أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / أحمد فارس الشدياق

أحمد فارس الشدياق

أ.د. إبراهيم عوض

كاتب ومفكر مصري.
عرض مقالات الكاتب

اسمه الأصلى فارس بن منصور. وقد وُلِد فى عشقوت بلبنان عام 1801م، وإن كان المتداوَل بين الكتّاب أن ولادته كانت فى 1804م. وتعلم فى مدرسة عين ورقة، ونظم الشعر وهو لا يزال صبيا، ومات أبوه وهو صغير فاشتغل بالنِّسَاخة يستعين بها على نفقات حياته. وكان أخوه قد ترك المارونية إلى البروتستانتية مذهب المبشرين الأمريكان فاضطهده القساوسة المارونيون وحبسوه فى الدير وظلوا يعذبونه حتى مات فجَرُّوه من رجله إلى إحدى الحفر وردموها عليه، فكان لهذا أسوأ الأثر فى نفس الشدياق، الذى ترك البلاد بعدما أصبح مثل أخيه بروتستانتيا وسافر إلى مصر حيث تعلم اللغة والأدب، كما اشتغل فى جريدة “الوقائع المصرية”، وبقى هناك حتى عام 1834م. وكان قد تزوج فتاة لبنانية تعيش أسرتها فى مصر، ثم سافر إلى مالطة للتعليم فى مدارس المرسلين الأمريكان والمساعدة فى ترجمة بعض كتبهم. وكانت سفرته إلى مالطة وإقامته فيها موضوع كتابه: “الواسطة فى معرفة مالطة”.
وبعد بضع عشرة سنة أخرى انتقل الشدياق إلى بريطانيا للاشتراك فى ترجمة الكتاب المقدس، وظل هناك نحو عامين سافر بعدهما إلى باريس وأقام بها زمنا مدح أثناءه الأمير عبد القادر الجزائرى، وكذلك أحمد باشا باى تونس، الذى كان قد أتى إلى باريس فى زيارة سياسية ثم عاد إلى بلاده حيث وصلته مِدْحَةُ الشدياق، فما كان منه إلا أن أرسل بارجة حربية لاستقدامه من باريس تكريما له. وكان الشدياق قد تزوج سيدة إنجليزية بعد زوجته الأولى التى ماتت إثر معاناة شديدة من المرض فيما يبدو. وفى تونس أعلن الشدياق إسلامه وأصبح اسمه: “أحمد”. وقد ألف، وهو فى فرنسا، كتابا عن رحلته الأوربية سماه: “كشْف المخَبَّا عن فنون أوربا”، كما كتب سيرته الذاتيه وأعطاها عنوان “الساق على الساق فيما هو الفارياق”. وانتهى المطاف بكاتبنا إلى الانتقال للآستانة، حيث أصدر صحيفة سياسية أدبية فكرية كانت تدافع عن الدولة العثمانية هى صحيفة “الجوائب”. وللشدياق كتب أخرى سيأتى الحديث عنها، ومعظمها فى اللغة. وقد بقى إلى نهاية حياته يعيش فى الآستانة حيث وافته المنية عام 1887م.
ويُعَدّ الشدياق من أركان النهضة الأدبية العلمية في القرن التاسع عشر. وقد ترك لنا عددا من المؤلفات معظمها مطبوع، والباقى لا يزال مخطوطا، ومنها: “سر اللَّيَال في القلب والإبدال”، كتاب في اللغة. كتاب “الجاسوس على القاموس”، وهو كتابٌ نَقَدَ فيه “القاموس المحيط” للفيروزابادى. كتاب “الساق على الساق، فيما هو الفارياق”، فى اللغة والأدب والتحليل ووصف الخطرات والنوازع والسيرة الذاتية وأدب الرحلات فى أسلوب لا عهد للعربية به. كتاب “الواسطة في معرفة مالطة”، وهو وصف رحلته إلى جزيرة مالطة. كتاب “كشف المخبّا عن فنون أوروبا”. كتاب “اللفيف فى كل معنى ظريف”، وهو من كتب المختارات في الأدب والحكمة والأمثال والحكايات التهذيبية والنكات اللغوية والمترادفات. كتاب “غُنْيَة الطالب ومُنْيَة الراغب”، كتاب مدرسى فى علوم الصرف والنحو. قصيدة فى مدح أحمد باشا باى تونس. المقالة البخشيشية، أو السلطان بخشيش. “شرح طبائع الحيوان”، وهو مترجم عن الإنجليزية. “كنز اللغات”، وهو معجم فى اللغات الثلاث: الفارسية والتركية والعربية. “خبرية أسعد الشدياق”، وهو الكتاب الذي روى فيه فارس الشدياق قصة تحول أخيه عن المذهب المارونى إلى المذهب البروتستانتى. كتاب “الباكورة الشهية فى نحو اللغة الإنكليزية”. كتاب “المحاورة الأنسية، فى اللغتين الإنكليزية والعربية”. كتاب “سند الراوى، في الصرف الفرنساوى”.”منتهى العجب، فى خصائص لغة العرب”. “المرآة فى عكس التوراة”، أفرغه في قالب بديع لم ينسج أحد على منواله، وقد شرع فى إنشائه على أثر ترجمته للتوراة فى لندن. النفائس فى إنشاء أحمد فارس. وله ديوان شعر من نظمه يشتمل على اثنين وعشرين ألف بيت. علاوة على ترجمته للكتاب المقدس، وهى ترجمة غير منتشرة بسبب تحوله عن دينه(1).
