجلي في صورهم وصور جميع المعبودات.. هذا المذهب الذي يذهب بالدين من أساسه، هل يكون سائغا ومقبولا أن نجعله أصلا نبنى عليه أفهامنا لآيات القرآن الكريم؟.
وفي النهاية يقول الأستاذ الدكتور محمد حسين الذهبي:
وكتاب هذا شأنه يفسد على المسلمين عقيدتهم ويوقعهم في حيرة وشك من كتاب ربهم.
أما الحافظ الذهبي فقال في كتابه العرش (1/ 81) في معرض كلامه عن المعطلة:
وهناك مسلك رابع: وهو مسلك أصحاب وحدة الوجود الذين يعطون أسماءه سبحانه لكل شيء في الوجود، إذ كان وجود الأشياء عندهم هو عين وجوده، ما ثمت فرق إلا بالإطلاق والتقييد.
وفي العرش أيضاً (1/ 89)
الدرجة الرابعة: أهل وحدة الوجود
الذين لا يميزون الخالق بصفات تميزه عن المخلوق، ويقولون بأن وجود الخالق هو وجود المخلوق. فعلى سبيل المثال هم يقولون: بأن الله هو المتكلم بكل ما يوجد من الكلام وفي ذلك يقول ابن عربي:
ألا كل قولٍ في الوجودِ كلامه … سواءٌ علينا نثره ونظامه
يعم به أسماع كل مكون … فمنه إليه بدؤه وختامه
(الفتوحات المكية (4/141) ط: دار صادر، بيروت)
فيزعمون أنه هو المتكلم على لسان كل قائل. ولا فرق عندهم بين قول فرعون: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات 24] و {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص 28] وبين القول الذي يسمعه موسى {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه 14] . بل يقولون: إنه الناطق في كل شيء، فلا يتكلم إلا هو، ولا يسمع إلا هو، حتى قول مسيلمة الكذاب، والدجال، وفرعون، يصرحون بأن أقوالهم هي قوله”.
وهذا قول أصحاب وحدة الوجود كابن عربي، وابن سبعين وابن الفارض، والعفيف التلمساني.
وأصل مذهبهم: أن كل واحد من وجود الحق، وثبوت الخلق، يساوى الآخر ويفتقر إليه، وفي هذا يقول ابن عربي: (فصوص الحكم صـ83)
فيعبدني وأعبده … ويحمدني وأحمده
ويقول: إن الحق يتصف بجميع صفات العبد المحدثات، وإن المحدث يتصف بجميع صفات الرب، وأنهما شيء واحد إذ لا فرق في الحقيقة بين الوجود والثبوت (بغية المرتاد ص397، 398). فهو الموصوف عندهم بجميع صفات النقص والذم والكفر والفواحش والكذب والجهل، كما هو الموصوف عندهم بصفات المجد والكمال فهو العالم والجاهل، والبصير والأعمى، والمؤمن والكافر، والناكح والمنكوح، والصحيح والمريض، والداعي والمجيب، والمتكلم والمستمع، وهو عندهم هوية العالم ليس له حقيقة مباينة للعالم، وقد يقولون لا هو العالم ولا غيره، وقد يقولون: هو العالم أيضا وهو غيره، وأمثال هذه المقالات التي يجمع فيها في المعنى بين النقيضين مع سلب النقيضين (بغية المرتاد ص408).
وفي كتاب العرش (1/ 91) يقول الحافظ الذهبي
وهؤلاء الاتحادية يجمعون بين النفي العام والإثبات العام فعندهم أن ذاته لا يمكن أن ترى بحال وليس له اسم ولا صفة ولا نعت، إذ هو الوجود المطلق الذي لا يتعين، وهو من هذه الجهة لا يرى ولا اسم له.
ويقولون: إنه يظهر في الصور كلها، وهذا عندهم هو الوجود الاسمي لا الذاتي، ومن هذه الجهة فهو يُرى في كل شيء، ويتجلى في كل موجود، لكنه لا يمكن أن ترى نفسه، بل تارة يقولون كما يقول ابن عربي: ترى الأشياء فيه، وتارة يقولون يرى هو في الأشياء وهو تَجلِّيه في الصور، وتارة يقولون كما يقول ابن سبعين:
عين ما ترى ذات لا ترى … وذات لا ترى عين ما ترى
وهم مضطربون لأن ما جعلوه هو الذات عدم محض، إذ المطلق لا وجود له في الخارج مطلقاً بلا ريب، لم يبق إلا ما سموه مظاهر ومجالي، فيكون الخالق عين المخلوقات لا سواها، وهم معترفون بالحيرة والتناقض مع ما هم فيه من التعطيل والجحود. وفي هذا يقول ابن عربي:
فإن قلت بالتنزيه كنت مقيداً … وإن قلت بالتشبيه كنت محدداً
ثم قال الذهبي في 1/ 92 من المرجع السابق
كلام غلاة المعطلة المتقدم ذكره يدور على أحد أصلين:
1ـ الأصل الأول: النفي والتعطيل الذي يقتضي عدمه، بأن جعلوا الحق لا وجود له، ولا حقيقة له في الخارج أصلاً وإنما هو أمر مطلق في الأذهان. وهذا الذي عليه المكذبة النفاة، والمتجاهلة الواقفة، والمتجاهلة اللاأدرية.
