أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / “بيت الرب” في الكتاب المقدَّس بين العقائد الوثنيَّة والمصادر الإسلاميَّة 5 من 6

“بيت الرب” في الكتاب المقدَّس بين العقائد الوثنيَّة والمصادر الإسلاميَّة 5 من 6

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

نختتم هذه النقطة بالإشارة إلى الآيات الكريمة (44-48) من سورة المائدة، ولعلَّ أهم ما يتعلَّق بهذه الدراسة فيها التأكيد على أنَّ الربَّانيين والأحبار قد استأمنهم الله تعالى على التوراة وأمرهم ألَّا يحرِّفوها ابتغاء المصالح الدنيوية الزائلة، وأنَّ الإنجيل جاء متَّفقًا مع التوراة ومكمِّلًا لها، وأنَّ القرآن الكريم قد جاء متمِّمًا لرسالة السماء ومصدِّقًا لما سبقه من الكتب، مثل الإنجيل، ولكنَّه يتميَّز عن التوراة والإنجيل معًا بأنَّ الله تعالى قد جعله “مُهَيْمِنًا” على ما سبقه من كتب، أي شاهدًا على ما صحَّة ما سبق وحاكمًا على ذلك، وفق تفسير عبد الله بن عبَّاس (رضي الله عنهما):

“إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ  يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فأولئك هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فأولئك هُمُ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنَا على آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فأولئك هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ولكن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)” (سورة المائدة: 44-48). 

ينبغي في هذه المرحلة إيضاح عدد من النقاط التي خالف فيها الكتاب المقدَّس القرآن الكريم والأحاديث النبويَّة، مما يعني بطلانها وفق ما تنصُّ عليه الآية 48 من سورة المائدة “وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ“، مما يعني أنَّ مخالفة الكتاب المقدَّس لما جاء في القرآن الكريم هو نتيجة تحريف، ولعلَّ في نهي الله عن تحريف الكتاب ابتغاء متاع زائل في الآية 44 “فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا” يشير إلى أنَّ مخالفة الكتاب المقدَّس للمصادر الإسلامية نتجت عن تبديل آيات الله. وأهم نقاط المخالفة المتعلِّقة بهذه الدراسة:

1.إدخال مفهوم خاطئ عن أبوَّة الربِّ للبشر، واتِّخاذ الثالوث-الرامز إلى ثالوث الذكر-رمزًا له، سواءً كان الثالوث سيفًا أو صليبًا أو عمودًا. وقد ورد في سفر حزقيال وصف صريح من الربِّ للأرض بالمرأة التي أنجبها منها. ويتعارض هذا بالكليَّة مع قوله تعالى في الآية 18 من سورة المائدة من أساسه “وَقَالَتِ الْيَهُودُ والنصارى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ”.

2.تقديم الربِّ باعتباره مصدرًا للنور، واتِّخاذ الشمس رمزًا له، بل وادِّعاء إمكانية رؤيته بالعين المجرَّدة، كما جاء في أسفار الخروج واشعياء ومزموري 84 و113. وتشترك الأناجيل الأربعة المعترف بها في تحديد وقت صلب المسيح ليكون في عتمة الليل، ووقت قيامته ليكون مع بزوغ شمس الصباح. وتنفي الآية 35 من سورة النور “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” هذا تمامًا. فقد ورد في تفسير عبد الله بن عبَّاس-حبر الأمَّة وترجمان القرآن وصحابي رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم) –أنَّ المقصود بنور الله هداه الذي أسبغه على الخلق.

3.نسب بناء بيت الربِّ لسليمان الملك تنفيذًا لوصيَّة أبيه، وهذا افتراء بالكلِّية لأنَّ ما فعله نبي الله سليمان بن داود (عليهما وعلى سائر أنبياء الله أزكى الصلوات وأتم التسليم) هو إعادة بناء المسجد الأقصى بعد تحرير القدس من جالوت وقومه. فقد ورد في حديث الصحابي أبي ذرٍّ الغفاري (رضي الله عنه وأرضاه)، الذي أخرجه الإمام البخاري: “قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: “المسجد الحرام”، قال: قلت ثم أي؟ قال: “المسجد الأقصى“، قلت: كم كان بينهما؟ قال: “أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة فصلِّ، فإنَّ الفضل فيه.”