وبالنسبة إلى زيارة الشياق لمالطة فلا أظن أحدا من العرب فى العصر الحديث قد زارها وكتب عنها قبل الشدياق، الذى وضع عن رحلته إليها وإقامته فيها كتابه المسمَّى: “الواسطة فى معرفة مالطة”، وفيه تناول أحوالها الجغرافية والمناخية ووصف عاصمتها ومنازلها وأسواقها وشوارعها وما تعانيه من قذارة وتخلف، كما صور عاداتها وتقاليدها وأخلاق أهلها وموسيقاهم وحكم الإنجليز لهم، وكذلك لغتهم، وهى فى الأصل لغة عربية شانها الانحراف والفساد بما دخلها من ألفاظ أجنبية وغير ذلك. والكتاب غير كبير الحجم، إذ يقع فيما يقل عن سبعين صفحة. ومما قاله عن مُنَاخ تلك البلاد: “أما هواء مالطة فلا يحمده مَنْ أَلِفَ البرور الواسعة لأنه كثير التقلب فيختلف فى الليل والنهار عِدّة مِرَار، فقد يكون فى الصباح صحوا فلا تشعر إلا والغيم قد طبق أعنان السماء فيكفهر الجو ويهيج البحر وتثور الزوابع وتزمر الرياح فترقص لها الأبواب. بل يكون فى النهار برد، وفى الليل حر. هذا فى الشتاء، فأما فى الصيف فلا ترى فى الجو لطخة سحاب ولا غادية أصلا. وفصل الشتاء يبتدئ فيها من شهر تشرين الأول، وينتهى إلى آيار، والباقى صيف شديد. وإن وقع فيه يوم معتدل فتأتى فيه نفحة من الريح باردة وأنت فى حَرٍّ، أو عكسه. وفى الجملة فإنها جديرة بأن تسمى: “مخزن الرياح”، فهى لا تخلو منها، باردةً كانت أو حارّةً. وأكثر رياحها فى الصيف السافياء. تأتى بغبار وتراب ودقيق تطيّره على وجوه الناس وتُدْخِله فى الديار من خَصَاص الزجاج. ومن الغريب أن الريح الشرقية التى تكون فى الشتاء زمهريرًا تصير فى الصيف سَمُومًا فتتشقق بها أخشاب المنازل وهى مصبوغة، وتُصَرْصِر بها روافد السقوف ويجفّ بها الزجاج ويتصلب فينكسر بأدنى مس، ويترمّد بها الجلد والورق، بل يتأثر بها الحديد والنحاس والعظم ونحوه، وينتن شمع الشحم فتكون الشمعة فى البيت كالجيفة. وقد تبلغ درجات الحر فيها فوق المائة فيقضى الوَمَدُ باللباس الخفيف من الكتان، وبالنوم من دون غطاء. وأكثر أهل مالطة ينامون ليلا على السطوح لكون سطوح ديارهم غير مُسَنَّمة بخلاف ديار فرنسا وإنجلترة. وإذا مشى الإنسان خطوات فى الصيف يعوم فى عرقه، ثم لا يلبث أن تلفحه لفحة من الريح، فينبغى أن يكون أحذر من غراب”(2).
ومما قاله عن مالطة والمالطيين أيضا: “ولما كان أهل مالطة أحرص الناس على ملابسهم وأحذيتهم كان خروجهم فى الطرق، ولا سيما فى الشتاء، قليلا، فتبقى الطرق دائما نظيفة. فأما فى لندرة فإن النساء يخرجن صيفا وشتاء ويلبسن قباقيب تقيهنّ من الوحل، فلهذا تكون طرقها وسخة جدا. وقد رأيت كثيرا من الإفرنج يعجبون بنظافة طرق مالطة ويفضلونها على كثير من طرق المدن العظيمة بأوروبا، غير أن زوايا كل منها ممتلئة قذرا ونجاسة، ومنها ما لا يمكن لاثنين أن يمشيا فيه معا. وفى كل زاوية فانوس مركوز على دعائم من حديد يوقد الليل كله. ومثل تلك الفوانيس لا يوجد فى لندرة وباريس إلا فى أضيق الطرق وأردئها… (و)حوانيت أهل الحرف والصنائع فى فاليتة وغيرها أيضا متفرقة فى جميع أطراف المدينة، فربما كان دكان الحداد تحت دار قاض أو مطران، ولا تزال أصوات المطارق بالغة مسامعه. وكذا الزوانى، ففى كل طريق هنا ترى منهن جملة حتى قدام قَصْرَىِ الحاكم والمطران. وكثيرا ما يتفق أن صاحب العيلة يستأجر دارا بجانب زانية تكون إذ ذاك غائبة فلا يدرى بها. حتى إذا تبوَّأ محلّه أقبلت تجر ذيول عهرها. فمتى قدمت البحرية سمعتَ لهم ولهن ضجيجا منكرا ولا تزال تسمع سفلة أهل البلد يغنون فى الليالى ويزأطون، ولا وازع لهم… وبالجملة فإنه قلما يتهنأ الإنسان هنا فى سكنى دار. ثم إنه ليس فى فاليتة حمّامٌ منظورٌ يتطهرون به من نجاستهم، فإذا اضطُرّوا إلى كشط الوسخ عن أبدانهم استحموا فى البحر”(3).
