أخبار عاجلة
الرئيسية / دين ودنيا / الحلقة الثامنة عشر (18): وصف الجنَّة في القرآن الكريم، وأثره على الصَّحابة الكرام

الحلقة الثامنة عشر (18): وصف الجنَّة في القرآن الكريم، وأثره على الصَّحابة الكرام

من سلسلة السيرة النبوية – عرض وقائع وتحليل أحداث

د. علي محمّد الصلابيّ

عرض مقالات الكاتب

ركَّز القرآن المكِّيُّ على اليوم الآخر غاية التَّركيز، فقلَّ أن توجد سورةٌ مكِّيَّةٌ لم يذكر فيها بعض أحوال يوم القيامة، وأحوال المنعَّمين، وأحوال المعذَّبين، وكيفية حشر النَّاس ومحاسبتهم، حتَّى لكأنَّ الإنسان يرى يوم القيامة رأيَ العين: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ *وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ *وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيات رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ *قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ *وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ *وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ *وَتَرَى الْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الزمر: 67 – 75] .

وقد جاءت الآيات الكريمة مبيِّنةً، واصفةً للجنَّة، فأثَّرَ ذلك في نفوس الصَّحابة أيَّما تأثير؛ فممَّا جاء في وصف الجنَّة: أنَّها لا مثيل لها، وأنَّ لها أبواباً، وفيها درجاتٌ، وتجري من تحتها الأنهار، وفيها عيونٌ، وقصورٌ، وخيامٌ، وفيها أشجارٌ متنوعةٌ، كسدرة المنتهى، وشجرة طوبى، وتحدَّث القرآن الكريم عن نعيم أهلها، وطعامهم، وشرابهم، وخمرهم، وانيتهم، ولباسهم، وحليِّهم، وفرشهم، وخدمهم، وأحاديثهم، ونسائهم، وعن أفضل ما يُعْطاه أهلها، وعن آخر دعواهم؛ بحيث أصبح الوصف القرآنيُّ للجنَّة مهيمناً على جوارح، وأحاسيس، وأذهان، وقلوب المسلمين، ونذكر بعض ما جاء من وصفها من خلال القرآن الكريم:

  1. الجنَّة لا مثيل لها:

إنَّ نعيم الجنَّة شيءٌ أعدَّه الله لعباده المتَّقين، نابعٌ من كرم الله، وجوده، وفضله، ووصف لنا المولى – عزَّ وجلَّ – شيئاً من نعيمها، إلا أنَّ ما أخفاه الله عنَّا من نعيمٍ شيءٌ عظيم، لا تدركه العقول، ولا تصل إلى كُنْهِهِ الأفكار، قال تعالى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17].وقد بيَّن سبحانه وتعالى سبب هذا الجزاء، وهو ما وفَّقهم إليه من أعمالٍ عظيمةٍ؛ من قيام ليلٍ، وإنفاقٍ في سبيله. قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 16 – 17] .

  1. درجات الجنَّة:

إنَّ أهل الجنَّة متفاوتون فيما بينهم على قدر أعمالهم، وتوفيق الله لهم، وكذلك درجاتهم في الآخرة، بعضها فوق بعض. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى ﴾ [طه: 75]. وأولياء الله المؤمنون في تلك الدَّرجات بحسب إيمانهم، وتقواهم، قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخرةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾ [الإسراء: 21]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾ [الطور: 21]، ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ ﴾ [الزمر: 20].

  1. أنهار الجنَّـة:

ذكر القرآن الكريم في آيات عديدةٍ أنهار الجنَّة. قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصْفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد: 15] .

  1. عيون الجنَّـة:

في الجنَّة عيونٌ كثيرةٌ، مختلفة الطُّعوم، والمشارب. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر: 45]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ ﴾ [المرسلات: 41]، وقال في وصف الجنَّتين اللَّتين أعدَّهما لمن خاف ربه: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴾ [الرحمن: 50]، ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴾ [الرحمن: 66]. وفي الجنَّة عينان يشرب المقرَّبون ماءهما صِرْفاً غير مخلوطٍ، ويشرب منهما الأبرار الشَّراب مخلوطاً ممزوجاً بغيره: العين الأولى: عين الكافور قال تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا *عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ﴾ [الإنسان: 5 – 6]. فقد أخبر: أنَّ الأبرار يشربون شرابهم ممزوجاً من عين الكافور، بينما عباد الله يشربونها خالصاً. العين الثانية: عين التَّسنيم. قال تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعْيمٍ *عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ *تَعْرِفُ فِي وَجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ *يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ *خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ *وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ *عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ﴾ [المطففين: 22 – 28]. ومن عيون الجنَّة عينٌ تسمَّى السَّلسبيل. قال تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً * عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً ﴾[الإنسان: 17 – 18].

