أخبار عاجلة
الرئيسية / دين ودنيا / الحلقة التاسعة عشر: وصف النار في القرآن الكريم وأثره على الصَّحابة الكرام

الحلقة التاسعة عشر: وصف النار في القرآن الكريم وأثره على الصَّحابة الكرام

من سلسلة السيرة النبوية – عرض وقائع وتحليل أحداث

د. علي محمّد الصلابيّ

عرض مقالات الكاتب

كان الصَّحابـة يخافـون الله تعالى ويخشونـه ويرجونـه، وكان لتربيـة الرَّسول صلى الله عليه وسلم أثرٌ في نفوسهم عظيم، وكان المنهج القرآنيُّ الَّذي سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل الأفاعيل في نفوس الصَّحابة؛ لأنَّ القرآن الكريم وصف أهوال يوم القيامة، ومعالمها من قبض الأرض ودكِّها، وطيِّ السَّماء، ونسف الجبال، وتفجير البحار، وتسجيرها، ومَوْرِ السماء، وانفطارها، وتكوير الشمس، وخسوف القمر، وتناثر النُّجوم، وصوَّر القرآن الكريم حال الكفَّار، وذلَّتهم، وهوانهم، وحسرتهم، ويأسهم، وإحباط أعمالهم، وتخاصم العابدين والمعبودين، وتخاصم الأتباع وقادة الضَّلالة، وتخاصم الضعفاء والسَّادة، وتخاصم الكافر وقرينه الشَّيطان، ومخاصمة الكافر أعضاءه، وتخاصم الرُّوح والجسد، وتحدَّث القرآن الكريم عن الشَّفاعة، وبيَّن شروطها، والمقبول منها، والمرفوض، والمراد بالحساب والجزاء، وعن مشهد الحساب، وهل يسأل الكفار؟ ولماذا يسألون؟

وتحدَّث القرآن الكريم عن الاقتصاص في المظالم بين الخلق، وكيف يكون الاقتصاص في يوم القيامة، وبين المولى – عزَّ وجلَّ – في القرآن الكريم عظم شأن الدِّماء، وبين: أنَّ هناك يوم القيامة توضع الموازين الَّتي توزن بها الأعمال، وأخبر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم  عن الحوض، ومَنِ الَّذين يردون على الحوض، والَّذين يُذادون عنه، وتحدَّث القرآن الكريم عن حشر الكفَّار إلى النَّار، ومرور المؤمنين والمنافقين على الصِّراط، وخلاص المؤمنين وحدهم.

وقد كان لهذا الحديث أثره العظيم في نفوس الصَّحابة، وصوَّر القرآن الكريم ألوان العذاب في النَّار، فأصبح الرَّعيل الأوَّل يراها رأيَ العين، ومن حديث القرآن عن النَّار بيانه لكلٍّ من:

1 – طعام أهل النَّار وشرابهم ولباسهم:

أ – بيَّن القرآن الكريم: أنَّ من طعام أهل النَّار الضَّريع، والزقُّوم، وأنَّ شرابهم الحميم، والغسلين، والغسَّاق، قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ *لاَ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: 6 – 7]، وأكلهم لهذا الطَّعام هو نوعٌ من أنواع العذاب؛ فهم لا يتلذَّذون به، ولا تنتفع به أجسادهم.

أمَّا الزَّقُّوم؛ فقال تعالى فيه: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ *طَعَامُ الأَثِيمِ *كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ *كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: 43 – 46] . وقد وصف الله شجرة الزَّقوم في موضعٍ آخر، فقال: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ *إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ *إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ *طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ ﴾ [الصافات: 62 – 65] وقال: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقرآن﴾ [الإسراء: 60].

وقال في موضعٍ آخر: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّآلُّونَ الْمُكَذِّبُونَ *لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ *فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ *فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ *فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ﴾ [الواقعة: 51 – 55]، ويؤخذ من هذه الآيات: أنَّ هذه الشَّجرة شجرةٌ خبيثةٌ، جذورها تضرب في قعر النَّار، وفروعها تمتدُّ في أرجائها، وثمر هذه الشَّجرة قبيح المنظر: لذلك شبِّه برؤوس الشَّياطين، وقد استقرَّ في النُّفوس قبح رؤوسهم – وإن كانوا لا يرونهم – ومع خبث هذه الشَّجرة، وخبث طلعها إلا أنَّ أهل النَّار يُلقَى عليهم الجوع بحيث لا يجدون مفرّاً من الأكل منها، إلى درجـة ملء البطون، فإذا امتلأت بطونهم؛ أخذت تغلي في أجوافهم كما يغلي عكر الزَّيت، فيجدون لذلك الاماً مبرحةً، فإذا بلغت الحال بهم هذا المبلغ؛ اندفعوا إلى الحميم – وهو الماء الحارُّ الَّذي تناهى حرُّه – فشربوا منه كشرب الإبل التي تشرب، وتشرب، ولا تروى لمرضٍ أصابها، وعند ذلك يقطِّع الحميمُ أمعاءهم: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ﴾ [محمد: 15] هذه هي ضيافتهم في ذلك اليوم العظيم.