كذلك لا أظن إلا أن الشدياق هو أول عربى يكتب عن رحلته إلى بلاد الإنجليز، وذلك فى كتابه الآخر: “كَشْف المخبَّا عن فنون أوربّا”، الذى سجل فيه مشاهداته ووقائع حياته وآراءه ومشاعره أثناء إقامته فى بريطانيا وفرنسا. وقد سافر الشدياق إلى بريطانيا سنة 1848م، وكان قد جاءها قبل ذلك بسنتين ومكث فيها عدة شهور، أما هذه المرة فقد ظل فيها حتى سنة 1853م، وبعدها رحل إلى الآستانة. وفى هذا الكتاب يأخذ الشدياق فى وصف كل شى رآه فى ذينك البلدين، لا يترك شاردة ولا واردة مما يعتقد أن من المهم إطلاع قومه عليه إلا وصفه. إنه يتكلم عن المدن والريف والجو والطعام والبيوت والأثاث والكنائس والبرلمان والتجار والفلاحين وبنات الليل…إلخ، ذاكرا رأيه فى كل شىء بمنتهى الصراحة. وهو فى هذا كله مفصِّل مستقصٍ، وحديثه مفعم بالحيوية والسخرية من طعام الإنجلييز وبخلهم، ومن تعالم المستشرقين على غير أساس. كما يقارن دائما ما عند الأوربيين بما عندنا، وإذا رأى من ألوان التقدم فى بلادهم ما تفتقر إليه بلاده وأمته شعر بالألم والتنغيص الشديد. وبالمثل نراه لا يكف عن المقارنة بين الإنجليز والفرنسيين.
وهو دائم الشكاية من المعيشة فى الريف البريطانى حيث لا يوجد شىء من مظاهر الحضارة أو التسلية، وحيث يعيش الفلاحون حياة شديدة الخشونة، فلا ثقافة ولا فنون ولا شىء من متع الحياة، اللهم إلا أصوات نواقيس الكنائس التى يقرعونها دفعًا للملل واجتلابا لشىء من البهجة، وحيث تنقطع الاتصالات مع المدن والقرى الأخرى عند هطول المطر وتحول الطرق إلى أوحال. ولقسوة البرد عند البريطانيين نراهم يَعُدّون تقريب الضيف من الـمُصْطَلَى غاية الجود، أما إكرامه بالطعام كما نفعل فى بلادنا فلا يعيرونه كبير اهتمام، إذ أقصى ما تعرضه ربة المنزل عليه فى مثل تلك الحالة هو ربع تفاحة مثلا. كما تحدث عن انشغال التجار وأصحاب الأعمال بأمورهم تاركين زوجاتهم دون التفات إلى ما يصنعنه فى غيابهم. ومما لفت نظره أيضا فى بيوت الإنجليز اهتمامهم بتغطية الدَّرَج بالبُسُط الفاخرة التى يدوسونها بأحذيتهم، فى الوقت الذى لا تهتم فيه صاحبة البيت بالتزين بقطعة من الماس أو بشال من الحرير. وفى رأيه أن باريس أفضل من لندن فى مبانيها ومطاعمها ومتنزهاتها ودُور علمها، ومن ثم يقصدها الألوف من أبناء الأثرياء الإنجليز للعيش فيها، على حين لا يفعل الفرنسيون ذلك بالنسبة إلى لندن. ويتخلل ذلك كله الإشارات التاريخية والإحصاءات التجارية وما أشبه.
ولقد كان، رحمه الله، كثير السَّخَر بالمستشرقين وتعالمهم رغم جهلهم حسب وصفه لهم، ومن ذلك قوله عن المستشرق ريتشاردسون إنه قد “ألف كتابا فى لغته ولُغَتَىِ العرب والفُرْس، فأُقْسِم بالله إنه كان لا يدرى من لغتنا نصف ما أدريه أنا من لغته. بل سوّلت له نفسه أيضا إلى أن ترجم النحو العربى فخلط فيه ولفّق ما شاء، فمثَّل للإضافة بقوله: “قدح فضة” و”ملك كسرى” و”رأس أمان” و”الغالب عجم” و”غالب عجم” و”كتاب سليمان” و”نصرا عقبه”، وفسرها بأنها مثنًّى مضاف إلى “العقبة”، و”نصروا عقبه” و”النصرا عقبه” و”النصروا عقبه”. وأورد حكاية من كتاب “ألف ليلة وليلة” عن ذلك الأحمق الذى قَدَّر فى باله أن يتزوج بنت الوزير، فلما وصل إلى قوله: “ولا أخلى روحى إلا فى موضعها” ترجمها: “ولا أعطى الحرية لنفسى، أى لزوجتى، إلا فى حجرتها”… فإن أحدهم لا يبالى بأن يؤدى معنى الترجمة بأى أسلوب خطر له، فلو قرأ أحدهم سَبًّا فى كتبنا نحو “يحرق دينه” ترجمه أن دينه ساطع متلهب من حرارة العبادة والقنوت بحيث إنه يحرق ما عداه من المذاهب، أى يغلب عليها، فهو الدين الحقيقى كما ورد أن الله نار آكلة…”(4).
