أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / ابن عربي وكتابه الفصوص (5)

ابن عربي وكتابه الفصوص (5)

محمد عبد الحي عوينة

كاتب وداعية إسلامي. إندونيسيا.
عرض مقالات الكاتب

ابن عربي و تفسير القرآن (1)
ويقول الشيخ محمد رشيد رضا في مقدمة تفسيره بعد ما تكلم عن التفسير الإشاري: تفسير المنار 1/18
“وقد اشتبه على الناس فيه كلام الباطنية بكلام الصوفية، ومن ذلك التفسير الذي ينسبونه للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، وإنما هو للقاشاني الباطني الشهير، وفيه من النزعات ما يتبرأ عنه دين الله وكتابه العزيز،.
قال راقمه أبو معاذ غفر الله له ولوالديه: القاشاني هذا هو أحد شراح كتاب الفصوص التي بلغت حوالي 37 شرحاً، ما بين عربي وفارسي وتركي، بل يُعَدُّ شرحه أهم شرح للفصوص.
وفي كتاب تفسير ابن عربي حقيقته وخطره للدكتور الذهبي صـ16
وما قاله الأستاذ الإمام (يعني رشيد رضا) من أن الكتاب من عمل القاشاني لا من عمل ابن عربي صوابٌ أرتضيه وأؤيده بما يلي:
أولا: أن جميع النسخ الخطية لهذا التفسير منسوبة للقاشاني، والإعتماد على النسخ المخطوطة أقوى لأنها الأصل الذي أخذت عنه النسخ المطبوعة.
ثانيا: قال في كشف الظنون: “تأويلات القرآن المعروف بتأويلات القاشاني، وهو تفسير بالتأويل على اصطلاح أهل التصوف إلى سورة “ص” للشيخ كمال الدين أبي الغنائم عبد الرازق جمال الدين الكاشي السمرقندي المتوفى سنة 730هـ أوله: “الحمد لله الذي جعل مناظم كلامه مظاهر حسن صفاته … الخ “. وقد رجعت إلى مقدمة التفسير المنسوب لابن عربي في النسخ المطبوعة قديما وفي أجزاء النسخة التي طبعت أخيراً، فوجدت أولها هذه العبارة المذكورة بنصها.
ثالثا: في تفسير سورة القصص من هذا الكتاب عند قوله تعالى: {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ … } الآية يقول: “وقد سمعت شيخنا نور الدين عبد الصمد، قدس روحه العزيز في شهود الوحدة ومقام الفناء عن أبيه أنه.. الخ ” ونور الدين هذا هو نور الدين عبد الصمد بن على النطنزي الأصفهاني، المتوفى في أواخر القرن السابع الهجري وكان شيخاً لعبد الرزاق القاشاني المتوفى سنة 730 هـ كما يستفاد ذلك من كتاب نفحات الأنس في مناقب الأولياء ص 534-5372. وغير معقول أن يكون نور الدين عبد الصمد النطنزي المتوفى في أواخر القرن السابع الهجري شيخاً لابن عربي المتوفى سنة 638هـ.
لهذا كله أقرر أن هذا التفسير ليس لابن عربي، وإنما هو لعبد الرزاق القاشاني الباطني، كما يقول الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده عليه رحمة الله، أو الصوفي المتطرف الغامض كما رأيناه من خلال هذا التفسير!!.
وابن عربي- في رأيي ورأي الكثير من العلماء: صوفي لا يقل في تطرفه وغموضه عن القاشاني وقد بلغ من أمر تطرفه وغموضه حداً جعل بعض العلماء يرمونه بالكفر والزندقة، وذلك لِمَا كان يدين به من القول بوحدة الوجود، ولِمَا كان يصدر عنه من المقالات الموهمة التي تحمل في ظاهرها كل معاني الكفر والزندقة وبين يدي كثير من النصوص الشاهدة على ذلك، نقلتها من مؤلفاته وأهمها “الفتوحات المكية”
وبعض الناس يحسن الظن بابن عربي، ومن هؤلاء الإمام السيوطي، ولكنه إذ يزكيه ويعتقد ولايته، يُحَرِّم النظر في كتبه ………
ومهما يكن من شيء فابن عربي والقاشاني كلاهما معقد في أفكاره، موهم في ألفاظه وتعابيره، مشكل أكثر فيما يقول..
ثم يقول الدكتور الذهبي في المرجع السابق صـ19
والكتاب (يعني كتاب التفسير) في جملته إن لم يكن تفسيراً باطنياً. فهو أشبه ما يكون به، من ناحية ما فيه من تفسيرات تقوم على نظرية وحدة الوجود، وما فيه من المعاني الإشارية البعيدة، ثم هو بعد ذلك يورد أحاديث لا أصل لها، وفيما يلي نماذج من هذا التفسير تكشف عما فيه من زيغ وفساد.
هذا، وينبغي أن يُعْلَم أن المعاني الظاهرة للنص القرآني لا يشترط لمعرفتها أكثر من الجريان على اللسان العربي، وكل معنى مستنبط من القرآن غير جارٍ على اللسان العربي فليس من تفسير القرآن في شيء.. لا مما يستفاد منه ولا مما يستفاد به، ومن ادعى فيه ذلك فهو مبطل في دعواه.