4.ادِّعاء أنَّ سليمان قد أدخل البدع والطقوس الوثنية، من خلال الذبح على المرتفعات وإيقاد النار عليها، وبناء الهيكل ليكون أشبه ما يمكن بمعابد آلهة الشمس، كما تبيَّن من تحليل كافة رموزها (صفحات 30-38). تنفي الآيات (28-31) من سورة النمل هذا الادِّعاء جملةً تفصيلًا: “اذْهَب بِّكِتَابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31).” مع تدقيق النظر في هذا الوصف السلبي لنبي الله سليمان الذي يبطله القرآن الكريم، نجد أنَّ من أشاعه أراد تشويه سيرة أحد الأنبياء، ولا يصدر ذلك إلا ممَن امتلأ قلبه بالحقد على النبي. والسؤال يطرح نفسه، ما مصدر هذا الحقد؟

ربَّما إذا تأمَّلنا في الآيات (36-38) من سورة ص “فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38)”، وفي الآية 14 من سورة سبأ “فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ“، لفهمنا أنَّ الافتراء على نبي الله سليمان ربَّما يكون بإيعاز من الشياطين الذين صبَّ عليهم سليمان أشدَّ ألوان العذاب، بالإجبار على العمل في خدمته-وهم “كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ“-وكان العذاب مصير كلِّ من حاد عن أمره-وهم المقصودين بقوله “وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ“. فالشياطين هم الجنُّ الكافر العاصي لربِّه والمتمرِّد على أوامره. وكان من بين نعم الله على نبيِّه سليمان أنَّ سخَّر له الجنَّ لتعمل بين يديه، كما تقول الآية 12 من سورة النمل “وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ”، والأصل في هؤلاء كان الطاعة، أمَّا العصاة-“وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا“-فكان مصيرهم العذاب-“نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ“. وتوضح الآية 102 من سورة البقرة حقيقة افتراء الشياطين على نبي الله سليمان وتحريفهم كتاب الله بدمج آياته بتعاويذ السحر “وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ على مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكن الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ“. وقد ذكرت الآية 101 من نفس السورة أنَّ هناك من بني إسرائيل من اتَّبع الشياطين وما تتلوه. تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ أسفار العهد القديم قد نسبت إلى نبي الله سليمان مسألة إدخال طقوس عبادة الشمس، كما نسبت إلى نبي الله هارون مسألة صُنع العجل الذهبي.

تبيَّن من خلال المقارنة بين العقائد المخالفة لصحيح الإسلام أنَّ مفهوم الألوهيَّة ينبني على اعتقاد بدائي يقوم على أنَّ الإله كائن خنثوي، تجتمع فيه صفات الذكورة والأنوثة، وينتج عن التحام الزوجين الخَلْق، تمامًا كما يثمر تكاثر الذكر والأنثى من جميع الأجناس عن ذريَّة تحمل الروح الحيَّة. تبيَّن كذلك أنَّ تحريف عقيدة اليهود يرجع إلى تأثُّرهم بعقيدة بالبابليِّين، الذين عبدوا الثنائي الإلهي بعل وعشتار، فسار بنو إسرائيل على نهجهم، وعبدوا يهوه والشخيناه. ووصل الأمر إلى الزعم بأنَّ افتراق يهوه عن الشخيناه في أعقاب الخطيئة الأولى-أكل آدم من شجرة التفَّاح بتحريض من زوجه-ونزول آدم وزوجه إلى الأرض، تسبَّب في خلل كوني لن ينصلح إلَّا باقتران الثنائي الإلهي، وهذا لن يحدث إلَّا بعودة بني إسرائيل إلى الأرض المقدَّسة. وتأتي نصوص التلمود لتصدِّق على ذلك، وتزيد عليه، بأن تدَّعي أنَّ الإله ليبكي طوال الليل لأنَّه أخرج بني إسرائيل-صفوته من خلْقه-من الأرض المقدَّسة، وسمح بتدمير الهيكل.

أظهرت الدراسة أنَّ وَصْف الإله في الكتاب المقدَّس أبعد ما يكون عن الوصف القرآني، وأقرب ما يكون إلى وَصْف الديانات الوثنيَّة؛ ولعلَّ أبرز صفة أُظهر بها الإله في أسفار العهد القديم هي الظهور، والتجسُّد، والتحدُّث إلى البشر، وكلُّ ذلك ينفيه القرآن الكريم، وتعارضه السنَّة النبويَّة المطهَّرة. أمَّا بالنسبة إلى “بيت الربِّ”، أو الهيكل، فهو نموذج من معابد آلهة الشمس لدى البابليِّين، ولا يمكن أن يُنسب إلى نبي الله سليمان، الذي أرسل في دعوة عُبَّاد الشمس من أهل سبأ إلى الإسلام، وتوعَّدهم بالغزو إن لم يأتوه مسلمين. تأخذنا هذه الحقيقة إلى حقيقة أخرى، وهي أنَّ تحريف المنهج الإسلامي القويم، منذ زمن أبِّ الأنبياء إبراهيم وحتَّى زمننا هذا، كان من فِعْل جماعات اتَّخذت من العقائد الباطنيَّة بديلًا عن الوحي المنزَّل على أنبياء الله، وعادةً ما كانت بلاد المشرق منبع الفتن والبدع والمُحدثات. وكانت من بين تلك الجماعات جماعة بوذيَّة دعويَّة، أرسلها أحد ملوك الهند لنشر عقيدتهم والتبشير بعودة بوذا، فاستقرَّت تلك الجماعة قبيل ميلاد المسيح في منطقة البحر الميِّت، ومارست كافَّة طقوس عبادة الشمس، أو لتقل الإله المضيء شديد الحرارة الذي تُعتبر الشمس أقرب شكل يرمز إليه، وقامت عقيدتها بالكامل على الغنوصيَّة. تعتبر الغنوصيَّة أنَّ الإنسان ما هو إلَّا فيض صدر عن الإله ونبه من روحه، وأنسب شكل من أشكال مناجاة ذلك الإله هو جلسات تأمُّليَّة في أماكن مُظلمة ليس بها سوى مصدر واحد للضوء يكون علويًّا، فتتنزَّل الحكمة والمعرفة على العبد في تلك الحالة من السمو الروحي. انتقلت هذه العقيدة النورانيَّة من جيل إلى آخر، ووصلت إلى المسلمين لتتَّخذ صبغة مناسبة يمكن قبولها، ومن المثير للدهشة أنَّ هذه العقيدة لم تتخَّفى تحت أي مسمَّى يطمس حقيقتها. ومع ذلك، لم ينتبه الكثيرون إلى أنَّ الصوفيَّة-القبَّالة اليهوديَّة في طقوس محسوبة على الإسلام-تعني الحكمة، والحكمة هي قوام الغنوصيَّة.