وقال عن الكِبْر الإنجليزى الشهير محللا طبيعته: “اعلم أن كبرياء عِلْيَة الإنجليز… أنك تنظر فيهم الأنفة وكلوح الوجه، ولكن متى خالطت منهم أحدا تبين لك أنه لا فخور ولا فيّاش. ومن كان دخله فى العام منهم مليون ليرة يوهمك أنه مثلك… ومن يكن عنده ألفا كتاب فإذا قلت له مثلا: ما أكثر كتبك! قال لك: لعلى مسرف فى شرائها، وما كان ينبغى لى هذا. مع أنه لو قال لك: إنى قادر على شراء ضعفها لكان من الصادقين… ومن يكن مضطلعا بالعلوم والفنون فإذا سألته عن شىء لم يجبك إلا بعد التروى ولا ينسب إليه حل المشاكل واستخراج المجهول. وإذا سألته عن شخص يدّعى العلم ويؤلف ما لا يَرْضَى به العلماء قال: لعله استعجل فيما ألفه ولم تمكنه مراجعته، وقد يكون مع المستعجل الزَّلَلُ. ولا يعيا عن أن يجد له عذرا يستر به عيبه. ومتى كان فى أعلى المراتب لم يستنكف أن يجيب من يسأله أيًّا كان. فقد تبين لك أن كِبْر الإنجليز إنما هو فى وجوههم أكثر منه فى ألسنتهم وقلوبهم وأن وَسْم الناس إياهم بالعجرفة مطلقا ليس فى محله. إلا أننى لا أنفى عنهم الاتصاف بعزة النفس وترفيعها عن أن تذل لأحد، وهى من الخلائق المحمودة. فأما كبر السفلة منهم فهو إبداء العبوس أيضا مضافا إليه عدمُ التأدب فى الكلام والحركات ونَبْرُهم فى الخطاب وسوءُ الضحكِ واللقاءِ والـمُنْصَرَفِ… وهلم جرا”(5).
وعن أول دخوله فرنسا يقول: “ثم إننى ركبت الباخرة، أى سفينة النار، من لندرة إلى بولون بعد نصف الليل الواقع فى السادس من كانون الأول. وكنت أرجو أنها تقلع فى تلك الليلة، فوقع الضباب الكثيف حتى تعذَّر السفر إلى الصباح. فلما دنونا من المدينة المذكورة صادفْنا الجَزْر فى البحر فانتظرنا نحو أربع ساعات حتى جاء المدّ فبلغنا المدينة فى الفجر. فأُخْرِجَتْ أمتعتنا وفُتِحَتْ فى ديوان الـمَكْس، وكان معى عدة صناديق من جملتها صندوقا كتبٍ فلم يأخذوا عليها شيئا. وسمعت بعضهم يقول: هذا مُرْسَل، أى قسيس مبعوث من طرف الإنجليز لهداية بعض الضالين. إلا أنهم وجدوا فى أحدها رطلا من الشاى، فقالوا: إما أن تؤدى عليه شلنين وإما أن تتركه هنا. فقلت: لا بل أؤدى عليه ما تطلبون. وفرحتُ بذلك غاية الفرح لأنى كنت مُوجِسًا من أنهم يتقاضَوْن على الكتب كثيرا، لا سيما وأن كثيرا منها كان جديدا كما جلَّده المجلِّد. وهنا نصيحة أو شبه نصيحة لإخوانى من المسافرين، وهى أن من تصدَّى منهم إلى فتح صندوقه أولاً يلقى المفتش فى عُرَام نشاطه وظَمَائه إلى أن يجد عنده حاجة جديدة فيضبطها منه إظهارا لحذقه فى صنعة التفتيش. فأما من يأتى آخر القوم فإنه يلقاه قد كَلَّ وضَجِرَ، فأول ما يفتح الصندوق ويتلمّسه يُطْبِقه. وربما اجتزأ عن ذلك بسؤال واحد يلقيه عليه كأن يقول له: هل عندك شىء يُؤَدَّى عليه مَكْس؟ ولا بد بالضرورة أن يكون الجواب بالسلب. غير أن جُلّ الناس يحبون التقدم فى كل شىء، فتراهم يتزاحمون على فتح صناديقهم وأَخْرَاجهم وعِيَابهم كأنما هم فى حَلْبة سباق”(6).