2ـ الأصل الثاني: أن يجعلوا الحق عين وجود المخلوقات، فلا يكون للمخلوقات خالق غيرها أصلاً، ولا يكون رب كل شيء ولا مليكه. وهذا الذي عليه حال أهل وحدة الوجود الاتحادية في أحد حاليهم فهذا حقيقة قول القوم وإن كان بعضهم لا يشعر بذلك.
وفي كتاب الرد على القائلين بوحدة الوجود المسمى “مرتبة الوجود ومنزلة الشهود” صـ13 لعلي بن سلطان محمد، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (ت 1014هـ) المعروف بملا علي القاري المحقق: علي رضا بن عبد الله بن علي رضا
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله الَّذِي أوجد الْأَشْيَاء شَرها وَخَيرهَا وَهُوَ فِي عين أهل الْحق يكون غَيرهَا وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم على من بَين نَفعهَا وضرها وعَلى آله وَأَصْحَابه وَأَتْبَاعه وأحزابه السائرين فِي السلوك سَيرهَا.
أما بعد… فَيَقُول الملتجئ إِلَى حرم ربه الْبَارِي عَليّ بن سُلْطَان مُحَمَّد الْقَارِي إِنَّه ورد سُؤال من صَاحب حَال مضمونه أَنه قَالَ بعض المتصوفة للمريد عِنْد تلقينه كلمة التَّوْحِيد: اعْتقِد أَن جَمِيع الْأَشْيَاء بِاعْتِبَار بَاطِنهَا مُتحد مَعَ الله تَعَالَى وَبِاعْتِبَار ظَاهرهَا مُغَاير لَهُ وسواه.
فَقلت: هَذَا كَلَام ظَاهر الْفساد مائل إِلَى وحدة الْوُجُود أَو الإتحاد كَمَا هُوَ مَذْهَب أهل الْإِلْحَاد؛ فالتمس مني بعض الإخوان أَن أوضح هَذَا الْأَمر وفْق الْإِمْكَان من الْبَيَان.
فَأَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَبِيَدِهِ أزمة التَّحْقِيق إِن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَانَ وَلم يكن قبله وَلَا مَعَه شَيْء عِنْد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة بِإِجْمَاع الْعلمَاء خلافًا للفلاسفة، وَبَعض الْحُكَمَاء مِمَّن يَقُول بقدم الْعَالم وَوُجُود بعض الْأَشْيَاء، وَهُوَ مَرْدُود لقَوْله تَعَالَى: {الله خَالق كل شَيْء} أَي مَوْجُود مُمكن فِي عَالم مشهود وَمن الْمحَال أَن يكون الْحَادِث بباطنه متحداً بالقديم الموجد مَعَ أَنه مُخَالف لمَذْهَب الموحد فَإِن الإثنينية تنَافِي الْوحدَة اليقينية قَالَ الله تَعَالَى {لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ} فَكيف بالآلهة المتعددة وَالَّذِي يعرف من السَّادة الصُّوفِيَّة أَنهم يَقُولُونَ يَنْبَغِي للسالك أَن ينظر حَال تكَلمه كلمة التَّوْحِيد عِنْد لَا إِلَه بِنَظَر النَّفْي والفناء إِلَى السوى وَعند إِلَّا الله الثُّبُوت والبقاء إِلَى الْمولى وَقد تقرر فِي علم العقائد أَن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَيْسَ محلاً للحوادث فَإِن الْحُدُوث عبارَة عَن وجودٍ لَاحقٍ لعدمٍ سَابق، فَيكون مَعَ الْقَدِيم غير لَائِق، ثمَّ الْمَقْصُود من كلمة التَّوْحِيد نفي كَون الشَّيْء يسْتَحق الْعُبُودِيَّة، وَإِثْبَات الربوبية لمن لَهُ اسْتِحْقَاق الألوهية، وَإِلَّا فالكفار كَانُوا عارفين للوجود، ومغايرته لما سواهُ، كَمَا أخبر بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْهُم بقوله {وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض} أَي أوجد العلويات والسفليات من حيّز الْعَدَم إِلَى صفحة الْوُجُود ليَقُولن الله أَي الذَّات الْوَاجِب الْوُجُود