أما المعنى الباطن، فلا يكفي فيه الجريان على اللسان العربي وحده، بل لابد فيه مع ذلك من نور يقذفه الله تعالى في قلب الإنسان يصير به نافذ البصيرة في التفكير، ومن هذا: أن التفسير الإشاري ليس أمراً خارجاً عن مدلول اللغة، ولهذا اشترط العلماء لصحة هذا اللون من التفسير شرطين أساسيين:
أولهما: أن يصح على مقتضى الظاهر المقرر في لسان العرب، بحيث يجرى على المقاصد العربية.
ثائيهما: أن يكون له شاهد نصاً أو ظاهراً في محل آخر يشهد لصحته من غير معارض.
أما الشرط الأول: فظاهر من قاعدة كون القرآن عربيا، فإنه لو كان له فهم لا يقتضيه كلام العرب لم يوصف بكونه عربيا، ولأنه مفهوم يلصق بالقرآن وليس في ألفاظه ولا في معانيه ما يدل عليه، وما كان كذلك فلا يصح أن ينسب إلى القرآن أصلاً، ومن قال هذا فهو مُتَقَوِّلٌ على الله بالهوى والغرض.
وأما الشرط الثاني: فانه إذا لم يكن له شاهد في محل آخر، أو كان له معارض، صار من جملة الدعاوي التي تدعى على القرآن، والدعوة المجردة عن الدليل غير مقبولة باتفاق العلماء. (الموافقات للشاطبي3/394)
ثم لابد مع ذلك من اعتقاد أن المعنى الظاهر مراد الله تعالى، ومن ادعى أن الظاهر غير مراد لله عُد كافراً. اهـ . (كما سننقل عن الغزالي بعد قليل)
قال ابن الصلاح في فتاواه- وقد سئل عن كلام الصوفية في القرآن-: وجدت عن الإمام أبى الحسن الواحدي المفسر- رحمه الله- أنه قال: صنف أبو عبد الرحمن السلمي حقائق التفسير، فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر. (فتاوى ابن الصلاح ص 29)
موقف ابن عربي من التفسير الإشاري: يقول الدكتور حسين الذهبي في المرجع السابق صـ 19، 20
صرح ابن عربي في فتوحاته:
بأن مقالات الصوفية في كتاب الله ليست إلا تفسيراً حقيقياً لمعاني القرآن الكريم، وشرحاً لمراد الله من ألفاظه وآياته، ويقول بكل صراحة: أن تسميتها إشارة ليس إلا من قبيل التقية والمداراة لعلماء الرسوم أهل الظاهر.. وفي هذه المقالة يحمل حملة شعواء على أهل الرسوم- على حد تعبيره- الذين ينكرون عليه وعلى غيره من الصوفية هذا المسلك في التفسير. وإليك ما قاله بالنص، لتقف على رأيه الصريح الذي لا لبس فيه ولا خفاء.
مقالة ابن عربي في التفسير الإشاري:
“اعلم أن الله عز وجل لما خلق الخلق، خلق الإنسان أطواراً، فمنا العالم والجاهل، ومنا المنصف والمعاند، ومنا القاهر ومنا المقهور، ومنا الحاكم ومنا المحكوم، ومنا المتحكم ومنا المتحكم فيه، ومنا الرئيس ومنا المرءوس، ومنا الأمير ومنا المأمور، ومنا الملك ومنا السوقة، ومنا الحاسد ومنا المحسود، وما خلق الله أشق ولا أشد من علماء الرسوم على أهل الله المختصين بخدمته.. العارفين به من طريق الوهب الإلهي الذي منحهم أسراره في خلقه، وفهمهم معاني كتابه، وإشارات خطابه فهم لهذه الطائفة مثل الفراعنة للرسل عليهم السلام، لما كان الأمر في الوجود الواقع على ما سبق به العلم القديم- كما ذكرنا- عدل أصحابنا إلى الإشارات، فكلامهم- رضي الله عنهم- في شرح كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إشارات، وإن كان ذلك حقيقة وتفسيراً لمعانيه النافعة، ورد ذلك كله إلى نفوسهم مع تقديرهم إياه في العموم وفيما نزل فيه، كما يعلمه أهل اللسان الذين نزل الكتاب بلسانهم، فعم به- سبحانه- عندهم الوجهين كما قال: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ} ، يعني الآيات المنزلة في الآفاق وفي أنفسهم، فكل آية منزلة لها وجهان:
وجه يرونه في نفوسهم، ووجه آخر يرونه فيما خرج عنهم، فيسمون ما يرونه في نفوسهم إشارة ليأنس الفقيه صاحب الرسوم إلى ذلك ولا يقولون في ذلك أنه تفسير وقاية لشرهم وتشنيعهم في ذلك بالكفر عليه، وذلك لجهلهم بمواقع خطاب الحق، واقتدوا في ذلك بسنن الهدى، فإن الله كان قادرا على تنصيص ما تأوله أهل الله في كتابه، ومع ذلك فما فعل، بل أدرج في تلك الكلمات الإلهية التي نزلت بلسان العامة علوم معاني الاختصاص التي فهمها عباده حين فتح لهم فيها بعين الفهم الذي رزقهم.