وبالمثل لست أذكر أن هناك من ترجم لنفسه من العرب فى عصر النهضة قبل الشدياق، الذى كتب فى هذا الموضوع “الساق على الساق فيما هو الفارياق”، بل لا أحسب أى كاتب عربى فى أى عصر قد سبق الشدياق إلى الحديث عن نفسه بهذه الصراحة وذلك المجون اللذين نجدهما فى الكتاب المذكور، أو إلى الحديث عن زوجته وإعطائها الفرصة لتعبر عن نفسها وآرائها ومشاعرها، وفى مسائل شديدة الحساسية مما يدور بين المرأة وزوجها، بهذا القدر من الحرية. صحيح أنه من الممكن أن يكون كثير من الكلام الذى قالته زوجة الشدياق فى هذا الكتاب هو كلام الشدياق نفسه وضعه على لسانها لهذا السبب أو ذاك، لكن يبقى مع ذلك أنه لم يتحرج من إظهار زوجته على صفحات كتابه فى شىء كثير من الصراحة والجرأة، وهو ما لا أعرف أن كاتبا عربيا آخر قد فعله حتى الآن رغم انصرام كل هذا الوقت الطويل من منتصف القرن قبل الماضى. ومن الواضح أن الفرق هنا بين الشدياق ومعاصره الطهطاوى هو كبُعْد المشرقين، إذ لا ذكر لزوجة رفاعة فى أى من كتبه أو مقالاته. وهو بهذا يسير على سنّة الأدباء والكتاب العرب القدامى الذين لم يحاول أى منهم أن يزيح الستار ولو قليلا عن أسراره الزوجية بأى حال.
كذلك ما من كاتب عربى صنع ما صنعه الشدياق فى كتابه ذاك من انتهاز كل سانحة للخروج عن الموضوع الذى يكون بصدده والدخول فى سلسلة طويلة من المترادفات وأشباهها قد تتجاوز مائتى لفظ حتى ليظن القارئ أنه نسى نفسه وما كان ماضيا فيه، إلى أن يفاجأ بالشدياق يعود به أدراجه من هذا الاستطراد الترادفى إلى كلامه الأصلى. ومن الأمثلة على ذلك هذا النص التالى، وهو فى الكلام عن المحورين اللذين يدور عليهما الكتاب، وهما المترادفات والحديث عن الجنس اللطيف: “فأما إن قلتم إن عباراته صريحة بحيث لا تقيل التأويل، فأقول لكم إنكم بالأمس كنتم تخطأون وتحضرمون وتهرأون وتلحنون وتلكنون وتغلطون وتوهمون وتعفكون وتلبكون وتلتكون وتلفتون وتعصدون وتخلطون وتخطلون وتهذون وتهذرون وتحصرون وتلخون وتلخلخلون وتعجمون وتجعمون وتقدمونوتلفون وتتبلتعون وتتلهيعون وتلغلغون وتلقلقون وتقلقلون وتترترون وتثرثرون وتحصرون وتفرفرون وتجمجمون وتمجمجون وتغمغمون وتمغمغون وتتغتغون وتثعثعون وتثغثغون وتبعبعون وتبغبغون وتوتغون وتضغضغون وتعيون وتفههون، فمتى جاءكم العلم حتى تفهموها؟…
ثم إن شرطي على القارئ ألا يسطّر من الألفاظ المترادفة في كتابي هذا على كثرتها، فقد يتفق أن يمر به في طريق واحدة سِرْب خمسين لفظة بمعنى واحد أو بمعانٍ متقاربة، وإلا فلا أجيز له مطالعته ولا أهنؤه به. على أني لا أذهب إلى أن الألفاظ المترادفة هي بمعنى واحد وإلا لسَمَّوْها: المتساوية. وإنما هي مترادفة بمعنى أن بعضها قد يقوم مقام بعض. والدليل على ذلك أن الجمال مثلا والطول والبياض والنعومة والفصاحة تختلف أنواعها وأحوالها بحسب اختلاف المتصف بها، فخَصَّت العرب كل نوع منها باسم. ولبُعْد عهدهم عنّا تظنَّيْناها بمعنى واحد. وقِسْ على ذلك أنواع الحليّ والمأكول والمشروب والملبوس والمفروش والمركوب… هذا، وإني قد ألّفته وما عندي من الكتب العربية شيء أراجعه وأعتمد عليه غير القاموس، فإن كتبي كانت قد فَرِكَتْني فاعتزلتُها، غير أن مؤلفه رحمه الله لم يغادر وصفا في النساء إلا وذكره. فكأنه كان أُلْهِمَ أنْ سيأتي بعده من يغوص في قاموسه على جمع هذه اللآلئ في مؤلف واحد منتسق لتكون أعلق بالذهن وأرسخ في الذِّكْر.