  1. وصف بعض شجر الجنَّة:

أ – سدرة المنتهى: وهذه الشَّجرة ذكرها المولى – عزَّ وجلَّ – في كتابه العزيز، وأخبر – سبحانه -: أنَّ رسولنا (ص) رأى جبريل على صورته التي خلقه الله عليها عندها، وأنَّ هذه الشجرة عندها جنَّة المأوى، وهذه السِّدرة  يغشاها ما لا يعلمه إلا الله. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أخرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى *عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى *إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى *مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾[النجم: 13 – 17].

ب – شجرة طوبى: وهذه الشَّجرة عظيمةٌ كبيرةٌ، تصنع منها ثياب أهل الجنَّة، فعن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : «طوبى شجرةٌ في الجنَّة مسيرة مئة عامٍ، ثياب أهل الجنَّة تخرج من أكمامها» [أحمد (3/71) وأبو يعلى (1374) ومجمع الزوائد (10/67)]. الشَّجرة الَّتي يسير الرَّاكب في ظلِّها مئة عام، هذه الشَّجرة هائلة لا يقدر قدرها إلا الَّذي خلقها، وقد بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم  عِظَمَ هذه الشَّجرة، بأنْ أخبر: أنَّ الرَّاكب لفرس من الخيل الَّتي تعدُّ للسِّباق، يحتاج إلى مئة عامٍ حتى يقطعها إذا سار بأقصى ما يمكنه، ففي صحيح البخاريِّ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم  قال: «إنَّ في الجنَّـة لشجرةً يسير الرَّاكب في ظلِّها مئة سنةٍ، واقرؤوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾»[البخاري (3252) ومسلم (2826)]، وهذا يدلُّ على خَلْقٍ بديعٍ، وقدرةِ الصَّانع، سبحانه وتعالى.

  1. طعام أهل الجنَّـة وشرابهم:

ذكر الله – سبحانه وتعالى -: أنَّ في الجنَّة ما تشتهيه الأنفس من الماكل، والمشارب فقال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ﴾ [الواقعة: 20]، وقال: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [الزخرف: 71]. وقد أباح الله لهم أن يتناولوا من خيراتها، وألوان طعامها، وشرابها ما يشتهون، فقال: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾ [الحاقة: 24] .

  1. خمر أهل الجنَّـة:

من الشَّراب الَّذي يتفضَّل اللهُ به على أهل الجنَّة الخمر، وخمر الجنَّة خالٍ من العيوب، والافات الَّتي تتَّصف بها خمر الدُّنيا، فخمر الدُّنيا تذهب العقول، وتُصدِّع الرؤوس، وتوجع البطون، وتمرض الأبدان، وتجلب الأسقام، وقد تكون معيبةً في صنعها، أو لونها، أو غير ذلك، أمَّا خمر الجنَّة؛ فإنَّها خاليةٌ من ذلك كلِّه، وجميلةٌ، صافيةٌ، رائعةٌ . قال الله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ *بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ *لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزِفُونَ ﴾[ الصافات: 45 – 47]. فقد وصف الله جمال لونها (بيضاء)، ثمَّ بين: أنَّها يلتذُّ بها شاربُها، لا يملُّ من شربها. وقال في موضع آخر يصف خمر الجنَّة: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنْزِفُونَ ﴾ [الواقعة: 17 – 19]. وقال تعالى في موضع آخر: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ *خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 25 – 26]، والرَّحيق هو الخمر، ووصف هذا الخمر بوصفين: الأوَّل: أنه مختومٌ؛ أي: موضوعٌ عليه خاتم الأمر. الثاني: أنَّهم إذا شربوه؛ وجدوا في ختام شرابهم له رائحة المسك.