ولو كان علماء الرسوم ينصفون لاعتبروا في نفوسهم …….ومع هذا الفضل المشهود لهم فيما بينهم في ذلك، ينكرون على أهل الله إذا جاءوا بشيء مما يغمض عن إدراكهم، وذلك لأنهم يعتقدون فيهم أنهم ليسوا بعلماء، وأن العلم لا يحصل إلا بالتعلم المعتاد في العرف،………. فصدق علماء الرسوم عندنا فيما قالوا: أن العلم لا يكون إلا بالتعلم وأخطأوا في اعتقادهم أن الله لا يعلم من ليس بنبي ولا رسول بقول الله: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} وهي العلم، وجاء بمن وهي نكرة، ولكن علماء الرسوم لما آثروا الدنيا على الآخرة، وآثروا جانب الخلق على جانب الحق وتعودوا أخذ العلم من الكتب ومن أفواه الرجال الذين من جنسهم ورأوا- في زعمهم- أنهم من أهل الله بما علموا وامتازوا به على العامة، حجبهم ذلك عن أن يعلموا أن لله عباداً تولى الله تعليمهم في سرائرهم، بما أنزله في كتبه وعلى السنة رسله، وهو العلم الصحيح، عن العالم المعلم، الذي لا يشك مؤمن في كمال علمه ولا غير مؤمن، فان الذين قالوا: إن الله لا يعلم الجزئيات ما أرادوا نفي العلم عنه، وإنما قصدوا بذلك أنه تعالى لا يتجدد له علم بشيء، بل علمها مندرجة في علمه بالكليات، فأثبتوا له العلم- سبحانه- مع كونهم غير مؤمنين، وقصدوا تنزيهه- سبحانه- في ذلك وإن أخطأوا في التعبير عن ذلك، فتولى الله بعنايتة لبعض عباده تعليمهم بنفسه، بإلهامه وإفهامه إياهم {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} في أثر قوله {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} فبين لها الفجور من التقوى إلهاما من الله لها لتتجنب الفجور وتعمل بالتقوى.
أين عالم الرسوم من قول علي بن أبى طالب- رضي الله عنه- حين أخبر عن نفسه: أنه لو تكلم في الفاتحة من القرآن لحمل منها سبعين وقرأ؟ ( قال راقمه: هذا كلام لا أصل له)هل هذا إلا من الفهم الذي أعطاه الله في القرآن؟ فاسم الفقيه أولى بهذه الطائفة من صاحب علم الرسم، فإن الله يقول فيهم {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} فأقامهم مقام الرسول في التفقه في الدين والإنذار، وهو الذي يدعو إلى الله على بصيرة كما يدعو رسول الله لصلى الله عليه وسلم على بصيرة لا على غلبة ظن كما يحكم عالم الرسوم، فشتان بين من هو فيما يفتى به وبقوله على بصيرة.
إذ يقول من هو من أهل الله: إن الله ألقى في سرى مراده بهذا الحكم في هذه الآية، أو يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في واقعتي فأعلمني بصحة هذا الخبر المروي عنه، وبحكمه عنده. قال أبو يزيد البسطامي- رضي الله عنه- في هذا المقام يخاطب علماء الرسوم: “أخذتم علمكم ميتاً عن ميتٍ، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت”. يقول أمثالنا: حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون حدثني فلان.. وأين هو؟ قالوا: مات. عن فلان، وأين هو؟ قالوا؟ مات.
وكان الشيخ أبو مدين- رحمه الله- إذا قيل له: قال فلان، عن فلان، عن فلان، يقول: ما في يد نأكل قديدا هاتوا ائتوني بلحم طري- يرفع همم أصحابه- فأولئك أكلوه لحما طريا، والواهب لم يمت، وهو أقرب إليكم من حبل الوريد.
والفيض الإلهي والمبشرات ما سُدَّ بابها، وهي من أجزاء النبوة، والطريق واضحة، والباب مفتوح، والعمل مشروع، والله يهرول لِتَلَقِّى من إليه يسعى، وما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، وهو معهم أينما كانوا، فمن كان معك بهذه المثابة من القرب- مع دعواك العلم بذلك والإيمان به- لم تترك الأخذ عنه والحديث معه، وتأخذ عن غيره ولا تأخذ عنه، فتكون حديث عهد بربك … ” انتهى من الفتوحات المكية 28/ 279.
وسيأتي رد الدكتور حسين الذهبي على ابن عربي

شاهد أيضاً

استراتيجية “تركيز القوة والنفوذ” للانتقال من حكم المجلس العسكري إلى حكم السيسي الفردي

محمد عماد صابر برلماني مصري سابق في الوقت الذي يلملم فيه العام 2019، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.