ولولا أني خَشِيتُ غيظ الحسان عليَّ لكنت ذكرت كثيرا من مكايدهن وحيلهنّ ومحالهن، لكني إنما قصدت بتأليفه التقرب إليهنّ وترضّيهن به. وإني آسف كل الأسف على أنهن غير قادرات على فهمه لجهلهنّ القراءة لا لِعَوَص العبارة، إذ لا شيء يصعب على فهمهن مما يَؤُول إلى ذكر الوصل والحب والغرام. فهن يستوعبنه ويتلقفنه من دون تلعثم ولا قصور ولا ترجٍّ. وحسبي أن يبلغ مسامعهن قول القائل إن فلانا قد ألف في النساء كتابا فضّلهن به على سائر المخلوقات، فقال إنهن زخرف الكون، ونعيم الدنيا وزهاها، وغبطة الحياة ومناها، وسرور النفس ومشتهاها، وعلق القلب، وقرة العين، وانتعاش الفؤاد، ورَوْح الرُّوح، وجلاء الخاطر، وتعلل الفكر، ولهو البال، وجنة الجنان، وأنس الطبع، وصفاء الدم، ولذة الحواس، ونزهة الألباب، وزينة الزمان،، وبهجة المكان…، بذكرهن يلهج اللسان، ولخدمتهن تسعى القدم، وتُتَحَمَّل الأعباء، وتُتَجَشَّم المشاقّ، ويهون الصعب، ويُتَجَرَّع الصاب، ويقاسَى الضر، ولرضائهن يذل العزيز، ويُبْذَل النفيس، ويُذَال المصون، وإن خَلاَق الرجل من دونهن حرمان، وفوزه خيبة، وهناؤه تنغيض، وأنسه وحشة، وشبعه جوع، وارتواؤه ظمأ، ورقاده أرق، وعافيته بلاء، وسعادته شقاوة، وطُوبَى له كالزَّقّوم، والتسنيم كالغِسْلِين، فإذا قدر الله بلوغ هذا الخبر المطرب سماع إحدى سيداتي هؤلاء الجميلات وسُرَّتْ به وفرحت، ورقصت ومرحت، رجوتُ منها وأنا باسط يد الضراعة أن تبلّغه أيضا مسامع جارتها، وأَمَّلْتُ من هذه أيضا أن تطالع به صاحبتها حتى لا يمضي أسبوع واحد إلا ويكون خبر الكتاب قد ذاع في المدينة كلها. وكفاني ذلك جزاء على تعبي الذي تكلفته من أجلهن. ألا ولْيَعْلَمْنَ أني لو استطعت أن أكتب مديحهن بجميع أصابعي وأنطق به بكل جوارحي لما وفَّى ذلك بمحاسنهن. فكم لهن عليّ من الفضل حين بَدَوْن في أفخر الحلل، ومِسْنَ بأحسن الحُلِيّ، ونظرن إليَّ شافنات حتى أُبْتُ إلى حِفْشِي وأنا أتعثر بأفكاري وخواطري، فما كادت يدي تصل إلى قلمي إلا وقد تدفقت عليه المعاني وساحت على القرطاس، فأورثنني بين الناس ذكرا وفخرا، ورفعن قدري على قدر ذوي البطالة والفراغ. نعم إن من بينهن من نفست عليّ بطيفها في الكَرَى، ولكنها معذورة في كونها لم تكن تعلم أني أتكلف النوم بعد أن رأت عيني من جمالها ما يبهر العقل ويبلبل البال.
فأما إذا تعنَّتَ عليّ أحد بكون عبارتي غير بليغة، أي غير مُتبَّلة بتوابل التجنيس والترصيع والاستعارات والكنايات، فأقول له: إني لما تقيدت بخدمة جنابه في إنشاء هذا المؤلَّف لم يكن يخطر ببالي التفتازاني والسَّكّاكي والآمدي والواحدي والزَّمَخْشَري والبستي وابن المعتز وابن النبيه وابن نباتة، وإنما كانت خواطري كلها مشتغلة بوصف الجمال، ولساني مقيدا بالإطراء على من أنعم الله تعالى عليه بهذه النعمة الجزيلة، وبغبطة من خوّله عزَّ وجلَّ عزة الحسن وبرثاء من حرمه منه. وفي ذلك شاغل عن غيره. على أني أرجو أن في مجرد وصف الجمال من الطلاوة والرونق والزخرفة ما يغني عن تلك المحسّنات استغناءَ الحسناء عن الحلي، ولذلك يقال لها: غانية. وبعد، فإني قد علمت بالتجربة أن هذه المحسنات البديعية التي يتهور فيها المؤلفون كثيرا ما تشغل القارئ بظاهر اللفظ عن النظر في باطن المعنى”.
