أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / بَعْضُ لَمَحاتٍ مِنْ حَياة (١) عصام العطار

بَعْضُ لَمَحاتٍ مِنْ حَياة (١) عصام العطار

عصام العطّار

مفكر إسلامي
عرض مقالات الكاتب

وُلِدْتُ ونَشَأتُ في أسْرَةٍ حُسَيْنِيَّةِ النَّسَب مِنْ أعرَقِ الأسَرِ الدّينِيَّةِ والعلمِيَّةِ في بلادِ الشّام

كانَ والِدي رَحِمَهُ الله مِنَ العُلَماءِ الأدَباء ورِجالِ القَضاءِ العدلي والشّرعي، وكانَ فارِساً شُجاعاً يُحْسِنُ رُكوبَ الخيل واستِخْدامَ السِّلاح

قاوَمَ جمعيّة الاتِّحاد والترَقّي أيّام الخِلافَة العُثمانِيَّة وحُكِمَ بالإعدام ثُمَّ نُفِيَ سَنَوات إلى تركِيّا

وكانَ سَخِيَّ الدَّمْعَةِ مُرْهَفَ الحِسِّ والشُّعورِ ما ذَكَرَ الرَّسولَ صَلّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ مَرَّةً إلاّ دَمِعَت عيناه، وما ذَكَرَ أباهُ -وكانَ أبوهُ عالِماً كبيراً صالِحاً- إلاّ دَمِعَتْ عيناه

وكانَ شَديدَ الحَنانِ والعطفِ على أبنائِه يُؤْثِرُهُم دائِماً على نفسِه.. لَمْ يَضْرِب أحَداً منهُم قَطّ مهما اشتَدَّ بهِ الغَضَب ولَمْ يَرُدَّ لأحَدِهِم طَلَباً يقدِرُ عليهِ ولا يأباهُ الشَّرع

كُنّا نَعيشُ في بيتِنا حَياةً إسلامِيَّةً:
نُصَلّي ونَصوم ونقرَأ القرآن وندرُسُ الحديثَ والفِقْه ونحتَفي بالمُناسَباتِ الإسلامِيَّةِ المُخْتَلِفَة

لَمْ تُحْوِجْني ثَقافَتي البيتِيَّة إلى كَثيرٍ مِنَ الدِّراسَةِ والجهدِ في المدرَسَةِ الابتِدائِيَّة، وكانَتْ نفسي تَميلُ بي مُبَكِّراً إلى قِراءاتٍ أخرَى، وموضوعاتٍ أخرَى نالَتْ أكثَرَ اهتِمامي ووقتي

كنتُ مؤمِنَ القلبِ والسُّلوك صادِقَ الإيمان؛ ولكِنَّني كنتُ أشعُرُ برَغبَةٍ وشوق إلى أن أجمَعَ إلى إيمانِ القلبِ والسُّلوك والعادَةِ والأسرَةِ والمجتَمَع إيمانَ المعرِفَةِ والفكر، وبَلَغَتْ هذِهِ الرَّغبَة عِنْدي مَداها بعدَ الشَّهادَةِ الابتِدائِيَّة وقبلَ المرحَلَةِ الثّانَوِيَّة، إلى أن مَلَكَتْ عَلَيَّ جوانِبَ فكري ونفسي، فانقَطَعتُ عَنِ الحَياةِ العامَّة وعَنِ الزوّارِ والأصدِقاء واعتَكَفتُ شُهوراً في بيتي، وكتبتُ على بابِ غرفَتي (وهذا أمرٌ أضحَكُ منهُ الآن، وأستَغْفِرُ منهُ الله): „عَمّان“، فإذا سَألَ سائِلٌ عَنّي رَجَوْتُ أهلي أنْ يَقولوا: هُوَ في عَمّان، فقد كنتُ مشغولاً بنفسي وفكري عن كُلِّ إنسان. قَضَيتُ شُهوراً وأنا أقرأ وأفَكِّر وأدعو اللهَ عَزَّوَجَلّ أن يهدِيَني ويُعينَني، حَتَّى أشْرَقَ في قلبي يَقينٌ فِكْريّ مَعَ اليَقينِ القلبيّ، وتَكامَلَ إيمانُ القلبِ والعقلِ والحَياة..

وتَفَجَّرَت في نفسي نشوَةٌ لا توصَف، نشوَةٌ شعرتُ معها أنَّنِي غَدَوْتُ بيَقيني القلبيِّ والفِكْرِيِّ الأصيلِ الجَديد أكبَرَ مِنَ الدنيا وما في الدنيا، ووجدتُ لِساني يَجري بهذِهِ الأبيات التي كنتُ أستَحي مِنْ روايَتِها والتي نَدَرَ أن سَمِعَها أحَدٌ مِنّي:

أنا فوقَ اليأسِ فوقَ الأمَلِ … فوقَ ما يُرْجَى وما يُرْتَقَبُ

فوقَ ما يَسْعَى لَهُ النّاسُ فَلا … يَزْدَهيني مَظْهَرٌ أو مَنْصِبُ

لا رَآني اللهُ أهْفُو فَرَحاً … في الدُّنا مِنْ أَجْلِها أو أغْضَبُ

أنا فردٌ في غِنىً من رَبّهِ … قدْ كَفاهُ رَبُّهُ ما يَطلُبُ

وسألتُ نفسي:

  • ما هِيَ أهدافُكَ وماذا تطلُبُ في المستقبَل؟
  • هَلْ تُريدُ شَهادَةً ومَناصِبَ حُكومِيَّة؟
  • قلتُ: لا
  • هل تُريدُ مالاً وكسباً؟
  • قلتُ: لا
  • فَلِمَ تسلُكُ إذَن طَريقَ الدِّراسَةِ الرّوتينِيَّةِ الرَّسمِيَّةِ الطَّويل، وأنتَ تستَطيعُ بجُهدِكَ الشَّخصي أن تبلُغَ مِنَ العلمِ والمعرِفَةِ والثَّقافَةِ التي تحتاجُها في وقتٍ أقصَر ما هُوَ أجدَى وأوفَر، وأكثَرُ تلبيَةً لِحاجاتِكَ وتَطَلُّعاتِكَ وتحقيقِ أهدافِكَ في المستقبَل؟

واتَّخَذْتُ في السَّنَةِ الثّالِثَةِ عشر مِنْ عُمُري هذا القَرارَ الجذرِيَّ الخَطير الذي لا أنصَحُ بمِثلِهِ أحَداً غيري، والذي صَدَمَ أهلي وأصحابي وسَبَّبَ لي غيرَ قَليلٍ مِنَ العَنَت: أن أترُكَ طريقَ الدِّراسَةِ الرَّسمي وأن أعتمِدَ على نفسي في تعليمِ نفسي، وتثقيفِ نفسي، وتكوينِ نفسي حَسْبَ حاجاتِ ومُتَطَلَّباتِ ديني وأمَّتي وبلادي وعالَمي وعصري.. وقد مَكَّنَني ذلِكَ مِنْ أنْ يَبْدَأ دوري مُبَكِّراً في حَياةِ مجتمعي وبلادي بوجهٍ جَديد، وروحٍ جَديد وأسلوبٍ جَديد وفَتَحَ لي مِنَ الآفاقِ وأبوابِ الدنيا -لَوْ أرَدْتُ الدنيا- ما لم يَكُن يَخْطُرُ لي ببال

أنا والدنيا

أردتُ اللهَ ورَسولَهُ والدارَ الآخِرَة، والخدمَةَ الخالِصَة لأمَّتي وبلادي والإنسانِيَّةِ والإنسانِ عَلَى حِسابِ الدنيا ومَناصِبِ الدنيا ومَكاسِبها ومغرياتِها، فانفَتَحَتْ هي لي وسَعَتْ إليَّ مناصِبُها ومَكاسِبُها ومغرياتُها لو رَغِبْتُ في ذلِكَ أو قَبلتُه

لَقَدْ كانَ لي من مطالعِ شَبابي تأثيرٌ في المجتمعِ والشَّعب وقَبولٌ مِنَ النّاسِ والشَّعب وذِكْرٌ جَميلٌ في النّاسِ والشَّعب، فَعُرِضَتْ عَلَيَّ الوزارَةُ في آخِرِ عهدِ الوحدَةِ السوريَّةِ المصرِيَّة بعدَ خلافِ عبد الناصر مع الشيوعِيّين أوَّلاً ثُمَّ مَعَ البعثِيّين فَما قبلت، فقد كُنْتُ أرفُضُ الدكتاتوريَّة والاستِبْداد بمِقْدارِ ما أيَّدْتُ الوحدَة.

ولم أقبل الدُّخول في أوَّلِ وزارَةٍ بعدَ الانفِصال رَغْمَ إلحاحِ رَئيسِها الصَّديق الدكتور معروف الدواليبي ورئيس الجمهوريّة الدكتور ناظم القدسي، وقد تأخّرَ صُدورُ مَراسيمِ تأليف الوزارة أمَلاً بقبولي فَما قبلت.

بعدَ استِقالَةِ الدكتور بشير العظمة الذي أسقطتُ وزارتَهُ التي كان يدعمُها الشُيوعِيّون والاشتِراكِيّون والجيش.. أسقَطتُها بخُطبي مِنْ عَلَى منبر مسجد الجامعَةِ السوريَّة وقد كانَ يَقِفُ مَعي ويُؤَيّدُني في تِلْكَ الفَتْرَة أكثَرُ أبناءِ الشَّعب

بعدَ استِقالَةِ الدكتور بَشير العظمة وقبل تكليف السيد خالد العظم بتأليف الوزارة حاول رَئيسُ الجمهوريّة بالاتِّفاقِ مَعَ الزعماءِ الانفِصالِيّينَ الذينَ يختلِفونَ مَعي أن يقنعَني بتشكيلِ الوزارة بشرط يشترطُهُ الانفِصالِيّون: ألاّ أقَيِّدَ قُوَى الأمن في مواجهةِ مظاهراتِ الوحدَوِيّين بالوَسائِلِ التي يرونَها، فرَفَضْتُ وشَجَبْت

أمّا المُساوَماتُ والمغرِياتُ الدّاخِلِيَّة والخارجيَّة فَحَدِّث ولا حَرَج في وقتٍ عانيتُ فيهِ وزوجَتي بنان رَحِمَها اللهُ تَعالَى من ضيقِ العيشِ وصُعوبَةِ الحَياةِ ما لا يعلَمُهُ إلاّ الله.
رَحِمَها اللهُ تَعالَى فقد كانت سَنَداً وعوناً على الحَياةِ الصَّعبَة والمَواقِفِ الصَّعبَة في الزَّمَنِ الصَّعب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الاقتران العقلي والمنهجي بين صحيفة قريش القاطعة الظالمة والدعوة إلى مقاطعة البضائع التركية!!

زهير سالم مدير مركز الشرق العربي وحين يئست قريش من رسول الله …