أخبار عاجلة

كوميديا الإنكار في مواجهة الثورات العربية

الدكتور عزت السيد أحمد

كاتب ومفكر سوري
عرض مقالات الكاتب

تحدث في المقال السَّابق علىٰ الذَّكاء الغبي في مواجهة الربيع العربي، ونظراً لطول الكلام في الموضوع فقد آثرت تقسيم المقال إلىٰ قسمين، كان ما كان في القسم الأول من البصمات الأربع في الذكاء الغبي وأتابع الآن في هٰذا الذكاء الغبي في موضوع واحد هو عقلية الإنكار التي تدخل في باب الذَّكاء الغبي أيضاً.

خامسة بصمات الذكاء الغبي هي الإنكار. هي سياسةٌ مستقلَّةٌ من جهةٍ، وتجدها في كلٍّ من بصمات الذَّكاء الغبي السَّابقة من جهة أُخْرَىٰ. ولذٰلك ستجد فيها من الطَّرافة والكوميديا ما تفرَّق في البصمات الخمس السَّابقة إلىٰ جانب تفرُّدات هٰذا السُّلوك ذاته مستقلاً.

الإنكار واضحٌ دلالةً ولغةً وأصولاً وفروعاً؛ اجتماعيَّة ونفسيَّة وجنائيَّة. ولٰكنَّ إنكار الأنظمة العربيَّة علامةٌ فارقةٌ لا نظير لها ولا مثيل في كلِّ ما سبق، ولا حَتَّىٰ في اللغة يمكن أن تجد بسهولةٍ تعريفاً له. أنت أمام كوميديا سرياليَّة هستيريَّة حقيقيَّة غير حقيقية واقعيَّة غير واقعيَّة… خلطبيطة عجائبيَّة.

في أنواع الإنكار كلِّها وفي مستوياتها وميادينها كلِّها نحن أمام حقيقةٍ غيرِ واضحةٍ ولا توجد أدلَّةٌ عليها، ويقوم المعني بالأمر بإنكار الحقيقة استناداً إلىٰ عدم الوضوح في الموضوع أو عدم وجود الأدلة حَتَّىٰ وإن وجدت قرائن ترجح إسناد الحقيقة إلىٰ هٰذا الشَّخص الذي يقوم بالإنكار.

حَتَّىٰ الإنكار النَّفسي لا يمكن أن تكتمل أركان ديمومته للمنكر إلا إذا لم توجد أدلَّةٌ دامغةٌ أو قاطعةٌ تقطع الطَّريق علىٰ الاستمرار في الإنكار، فإن أصرَّ المعنيُّ علىٰ الإنكار مع ثبوت الأدلة فإِنَّهُ غالباً ما يدخل في حالةٍ فصاميَّة تفصله عن واقعه فيعيش شخصيَّته الإنكارية بانعتاقٍ من المنطق والواقع، ويعيش شخصيَّته الواقعيَّة بطريقة تتيح له الهروب وقت الشِّدة إلىٰ شخصيَّته الأُخْرَىٰ أي الفصاميَّة.

في الأحوال كلِّها إذن إذا ظهرت الأدلَّة القاطعة يتعذَّر علىٰ المعنيِّ أن ينكر، وإن أراد الإنكار فإِنَّهُ لن يستطيع الإنكار، ولا يجد مناصاً من الاعتراف بالحقيقة مهما كانت مرَّة أو قاسية، بل مهما كانت نتائجها كارثيَّة… حَتَّىٰ من يمتلك قوَّةً فوق قوَّة القانون وسلطة تطبيق الأحكام فإنَّهُ لن يستطيع الإنكار ولٰكنَّهُ يستطيع أن يغيِّر في الأدلَّة أو يتجاوز القانون ولا يخضع لتبعات الحقيقة التي لا يريد تحمَّل نتائجها… ولٰكنَّهُ لا يستطيع أن يجادل الأدلة القاطعة.

إنكار الأنظمة العربيَّة في تعاملها مع الثَّورات فوق هٰذا الكلام السَّابق كلِّه بتفاصيله صغيرها وكبيرها. إِنَّهُ استثناء منقطع النَّظير، أو في حكم منقطع النَّظير.