ولقد صرح الشدياق نفسه فى فاتحة كتابه بأنه إنما وضعه لإبراز غرائب اللغة ونوادرها من ناحية، وذكر محامد النساء ومذامّهن من ناحية أخرى: “الحمد لله الموفق إلى السداد والملهم إلى الرشاد. وبعد، فإن جميع ما أودعته في هذا الكتاب فإنما هو مبنيّ على أمرين: أحدهما إبراز غرائب اللغة ونوادرها، فيندرج تحت جنس الغريب نوع المترادف والمتجانس، وقد ضَمَّنْتُ منهما هنا أشهر ما تلزم معرفته، وأهم ما تمس الحاجة إليه على نمط بديع. ولو ذُكِر على أسلوب كتب اللغة مقتضَبًا على العلائق لجاء مملاًّ. وقد راعيت سَرْده مرةً على ترتيب حروف المعجم، ومرّةً نسقتُه بفِقَرٍ مسجعة وعبارات مرصَّعة. ومن ذلك القلبُ والإبدالُ كما في التورور والثورور والتوثور والترتور، وتمطي وتمتي وتمطط وتمدد. ومنه إيرادُ ألفاظ كثيرة متقاربة اللفظ والمعنى من حرف واحد من حروف المعجم، نحو الغطش والغمش والبهز والبحز والبغز والحفز تنبيهًا على أن كل حرف يختص بمعنى من المعاني دون غيره. وهو من أسرار اللغة العربية التي قَلَّ من تنبه لها… والأمر الثاني ذكر محامد النساء ومذامّهن. فمن هذه المحامد ترتقي المرأة في الدراية والمعارف بحسب اختلاف الأحوال عليها كما يظهر مما أُثِر عن الفارياقية (يقصد زوجته). فإنها بعد أن كانت لا تفرق بين الأمرد والمحلوق اللحية، وبين البحر المِلْح وبحر النيل، تدرّجتْ في المعارف بحيث صارت تجادل أهل النظر والخبرة، وتنتقد الأمور السياسية والأحوال المعاشيّة والمعاديّة في البلاد التي رأتها أحسن انتقاد. فإن قيل إنه قد نُقِل عنها ألفاظ غربية غير مشهورة لا في التخاطب ولا في الكتب فلا يمكن أن تكون قد نطقتْ بها، قلت إن النقل لا يلزم هنا أن يكون بحروفه، وإنما المدار على المعنى. ومن تلك المحامد أيضا حركات النساء الشائقة وضروب محاسنهن المتنوّعة التي لم يُتَصَوَّر منها شيء إلا وذكرتُه في هذا الكتاب. لا، بل قد أودعتُه أيضا معظم خواطرهن وأفكارهن وكل ما اختص بهن”.
ومن الجديد الذى يتضمنه هذا الكتاب أيضا احتواؤه على عدة مقامات. أى أنه ليس سيرة ذاتية خالصة، بل سيرة ذاتية ومقامات واستعراضا لغويا يتمثل فيما أشرنا إليه آنفا من سلاسل ترادفية. وهذا الاستعراض اللغوى مرجعه إلى معارف الشدياق المتبحرة فى اللغة، فقد كان من المغرمين منذ صغره بهذا الجانب من جوانب المعرفة، ولطالما عكف بعد نضجه على معاجم اللغة ينقِّب ويحفظ ويتتبع الأخطاء ويصححها مما ظهرت ثمرته فى بعض ما ألف من كتب. والكتاب ممتع إمتاعا عظيما، وقد جعله عماد الصلح مثالا لــ”الكمال الفنى”(7)، وهو حكم لا يخلو من مبالغة، وبخاصة إذا كان المقصود به القول بأنه ما من أديب عربى قد وصل إلى مستوى الشدياق فى كتابة سيرته، إذ لدينا “الأيام” لطه حسين، و”قصة حياة” للمازنى، و”حياتى” لأحمد أمين مثلا مما لا يَقِلّ، إن لم يَزِدْ عن كتاب الشدياق. وهذا فى الأدب المصرى فحسب.
وللشدياق كتب فى اللغة مثل “سر الليال فى القلب والإبدال”، الذى يدور حول الأفعال والأسماء التى يكثر تداولها على أقلام الكتاب فى محاولة الكشف عن معانيها وأصل مدلولاتها…إلخ، و”الجاسوس على القاموس”، الذى تتبع فيه مآخذ “القاموس المحيط” للفيروزابادى، وهى أربعة وعشرون مأخذا: بعضها يرجع إلى الخطة التى بُنِىَ عليها الكتاب، وبعضها إلى العبارة التى كُتِب بها وما إلى هذا، ثم بعض الكتب فى النحو العربى والإنجليزى والفرنسى، فضلا عن كتاب هائل ذى مجلدات اسمه “منتهى العجب في خصائص لغة العرب” كان، رحمه الله، قد ألفه لإبراز مزايا العربية وخصائص حروفها الهجائية كقوله مثلا إن “من خصائص حرف الحاء السعة والانبساط، نحو الابتحاح والبداح والبراح والأبطح والابلنداح والجح والرحرح والمرتدح والروح والتركح والتسطيح والمسفوح، والمسمح في قولهم: إن فيه لمسمحا، أي متسعا، والساحة والانسياح والشدحة والشرح والصفيحة والصلدح والاصلنطاح والمصلفح والطح والمفرطح والفشح والفطح والفلطحة… إلى آخر الباب. ويلحق به ألفاظ كثيرة خفيّة الاتصال لا تُدْرَك