وإذا أكل أهل النَّار هذا الطَّعام الخبيث من الضَّريع، والزَّقُّوم؛ غَصُّوا به؛ لقبحه، وخبثه، وفساده: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيمًا *وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [المزمل: 12 – 13].

ومن طعام أهل النَّـار الغسلينُ، قال الله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ *وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِؤُونَ﴾ [الحاقة: 35 – 37]، وقـال الله تعالـى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ﴾ [ص: 57]، والغسلين، والغسَّاق بمعنىً واحدٍ، وهو ما سال من جلود أهل النَّار من القيح والصَّديد، وقيل: هو ما يسيل من فروج النِّساء الزَّواني، ومن نتن لحوم الكفرة، وجلودهم وقال القرطبيُّ: «هو عصارة أهل النَّار».

ب – أمَّا شرابهم فهو الحميم، والغسَّاق، والمهل، والصديد.

قال الله تعالى: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ﴾، [محمد: 15].

وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ [الكهف: 29]. وقال تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ *يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ﴾ [إبراهيم: 16 – 17] وقال: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ [ص: 57].

وقد ذكرت هذه الآيات أربعة أنواع من شراب أهل النَّار، هي: الحميم، وهو الماء الحار؛ الَّذي تناهى حرُّه؛ والغسَّاق، وقد مضى الحديث عنه، فإنَّه يذكر في مأكول أهل النَّار ومشروبهم؛ والصَّديد، وهو ما يسيل من لحم الكافر، وجلده؛ والمهل، وهو كعكر الزَّيت، فإذا قرب وجهه سقطت فروة وجهه فيه.

ج – لباس أهل النَّار:

قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ *سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: 49 – 50]، والقطران هو النُّحاس المُذاب.

2 – صور من عذاب أهل النَّار:

أ – تفاوت عذاب أهل النَّار:

قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ [غافر: 46] .

وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ ﴾ [النحل: 88] .

وقد حدَّث النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم  عن أخفِّ الناس عذاباً، فقال فيه: «إن أهون أهل النَّار عذاباً يوم القيامة، لَرجلٌ تُوضَعُ في أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرةٌ يغلي منها دِماغُه» [البخاري (6561 و6562) ومسلم (213)].

ب – حشرهم على وجوههم، ولفح النَّار لهم:

ومن إهانة الله لأهل النَّار: أنَّهم يُحشرون في يوم القيامة على وجوههم، عُمْياً، وصُمّاً وبُكماً، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ﴾[الإسراء: 97].

ويلقون في النَّار على وجوههم: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [النمل: 90]. ثمَّ إنَّ النَّار تلفح وجوههم، وتغشاها أبداً، لا يجدون حائلاً يحول بينهم وبينها، ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾ [المؤمنون: 104] .

ج – السَّحْب:

ومن أنواع العذاب الأليم، سحب الكفار في النَّار على وجوههم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ *يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وَجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ﴾ [القمر: 47 – 48]، ويزيد في الامهم – حال سحبهم في النَّار – أنَّهم مقيَّدون بالقيود، والأغلال، والسَّلاسل: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ *إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ *فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ﴾ [غافر: 70 – 72].

د – تسويد الوجوه:

يسوِّد الله في الدَّار الآخرة وجوهَ أهل النار بسوادٍ شديدٍ، كأنَّما حلَّت ظلمة الليل في وجوههم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: 27] .

هـ  إحاطة النَّار بالكفَّار:

لـمَّا كانت الخطايا والذنوب تحيط بالكافر إحاطة السِّوار بالْمِعْصَم، وكان الجزاء من جنس العمل، فإنَّ النار تحيط بالكفار من كلِّ جهةٍ، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ﴾ [الأعراف: 41]، والمهاد: ما يكون من تحتهم، والغواش: جمع غاشية، وهي الَّتي تغشاهم من فوقهم، والمراد: أنَّ النِّيران تحيط بهم من فوقهم، ومن تحتهم، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: 55]. وقال في موضعٍ آخر: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ ﴾ [الزمر: 16] .

وقد صرَّح بالإحاطة في موضعٍ آخر، وذلك أنَّ للنَّار سُوراً يحيط بالكفَّار، فلا يستطيع الكفار مغادرتها، أو الخروج منها، قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ﴾[الكهف: 29]، وسرادق النَّار: سورها، وحائطها الَّذي يحيط بها.

و – اطِّلاع النَّار على الأفئدة:

قال الله تعالى: ﴿كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ *نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ *الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ ﴾ [الهمزة: 4 – 7].

ز – قيود أهل النَّار، وأغلالهم، وسلاسلهم:

أعدَّ الله لأهل النَّار سلاسلَ وقيوداً ومطارقَ: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان: 4]، ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيمًا *وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [المزمل: 12 – 13]، وهذه الأغلال تُوضَع في الأعناق: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لـمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلاَلَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [سبأ: 33]، ﴿إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ ﴾ [غافر: 71]، والأنكال: هي القيود، وقد سمِّيت أنكالاً؛ لأنَّه يعذبهم، ويُنكِّل بهم بها ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيمًا ﴾ [المزمل: 12]، والسَّلاسل نوعٌ آخر من ألوان العذاب الَّتي يُقيَّد بها المجرمون، كما يُقيَّد المجرمون في الدُّنيا.