استدعت الشَّرطة أحد الأشخاص ورُبَّما الحشاشين كما تقول الرِّواية، ولم يَعرف سبب الاستدعاء فاستشار أصدقاءه فأشاروا عليه أن ينكر كلَّ شيءٍ. قالوا له: «أنكر أيَّ شيءٍ ينسبونه إليك». دخل المخفر، أخذ الشرطي بطاقته الشَّخصيَّة وقرأ منها قائلاً: أنت فلان الفلاني؟ فأنكر علىٰ الفور وقال: لا، لست أنا. استغرب الشرطي وقال: أليست هٰذه بطاقتك الشَّخصيَّة؟ فأنكر وقال: لا، ليست لي. اندهش الشَّرطي، وسأله: ألم آخذها منك الآن؟. فأنكر وقال: لا، لم تأخذها مني. فانفعل الشرطي ولطمه بشدَّةٍ علىٰ وجهه فوقعت قبَّعته، فقال له: ارفع قبعتك عن الأرض، فقال: لا، ليست قبعتي… فقال له الشرطي: أحمق، هل أنت أحمق؟ فقال له: لا، لست أحمقاً. فقال الشرطي بانفعال: إذن أنت ذكي! فأنكر من جديد وقال: لا، لست ذكيًّا… فتمالك الشُّرطي أعصابه وقال له: إذن من أنت؟ فقال: أنا لست أنا.

يمكنك أن تتابع بمخيلتك بقية القصَّة بالطَّريقة التي تشاء. ولٰكنَّك ستتساءل في سياق كلامنا: هل يمكن المقاربة بَيْنَ هٰذا السُّلوك والسُّلوك الإنكاري للأنظمة العربيَّة في التَّعامل مع الثَّورات؟

إِثر الخطاب الثَّاني لبشار الأسد عقب الثَّورة السُّوريَّة قال لي أحد المسؤولين تعقيباً علىٰ تعليقات الغرب والشَّرق علىٰ هٰذا الخطاب: «بشار فوَّت العالم بالحيط». لأنَّهُ بدا للجميع خطاباً منفصلاً عن الواقع يتحدَّث وكأنَّ شيئاً لم يكن وليس بكائن في سوريا… «اعمل نفسك ميت وقل هيَّا لنذهب إلىٰ السينما». هٰكذا كانت الصُّورة الأولى من صور الإنكار.

صحيحٌ أنَّ العالم الغربيَّ والعربيَّ منذ السَّاعات الأولى للثَّورة كان يقف مع النَّظام ويحارب الثَّورة ويصرِّح خلاف ذٰلكَ إلا إنَّ الجميع انصدم من هٰذا الخطاب المفارق للمنطق والواقع والذي بدا من خلاله بشار الأسد مريضاً نفسيًّا بالفصام الذي سلف وأشرنا إليه.

وهٰذا أيضاً كان حال الإعلام السوري منذ البداية وحَتَّىٰ الآن. حَتَّىٰ الآن لم تتغيَّر سياسة الإنكار أبداً ولم تتزحزح قيد أنملة في أيِّ شيء، علىٰ مدار السَّنوات السَّبع أو الثَّمان الأولى من الثَّورة خرجت ثلاثة أرباع سوريا من يد النَّظام وأعادها النظام أكثرها مرة ومرتين وثلاث مرات إلىٰ سلطته وفق الإعلام السوري ومع ذٰلكَ: النَّظام لم يقصف المدنيين، ولم يدمر بيتاً واحداً، ولم يعتقل مواطناً واحداً، ولم يقم بتهجير أي مواطن، وفي حمأة المعارك كان التلفزيون السوري يعرض حفلات غنائية وهزلية ويتجول في شوارع دمشق لنقل مشاعر السعادة التي يتمتع بها السوريون… ويتحدَّث بأريحيَّة عن سعادة المواطنين بكلِّ شيء علىٰ الرَّغْمِ من أنَّهُ لم يعد في سوريا أي نوع من الوقود ولا المال ولا الكهرباء ولا الاتصالات… وإذا تتبَّعنا فقط لقاءات بشار الأسد مع مختلف المحطات الإعلامية العالمية والمحلية نجده لا ينقطع عن تكرار إنكار وجود شيء في سوريا؛ فقط ثلة من الإرهابيين يحاربهم الجيش السوري وليس الروسي ولا الإيراني ولا الميليشيات العراقية ولا اللبنانية… ويدحرهم من مكان إلىٰ مكان…

دعك من سوريا، قامت الثَّورة في الجزائر علىٰ ما كان تراكم وتفاصيل فجَّرها إعادة ترشيح بوتفليقة لولاية خامسة وهو منذ ما قبل الولاية الرابعة عاجزٌ ومشلولٌ شللاً تامًّا. أشهر تقلُّ عن السَّنة مضت علىٰ انطلاق الثَّورة ومطالبها واضحةٌ: رحيل جمع رموز السُّلطة التي أسموها رموز نظام بوتفليقة ولم يكن بوتفليقة إلا خرقة بيد النَّظام العسكري الحاكم علىٰ أيِّ حالٍ، ومع ذٰلكَ يتصرَّف النَّظام العسكري ويقرِّر ويبدِّل ويغيِّر وكأنَّهُ لا يوجد شيءٌ في الجزائر، وحدَّد موعد الانتخابات الرئاسيَّة والشَّعب يرفض الانتخابات، وتمَّ قبول المرشحين للرئاسة وكلُّهم من رموز النَّظام، والشَّعب زادت حدَّة اعتراضه، والنَّظام العسكري الحاكم يتصرَّف وكأَنَّهُ لا يوجد شيءٌ، وكأنَّ الشَّعب ذبابٌ لا يعي ولا يفهم… تحوَّلت ثورة الشَّعب الجزائري لتصبَّ علىٰ منع الانتخابات والنَّظام العسكري يعلن عن إجراء الانتخابات في موعدها!!!