  1. طعام أهل الجنَّـة وشرابهم لا دنس معه:

الجنَّة دارٌ خالصةٌ من الأذى، وأهلها مطهَّرون من أوساخ أهل الدُّنيا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوَّل زمرةٍ تدخل الجنَّة من أمَّتي على صورة القمر ليلة البدر، ثمَّ الذين يلونهم على أشدِّ نجم في السَّماء إضاءةً، ثمَّ هم بعد ذلك منازلُ، لا يتغوَّطُون، ولا يبولون، ولا يَمْتَخِطُونَ، ولا يَبْزُقُون» [البخاري (3327) ومسلم (2834)]. فالَّذي يتفاوت فيه أهل الجنَّة ممَّا نُصَّ عليه في الحديث قوَّة نور كلٍّ منهم، أمَّا خلوصهم من الأذى؛ فإنَّهم يشتركون فيه جميعاً، فهم لا يتغوَّطون، ولا يبولون، ولا يتفلون، ولا يَبْزُقُون، ولا يَمْتَخِطُونَ، وفضلات الطَّعام والشَّراب تتحوَّل إلى رشح كرشح المسك، يفيض من أجسادهم، كما يتحوَّل بعضٌ منه إلى جشاءٍ، ولكنَّه جشاء تنبعث منه روائح طيِّبةٌ عبقةٌ عطرةٌ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : «إنَّ أهل الجنَّة يأكلون فيها، ويشربون، لا يَتْفُلُون، ولا يَبُولُون، ولا يَتَغَوَّطُون، ولا يَمْتَخِطُونَ». قالوا: فما بالُ الطَّعام؟ قال: «جُشَاءٌ، ورَشْحٌ كَرَشْحِ المسك» [مسلم (2835) وأبو داود (4741)] .

  1. لباس أهل الجنَّة، وحليُّهم، ومباخرهم:

أهل الجنَّة يلبسون فيها الفاخر من اللِّباس، ويتزيَّنون فيها بأنواع الحليِّ من الذَّهب، والفضَّة، واللؤلؤ؛ فمن لباسهم الحرير، ومن حليِّهم أساور الذَّهب، والفضَّة، واللؤلؤ. قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أْسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ [فاطر: 33]، ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ﴾ [الإنسان: 21] .

وملابسهم ذات ألوان، ومن ألوان الثِّياب الَّتي يلبسون الخضر من السُّندس والإستبرق: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ [الكهف: 31]. وقد أخبر الرَّسول صلى الله عليه وسلم  : أنَّ لأهل الجنَّة أمشاطاً من الذَّهب، والفضَّة، وأنَّهم يتبخَّرون بعود الطِّيب، مع أنَّ رائحة المسك تفوح من أبدانهم الزَّكيَّة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : «انيتُهم الذَّهبُ، والفضَّةُ، وأمشاطُهم الذَّهب، وَوَقُودُ مَجامِرِهم الأَلُوَّةُ – عود الطِّيب – ورَشْحُهم الْمِسْك» [البخاري (3246) ومسلم (2834/17)] .

وثياب أهل الجنَّة، وحليُّهم لا تبلى، ولا تفنى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : «من يدخلُ الجنة ينعمُ لا يَـبْـأَسُ، لا تَبْـلَى ثيابُـه، ولا يفنى شبابُه» [مسلم (2836) وأحمد (2/369 – 370 و407 و416 و462) والدارمي (2861) وأبو نعيم في صفة الجنة (97)] .

  1. اجتماع أهل الجنَّة، وأحاديثهم:

أهل الجنَّة يزور بعضهم بعضاً، ويجتمعون في مجالس طيبة، يتحدَّثون ويذكرون ما كان منهم في الدُّنيا، وما منَّ الله به عليهم من دخول الجنان. قال الله تعالى في وصف اجتماع أهل الجنَّة: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ﴾ [الحجر: 47].

وحدَّثنا القرآن عن أصناف الأحاديث الَّتي يتكلَّمون بها في اجتماعهم: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ *فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ *إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾[الطور: 25 : 28]. ومن ذلك تذكُّرهم أهل الشرِّ الَّذين كانوا يشكِّكون أهل الإيمان، ويدعونهم إلى الكفران: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ *قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ *يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ *أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ *قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ *فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ *قَالَ تاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ *وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ *أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ *إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ *إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ *لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾[الصافات: 50 : 61].