وانظر إلى هذه الصُّورة الَّتي أخبر بها الكتاب الكريم: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ *ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ ﴾[الحاقة: 30 – 32] .

ح – قَرْنُ معبوداتهم وشياطينهم في النَّار:

قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ *لَوْ كَانَ هَؤُلاَءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [الأنبياء: 98 – 99].

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ *وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ *حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ *وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ﴾ [الزخرف: 36 – 39] .

خ – حسرتهم، وندمهم، ودعاؤهم:

قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لـمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ [يونس: 54]. وعندما يطلع الكافر على صحيفة أعماله، فيرى كفره، وشركه الَّذي يؤهِّله للخلود في النَّار؛ فإنَّه يدعو على نفسه بالـثُّـبُور، والهلاك: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ *فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا *وَيَصْلَى سَعِيرًا ﴾ [الإنشقاق: 10 – 12]، ويتكرَّر دعاؤهم بالويل، والهلاك عندما يُلقَوْن في النار، ويَصْلَوْنَ حرَّها: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لاَ تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ﴾ [الفرقان: 13 – 14].

وهناك يعلو صراخهم، ويشتدُّ عويلهم، ويدعون ربَّهم املين أن يخرجهم من النَّار: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أخرجنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ﴾[فاطر: 37]. وسيعترفون في ذلك الوقت بضلالهم، وكفرهم، وقلَّة عقولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [الملك: 10]، ولكن طلبهم يرفض بشـدَّة، ويجابون بما يستحقُّ أن تجاب به الأنعام: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَآلِّينَ *رَبَّنَا أخرجنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ *قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ [المؤمنون: 106ـ 108].

لقد حقَّ عليهم القول، وصاروا إلى المصير الَّذي لا ينفع معه دعاءٌ، ولا يُقبل فيه رجاءٌ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ *وَلَوْ شِئْنَا لآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأِمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ *فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 12 – 14].

ويتوجَّه أهل النَّار بعد ذلك النِّداء إلى خزنة النَّار، يطلبون منهم أن يشفعوا لهم؛ كي يخفف الله عنهم شيئاً ممَّا يعانونه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ *قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ﴾ [غافر: 49 – 50]. وعند ذلك ينادون مالكاً، طالبين منه أن يقبض الله أرواحهم، فيريحهم من العذاب: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ *لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: 77 – 78] .

لقد خسر هؤلاء الظَّالمون أنفسهم، وأهليهم عندما استحبُّوا الكفر على الإيمان. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾[الزمر: 15] .

كان القرآن المكيُّ يربِّي المسلم على الخوف من عقاب الله، ويبيِّن للصَّحابة: أنَّ العذاب في الآخرة حسِّيٌّ ومعنويٌّ، وفي خطاب القرآن، وتوضيح النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم  للصَّحابة حقيقةَ النَّار ما يجعل الصَّحابيَّ يستجيب لأوامر الله ويجتنب نواهيه، فكان الصَّحابي يستحضر في مخيِّلته صورة الجنان، والنِّيران، ويستعدُّ للموت الَّذي هو اتٍ لا محالة، وأنَّه سوف يُسأل في وَحْدَته لا محالة، وأنَّ القبر إمَّا روضةٌ من رياض الجنَّة، أو حفرةٌ من حفر النِّيران، فالصَّحابي حين يستحضر في نفسه كلَّ هذا؛ فإنَّ قلبه يستشعر خوف الله – عزَّ وجلَّ – ومراقبته في السِّرِّ والعلن بل يندفع بكلِّيته إلى العمل الصَّالح من دعوةٍ وجهادٍ، والسَّعي لإقامة دولةٍ تحكم بشرع الله – عزَّ وجلَّ – وصناعة حضارةٍ تنقذ البشرية من ضياعها، وانحرافها عن شرع الله تعالى، ويدعو الله في خلواته، وفي سرِّه، وجهره أن يكرمه الله برفقة النَّبيين والصِّدِّيقين، والشُّهداء، والصَّالحين، وحسن أولئك رفيقاً.

إنَّ هذا التَّصُّور والفهم العميق لحقيقـة الآخرة وحقيقـة الجنَّة والنَّار، له أثره على العاملين لنهضة الأمَّة، واستعادة مجدها وعزَّتها وكرامتها، وهو أصلٌ عظيمٌ في بناء التَّصوُّر العقديِّ لأفراد الأمَّة، سار على نهجه المصطفى صلى الله عليه وسلم ؛ ولذلك لابدَّ لنا من السَّير على الطَّريق نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

المقالات اللطيفة في تراجم من كان خليفة (34)

محمد عبد الحي عوينة كاتب وداعية إسلامي. إندونيسيا. الدولة الأموية في الأندلس8- الناصر …