وفي المرجع السابق “مرتبة الوجود ومنزلة الشهود” صـ 27 لعلي بن سلطان محمد، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (المتوفى: 1014هـ) المعروف بملا علي القاري
ثمَّ هَؤُلَاءِ الجهلة بعقولهم الكاسدة، وآرائهم الْفَاسِدَة، يَزْعمُونَ أَنهم يُرِيدُونَ التَّوْفِيق بَين الدَّلَائِل الَّتِي عِنْدهم مِمَّا يسمونها العقليات، وَهِي فِي الْحَقِيقَة مَحْض الجهليات، وَبَين الدَّلَائِل النقلية، المنقولة عَن الْكتاب وَالسّنة، وَقد يتفوهون: أَنهم يُرِيدُونَ التَّحْقِيق والتدقيق، بالتوفيق بَين الشَّرِيعَة والفلسفة كَمَا يَقُول كثير من المبتدعة من المتنسكة، والجهلة من المتصوفة، حَيْثُ يَقُولُونَ: إِنَّمَا نُرِيد الْإِحْسَان بِالْجمعِ بَين الْإِيمَان والإتقان، والتوفيق بَين الشَّرِيعَة والحقيقة؛ ويدسون فِيهَا دسائس مذاهبهم الْبَاطِلَة، ومشاربهم العاطلة، من الِاتِّحَاد والحلول والإلحاد والاتصال وَدَعوى الْوُجُود وَالْمُطلق وَأَن الموجودات عين الْحق ويتوهمون أَنهم فِي مقَام الجمعية وَالْحَال أَنهم فِي عين التَّفْرِقَة والزندقة، وكما يَقُول كثير من الْمُلُوك والحكام والأمراء إِذا خالفوا فِي بعض أَحْكَام الْإِسْلَام: إِنَّمَا نُرِيد الْإِحْسَان بالسياسة الْحَسَنَة والتوفيق بَينهمَا وَبَين الشَّرِيعَة المستحسنة؛ فَكل من طلب أَن يحكم فِي شَيْء من أَمر الدّين غير مَا هُوَ ظَاهر الشَّرْع الْمُبين لَهُ نصيب من ذَلِك وَهُوَ هَالك فِيمَا هُنَالك.
وفي المرجع السابق “مرتبة الوجود ومنزلة الشهود” (ص 33)
وَقَالَ الشَّيْخ الْعَلامَة شرف الدّين ابْن المقريء وَلِهَذَا طَائِفَة من الْعَوام وَقَعُوا فِي الْفِتْنَة من هَذَا الْكَلَام وَقَالُوا هَذَا الْكَلَام بَاطِن لَا يعرفهُ إِلَّا أهل الإلهام ولبسوا على النَّاس حَتَّى أصغى الْجَاهِل إِلَى أَقْوَالهم من أَن كل شَيْء هُوَ الله وَأَن الْخَالِق هُوَ الْمَخْلُوق وَأَن الْمَخْلُوق هُوَ الْخَالِق وَأَن الألوهية بالجعل، فَمن جَعَلْتَه إلهك، فقد عَرفتَه وَمَا عرفك، وَأَن الْمَنْفِيّ فِي لَا إِلَه إِلَّا الله هُوَ الْمُثبت، فَجعلُوا كلمة الشَّهَادَة مَا لَا معنى لَهُ، وَلَا فَائِدَة تَحْتَهُ، وَأَشْبَاه هَذَا من كَلَامهم مَا لَا يُحْصى كَثْرَة، وَهُوَ فِي كِتَابه يَأْمر بِعبَادة الْأَوْثَان، والتنقل فِي الْأَدْيَان، بقوله: إياك أَن تقتصر على مُعْتَقد وَاحِد فيفوتك خير كثير، فَاجْعَلْ نَفسك هيولى لسَائِر المعتقدات؛ فَمَا كتبه إِلَّا كَسُمٍّ دُسَّ فِي الْإِسْلَام، ومصيبة أُصِيب بهَا كثير من الْأَنَام،
وفي شرح العقيدة الطحاوية للإمام ابن أبي العز الحنفـي صـ 28 تحقيق الشيخ شاكر
وهذا القول قد أفضى بقوم الى القول بالحلول والإتحاد ، وهو أقبح من كفر النصارى ، فإن النصارى خصوه بالمسيح ، وهؤلاء عموا جميع المخلوقات. ومن فروع هذا التوحيد : أن فرعون وقومه كاملو الإيمان ، عارفون بالله على الحقيقة .
ومن فروعه : أن عباد الأصنام على الحق والصواب ، وأنهم إنما عبدوا الله لا غيره.
ومن فروعه : أنه لا فرق في التحريم التحليل بين الأم والأخت والأجنبية، ولا فرق بين الماء والخمر، والزنا والنكاح ، والكل من عين واحدة ، لا بل هو العين الواحدة
ومن فروعه : أن الأنبياء ضيقوا على الناس .
تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

مصادر الشَّرعيَّة لأنظمة الحُكم في الدُّول الإسلاميَّة 1من 8

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. يستعرض هذا القسم أهمَّ …