غاية القبَّالة/الصوفيَّة المحسوبة على الإسلام هي مشاهدة السمو الروحاني، والانسلاخ من الجسد الترابي الدنس، وسريان الروح في الفضاء، وتنقُّلها في الملكوت إلى أن تصل إلى أعلى عليِّين، فتشاهد الإله الخالق، ثمَّ تلتحم معه، أي تعود إلى حيث صدرت. لا تلقى هذه الروح عذابًا في الآخرة؛ فكيف يعذِّبها الإله الرحيم، الذي لا غاية له سوى إسعاد خَلْقه. ما يلقى العذاب هو الجسد الترابي الدنس بطبيعته. ويؤمن مسلمون بهذه العقيدة، متجاهلين أنَّ من استكبر على الجسد الترابي هو إبليس، مصداقًا لقوله تعالى في عدَّة آيات قرآنية، منها الآية 33 من سورة الحجر “لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأ مَّسْنُونٍ”. يدَّعي المتصوِّفون أنَّ رسولنا الكريم قد رأى ربَّه ليلة الإسراء والمعراج، رغم أنَّ زوجه، السيدة عائشة بنت أبي بكر-رضي الله عنها وعن أبيها-قد نفت هذا بالكليَّة. وما يثير الاهتمام في هذا الشأن اختيار الصخرة المعلَّقة في بيت المقدس لبدأ معراج الرسول الكريم، ألم يكن الله تعالى قادرًا على أن يعرج به من المسجد الحرام؟

10-الصخرة المعلَّقة في مسجد مُصلَّى قبَّة الصخرة-المسجد الأقصى

بالطبع هو القادر المقتدر. إذًا، فلماذا عُرج بالرسول من هذه البقعة، مصداقًا لقوله تعالى في مطلع سورة الإسراء “سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ”؟ في حديث رواه مسلم، عن أنس رضي الله عنه أنَّ النبي (ﷺ) قال “أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ-وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ. يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ-قَالَ، فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. قَالَ، فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الأَنْبِيَاءُ. ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ…ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ“. وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد، قال الرسول “الشام أرض المحشر والمنشر“. على أغلب الظن، والله تعالى أعلى وأعلم، يكمن السر في اختيار هذه البقعة المباركة في أنَّ النفاذ إلى السماوات العلى يختلف عن سائر بقاع الأرض، وهذا سر اختيار نفس البقعة لحشر الناس إلى منشرهم يوم القيامة. وبما أنَّ سائر الأنبياء قد ربطوا دوابَّهم في نفس حلقة ربط براق النبي ليلة المعراج-وفق حديث أنس بن مالك-فهذا يعني عروجهم إلى السماء من نفس البقعة.

11-حلقة البراق

ولمعرفة بني إسرائيل بهذه الحقيقة، واعتقادهم النابع من طقوس القبَّالة بأنَّ الالتحام مع الربِّ يكون بالصعود إلى السماء، ولرغبتهم في استغلال هذا الصعود من مشاركة الخالق في تسيير أمور العباد، والسيطرة على أقدارهم والتحكُّم فيها، أرادوا السيطرة عليها، معتقدين أنَّ نبي الله سليمان لما بسط الله سلطانه على الأرض كان من خلال هيكل بناء بمواصفات معابد آلهة الشمس في تلك البقعة.

12-الصخرة المعلَّقة والقبَّة فوقها من الداخل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

فتح القسطنطينية – 4 من 11

أ.د. أحمد رشاد أكاديمي مصري المشهد الثالث إذكاء روح الجهاد للجند وفى أواخر …