في لبنان يتكرَّر الإنكار نفسه. الشَّعب يقول: «كلهم يعني كلهم»… والقوى السِّياسيَّة المستحكمة تتصرَّف وكأنَّ الشَّعب يتظاهر للتَّمسُّك بهم. ولا يختلف الأمر في العراق عما هو الأمر في لبنان من جهة المبدأ، فالشَّعب يطالب برحيل إيران ومحاسبة الفاسدين… والسُّلطة تعلن عن الرَّغبة في محاكمة محافظ صلاح الدين السَّابق أو رُبَّما ما قبل السَّابق بتهمة الفساد… ولا أعرف إن كان فاسداً فعلاً ولٰكنِّي ويعرف الجميع مثلي أنَّ حيتان الفساد ما زالوا يتصرَّفون علىٰ أنَّهُم فوق الشُّبَهات.

وفي مصر في الشَّهر الماضي تلبية لدعوة الممثل والمقاول محمد علي خرج النَّاس في ثورة حقيقيَّة ضدَّ السِّيسي ولٰكنَّ وسائل الإعلام المصريَّة لم تشاهد شيئاً ولم تر شيئاً وأنكرت أي تظاهر ضدَّ النِّظام، وتمَّ إغلاق الشَّوارع كلَّها وامتصاص المظاهرات واعتقال الآلاف وأصرَّ النَّظام علىٰ أنَّهُ لم يحدث أيُّ شيءٍ ولم يعترض أحد علىٰ السيسي!!!

هٰذا الإنكار هو نوع من القهر والاستحقار والاستحمار للشَّعب، وليس مسألة إنكار لأنَّهُ لا يمكن أن يدخل في باب الإنكار، الإنكار يكون في حال عدم ثبوت الحقيقة بالأدلة القاطعة، ونحن هنا أما حقائق يقينيَّة قاطعة غير قابلة للتكذيب، ومع ذٰلكَ يقول النَّظام للشَّعب كله: أنت كاذب… تماماً مثل اتهامه بأنَّهُ خائنٌ فيما هو الشريف الحقيقي والذي يقوم بالاتهام هو الخائن.

هٰذا يذكرني بأمرين رُبَّما نسيهما الناس ولا تعرفهما الأجيال الشَّابة اليوم، أوَّلهما في التِّسعينيات في انتخابات مجلس الشَّعب السُّوري إذ أجمع السُّوريوين علىٰ رفض عبد القادر قدرة وكان رئيس مجلس الشعب، وعلىٰ الرغبة في إسقاطه إن رشحته السلطة من جديد، ووصل ذٰلكَ إلىٰ حافظ الأسد وكل الناس تعرف هٰذه الحقيقة في ذٰلكَ الحين، وعندما عُرضت الأسماء علىٰ حافظ الأسد قال: «مرشحي الوحيد أبو قصي ـ يعني عبد القادر قدورة». ومع ذٰلكَ أسقطه النَّاس في الانتخابات ولدى عرض النَّتائج كان أول الفائزين!!!

ومثل ذٰلكَ حدث في مصر مع وزير الثقافة فاروق حسني في الفترة ذاته تقريباً إذ سقط هٰذا الوزير لأسباب كثيرة ليست من شأننا الآن وكادت الناس والمثقفون جميعاً يثورون لإسقاطه، بل ثارت ضدَّه ثورة كبرى حقيقية في مختلف وسائل الإعلام المصرية. وحدث في ذٰلكَ الوقت أن تم تغيير الوزارة، ففرح الجميع لاستجابة الرئيس لهم وأيقنوا بأنه إن تم التجديد للجميع فمن المحال أن يتم التجديد لفاروق حسني، وكانت المفاجأة الصاعقة للجميع؛ لقد أسقط حسني مبارك الوزراء كلهم واحتفظ بفاروق حسني وزيراً للثقافة من جديد!!!

هٰذه هي حقيقة الإنكار، ليست إلا لاستحقار الشَّعب وإشعاره بأنَّهُ ذليل لا حول له ولا قوَّة ولا رأي ولا مشورة… وإذا أراد ما لم يرد النَّظام فلن يبوء إلا بالخسران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

كاركاتير اليوم

هشام شمالي