  1. نساء أهل الجنَّة:

زوجة المؤمن في الدُّنيا هي زوجته في الآخرة إذا كانت مؤمنةً. قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ﴾ [الرعد: 23]، وهم في الجنَّات منعَّمون مع الأزواج، يتّكِئون في ظلال الجنَّة مسرورين فرحين: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ ﴾ [يس: 56]، ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: 70] .

  1. الحور العين:

قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ﴾ [الدخان: 54]، والحور: جمع حوراء، وهي الَّتي يكون بياض عينها شديد البياض، وسواده شديد السَّواد، والعين: جمع عيناء، والعيناء هي واسعة العين، وقد وصف الله في القرآن الحور العين بأنهنَّ كواعب أتراب، قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا *حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا *وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ [النبأ: 31 – 33]. والكاعب: المرأة الجميلة الَّتي برز ثديها، والأتراب: المتقاربات في السنِّ، والحور العين من خلق الله في الجنَّة، أنشأهنَّ الله إنشاءً فجعلهن أبكاراً، عرباً أتراباً: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً *فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا ﴾  [الواقعة: 35 – 37]. وكونهنَّ أبكاراً يقضي أنَّه لم ينكحهنَّ قبلهم أحدٌ، كما قال تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ [الرحمن: 56] ، وقد تحدَّث القرآن الكريم عن جمال نساء أهل الجنة، فقال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ *كَأَمْثَالِ اللَّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ﴾ [الواقعة: 22 – 23] والمراد بالمكنون: الخفيُّ المصون، الَّذي لم يغيِّر صفاء لونه ضوءُ الشَّمس، ولا عبثُ الأيدي، وشبَّههنَّ في موضع آخر بالياقوت والمرجان: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ *فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ *كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ﴾ [الرحمن: 56 – 58] . والياقوت والمرجان: حجران كريمان فيهما جمالٌ، ولهما منظرٌ حسنٌ بديعٌ، وقد وصف الحور بأنهنَّ قاصرات الطَّرف، وهنَّ اللَّواتي قصَرْنَ بصرهنَّ على أزواجهنَّ، فلم تطمح أنظارهنَّ لغير أزواجهنَّ، وقد شهد الله لحور الجنَّة بالحسن، والجمال، وحسبك أن شهد الله بهذا ليكون قد بلغ غاية الحسن والجمال: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ *فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [الرحمن: 70 – 71]. ونساء الجنَّة لَسْنَ كنساء الدُّنيا، فإنهنَّ مطهراتٌ من الحيض والنِّفاس، والبصاق، والمخاط، والبول، والغائط .

وقد تحدَّث الرَّسول صلى الله عليه وسلم  عن جمال رجال، ونساء أهل الجنَّة، فقال: «أوَّل زمرةٍ تلج الجنَّة صورتُهم على صورة القمر ليلةَ البدر، لا يَبْصُقُون فيها، ولا يمْتَخِطُونَ، ولا يتغوَّطُون، وانيتُهم فيها الذَّهبُ، أمشاطُهم من الذَّهب والفضة، ومجَامِرُهم الألُوَّةُ، ورَشْحُهم المسكُ، ولكلِّ واحدٍ منهم زوجتانِ، يُرَى مُخُّ سُوقهما من وراء اللَّحم من الْحُسْن» [البخاري (3245) ومسلم (2834/17)] .

وانظر إلى هذا الجمال الَّذي حدَّث به رسول الله صلى الله عليه وسلم  أصحابَه، هل تجد له نظيراً ممَّا تعرف؟! «ولو أنَّ امرأةً من أهل الجنَّة اطَّلعت إلى أهل الأرض؛ لأضاءت ما بينهما، ولملأته ريحاً، ولنصيفُها على رأسها خيرٌ من الدُّنيا وما فيها» [البخاري (2796) وأحمد (3/141) والترمذي (1651) وابن حبان (7399)].

