أخبار عاجلة

الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضَّرسون

د. عبد الحقّ الهوّاس

أكاديمي سوري.
عرض مقالات الكاتب

حتى لانوغل بالتاريخ حسبنا أن نقف عند دخول فرنسا إلى سوريا 1920 حين أعلن غورو أنه غزا سوريا حماية للأقليات ولاسيما النصارى ، فردّ عليه فارس الخوري أن النصارى لم يطلبوا من أحد حمايتهم ولااشتكوا إلى أحد ، فكان موقفهم متميزا ، في حين أعلنت بريطانيا أنها تحمي الدروز فيما عرف بالمسألة السورية آنذاك لكن الدروز ثاروا على فرنسا وخذلوا المستعمر ، بيد أن الواضح تماما أن النصيرية قد رحبوا بفرنسا قبل دخولها وبعده وانبرى شاعرهم بدوي الجبل ( محمد سليمان الأحمد ) لكيل المدائح للقائد الفرنسي غورو ، وكل مايقال عن ثورة قاطع الطريق صالح العلي محض وهم وافتراء … مكونان نابهما العسف هما العرب السنة والكورد السنة فقد توجه غورو إلى ضريح صلاح الدين الأيوبي رحمه كأحد رموز السنة جميعا ليركله بقدمه قائلا : ها قد عدنا يا صلاح الدين ، يرد على مقولته الشهيرة : خرجتم من الشرق ولن تعودوا إليه … تجسد عمل فرنسا في اتجاهين ؛ عسكري وسياسي أما العسكري فكان بالسيطرة على المدرسة العسكرية التي تأسست سنة 1919م ثم أصبح اسمها الكلية العسكرية وفي أثناء الوحدة مع مصر 1958م أصبح اسمها الكلية الحربية أسوة بمصر … فرنسا حرصت على تأهيل أبناء الطوائف وتقليل عدد السنة مع ميل شديد نحو النصيرية ، أما السياسي فكان في إدخالهم بالأحزاب مع تركيز على حزب البعث ، وهنا واجهت مشكلة فقدان الكوادر لدى النصيرية وقلة المتعلمين المثقفين فأزدت نصيحتها لهم بإدخال العسكرين في الأحزاب في نظرة مستقبلية … أثمرت جهود فرنسا في تخريج عدد كبير من الضباط النصيرية استطاعوا حسم الصراع لصالحهم في سوريا والاستئثار بالسلطة من خلال مجازر ومؤامرات ودعم خارجي كبير … وحين انتفض الشعب السوري في كل مكوناته لم تشاركه الطائفة النصيرية انتفاضته السلمية الشريفة بل وقفت ضده ودمرت البلاد وشردت العباد وأعلنتها حربا طائفية شعوبية ملحدة وإثنية فارسية مجوسية … يعدُّ هذا الموقف كارثة في الوعي الجماهيري صدم الشعب السوري للمستوى الهابط لهذه الطائفة المتحجرة عقليا وأخلاقيا ، ولكي تنقذ الدول الاستعمارية وبخاصة الكيان الصهيوني هذه الطائفة وما وصمت به قاموا بصناعة داعش والعصابات المسلحة المتطرفة ليقوموا بالدور نفسه بالجريمة والانحراف العقدي غير المنضبط كي تتوازى الكفتان وتختلط الأوراق وتتبلبل الأفكار وتتضبب الرؤى .
لست أشك بنجاح هذا المخطط الخبيث الذي شوَّه صورة ثورتنا السلمية، وصورة شعبنا المثقف وأنقذ النصيرية من تهمة الغباء المستشري بينهم ،لآن تعمد الدول الاستعمارية بعد أن استتب لها الأمر على إعادة نغمة حماية الأقليات وتسويقها مرة ثانية ، فكان من أول اهتماماتها هو مايسمى بلجنة صياغة الدستور ولعل كثيرا من المحللين لم يتنبهوا إلى هذه الأولوية ووجدوا بها تعويما لنظام المجرم و منحه انتصارا على الشعب أو للعب بالزمن من خلال موضوع لايستحق كل هذا أو فرض دستور على شعب لارأي له به … الحقيقة أكبر وتعود إلى مئة عام مضت حققت سايكس بيكو وضياع فلسطين والأحواز والعراق ودمار سوريا واليمن وليبيا ، وجاء دور ( تجزئة التجزئة ) وما سيكون عليه الوطن في مئة العام القادمة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

وقفات مع مقالة “النظام الإسلامي” بين واقعية التطبيق وخيال الاستحالة”

د. عثمان محمد بخاش باحث في الفكر الإسلامي والقضايا المعاصرة طرح الكاتب “سامي …