  1. أفضل ما يعطاه أهل الجنة:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أهل الجنَّةِ الجنَّةَ، يقول اللهُ تبارك تعالى: تريدون شيئاً أزيدكُم؟ فيقولون: ألم تُبَيِّضْ وجوهنَا؟! ألم تُدْخِلْنا الجنة، وتُنَجِّنَا من النار؟! قال: فَيَكْشِفُ الحجابَ، فما أُعْطوا شيئاً أحبَّ إليهم من النَّظر إلى ربهم تبارك وتعالى»، وجاء في روايةٍ أخرى: ثمَّ تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [يونس: 26] [أحمد (4/332 – 333) ومسلم (181) والترمذي (2555) وابن ماجه (187)] .

وأمَّا عن رضوان الله الَّذي يعطى لأهل الجنَّة؛ فعن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : «إنَّ الله تعالى يقول لأهل الجنَّة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا، وسَعْدَيْكَ، والخير كلُّه في يَدَيْكَ! فيقول: هل رَضِيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب! وقد أعطيتنا ما لم تُعطِ أحداً من خلقك؟! فيقول: ألا أعطيكم أفضلَ من ذلك؟ فيقولون: يا رب! وأيُّ شيءٍ أفضل من ذلك؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخطُ عليكم بعده أبداً» [البخاري (6549) ومسلم (2829)] .

  1. آخر دعواهم أن الحمد لله ربِّ العالمين:

يمرُّ المؤمنون في الموقف العظيم بأهوالٍ عظام، ثمَّ يمرُّون على الصِّراط، فيشاهدون هولاً، ورعباً، ثمَّ يدخلهم الله جنَّات النَّعيم بعد أن أذهب عنهم الحزن، فيرون ما أعدَّ الله لهم فيها من خيراتٍ عظام، فترتفع ألسنتهم تسبِّح ربَّهم وتقدِّسه؛ فقد أذهب عنهم الحزن، وصدَقَهم وعده، وأورثهم الجنَّة: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أْسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ *وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ [فاطر: 33 – 34]. وآخر دعواهم في جنَّات النَّعيم الحمد لله رب العالمين: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وآخر دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [يونس: 10].

إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم  كان يربِّي أصحابه على السَّعي لمرضاة الله تعالى حتى يدخلهم جنَّاته العظيمة، فكان يصف لهم الجنَّات من خلال المنهج القرآنيِّ، حتَّى لكأنَّ الصَّحابي يرى الجنَّة معروضةً أمامه في تلك اللحظة، وينفعل بها كأنَّه يراها في عالم العيان بالفعل، وليست أمراً يتصوَّر حدوثه في المستقبل، وهذا من الإعجاز البياني في التعبير القرآني إلى حدٍّ تصبح الآخرة – التي لم تأت بعد – كأنَّها الحاضر الَّذي يعيشه الإنسان، ويصبح الحاضر الَّذي يعيشه بالفعل كأنَّه ماضٍ سحيقٌ تفصله عن الإنسان امادٌ، وأبعاد .

إنَّ التَّصوُّر البديع للجنان، والاعتقاد الجازم بها، مهمٌّ في نهضة أمَّتنا، فعندما تُحْيَا صورة الجنان في نفوس أفراد الأمَّة، فإنَّهم سيندفعون لمرضاة الله تعالى، ويُقدِّمون الغالي، والنَّفيس، ويتخلَّصون من الوَهَن، وكراهة الموت، وتتفجَّر في نفوسهم طاقاتٌ هائلةٌ تمدُّهم بعزيمةٍ، وإصرارٍ، ومثابرةٍ على إعزاز دين الله، وقد لاحظت في المعارك الفاصلة، والانتصارات العظيمة؛ التي حقَّقتها الأمَّة في تاريخها المجيد من أسبابها الواضحة حبُّ القادة، والجنود المقاتلين للشَّهادة في سبيل الله، والشَّوق لجنانه، وتعبُّدهم لله بفريضة الجهاد، والأمثلة على ذلك كثيرةٌ، كمعركة الزلاَّقة الَّتي انتصر فيها المرابطون بقيادة يوسف بن تاشفين على النَّصارى في الأندلس، وكمعركة حطِّين بقيادة صلاح الدِّين، وعين جالوت بقيادة قطز، وكفتح القسطنطينية بقيادة محمَّد الفاتح.

شاهد أيضاً

الحلقة السابعة عشر (17): الدعوة النبوية تصحح الجانب العقديِّ لدى الصَّحابة

من سلسلة السيرة النبوية – عرض وقائع وتحليل أحداث د. علي محمّد الصلابيّ عرض مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.