إلا بإمعان النظر نحو الإسجاح والتسريح والسماحة والسنح. ومن خصائص حرف الدال اللين والنعومة والغضاضة، نحو البراخدة والتيد والثأد والثعد والمثمعد والمثمغد والثوهد والثهمد والخبنداة والخود والرادة والرخودة والرهادة والعبرد والفرهد والأملود والفلهود والقرهد والقشدة والمأد والمرد والمغد والملد… إلى آخر الباب. ويلحق به من الأمور المعنوية الرغد والسرهدة والمجد وغير ذلك. وربما عادلوا في بعض الحروف، أي راعَوْا فيها الإكثار من النقيض، فإن حرف الدال يشتمل أيضا على ألفاظ كثيرة تدل على الصلابة والقوة والشدة، وذلك نحو التأدد والتأكيد والتأييد والجلعد والجلمد والجمد والحديد والسحدد والسخدود والسمهد والتشدد والصفد والصلد والصلخد والصمغد والعجرد والتعجلد والعرد والعربد والعرقدة والعصلد والعطود والعطرد والعلد… إلى آخره. ومن خصائص حرف الميم القطع والاستئصال والكسر، نحو أرم وأزم وثرم وثلم وجذم وجرم وجزم وجلم وحزلم وحسم وحطم وحلقم وخذم وخرم وخزم وخضم… إلى آخر الباب. ويلحق به من الأمور المعنوية: حُمَّ الأمر، أي قُضِيَ، وحرم وحتم وحزم، فإن معنى القطع ملحوظ فيها. ويكثر في هذا الحرف أيضا معنى الظلام والسواد. ومن حرف الهاء الحمق والغفلة والرثء، أي قلة الفطنة، نحو أله وأمه وبله والبوهة وتفه والتوه والدله والسبه وشده، لغة في “دهش” أو مقلوب منه، وعته وعله وغمه ونمه ووره. وقس على ذلك سائر الحروف. ومن هذا الغريب أيضا كون بعض الصِّيَغ يختص بمعنى من المعاني، نحو اجْرَهَدّ واسْمَهَرّ”. إلا أن الحريق الذى شب فى منزل الشدياق قد أتى على ذلك الكتاب. وقد أكد جرجى زيدان أن الشدياق نحا فى هذا الكتاب نحوا جديدا لم يسبقه إليه غيره على أسلوبه(8). بَيْدَ أن ابن فارس وابن جنى قد قالا مثل ذلك أو شيئا قريبا منه قبل زمن طويل. ثم علينا ألا ننسى أن الكتاب قد دمره الحريق الذى أشرنا إليه، ومن ثم فمن الصعب تماما نسبة الأولوية إلى الشدياق فى شىء ليس موجودا فى أيدينا.
ومن آراء الشدياق اللغوية الهامة التى لا بد من الوقوف أمامها مَلِيًّا تأكيده أن العربية هى أصل السريانية والعبرية لا العكس كما يزعم المستشرقون دائما كلما وجدوا اتفاقا بين لسان الضاد وبين إحدى اللغات السامية، إذ تراهم يحكمون تلقائيا بأن العربية هى المستعيرة. يقول الشدياق فى “كنز الرغائب”: “قد ذكرتُ في إحدى الجوائب أن اللغة العربية أصل اللغة السريانية والعبرانية، وأوردتُ الدليل على ذلك من وجود علامات الإعراب في العربية، ثم قلت: فمن لم يقتنع بهذا الدليل رجعته إلى “سر الليال”. والمراد بذلك أن هذا الكتاب موضوع لتبيين مشتقات الألفاظ ونسق الأفعال بعضها ببعض لإيضاح معانيها. وبهذه الطريقة تندفع دعوى من يدعي أن بعض هذه الألفاظ مأخوذة من اللغات الأعجمية. مثال ذلك لفظ “الكنز”: زعم العلامة الخفاجي في “شفاء الغليل” أنه معرب “كنج”، وقال الثعالبي في “فقه اللغة”: “فصل في ذكر أسماء قائمة في لغة العرب والفرس على لفظ واحد”، ثم ذكر منها “الكنز”، فكأنه يزعم أن ذلك على سبيل التوافق. فنقول في الجواب بناءً على ترتيب “سر الليال” إن “كَنَّهُ كنًّا وكنونًا” بمعنى ستره. ومثله جّنَّه. ثم كَنَبه في جرابه: كنزه. والكانب: الممتلئ شبعا. ثم كَنَتَ في خلقه: قَوِىَ. ثم كنبث: تقبَّض. ثم كَنَد النعمة: كفرها. وحقيقة معناها: سترها. ومثله في المأخذ غَمَط النعمة، فإنه وارد من غَمَّ بمعنى ستر أيضا. ثم كنز الشيء في الوعاء: خبأه. ويقرب منه جَنَز ثم كنس، ثم كَنَس الظبيُ: دخل في كناسه فلم ينقطع عن الستر. والكنيسة: متعبَّد اليهود أو النصارى. وحقيقة معناها مكان يُسْتَتَر فيه”(9).
ثم يستمر قائلا: “فأنت ترى أن معنى الستر والجمع دائر في جميع هذه الألفاظ. فإذا ادّعى فارسيٌّ أن “الكنز” معرَّب “كنج”، أو سريانيٌّ أن “الكنيسة” معرب “كنشي”، بمعنى جماعة، قلنا لهما: بل أنتم قومٌ لُثْغٌ لم تحسنوا النطق بألفاظنا فبدلتموها وحرفتموها. وقِسْ على ذلك ما إذا كانت اللفظة جامدة ولكنْ تقدَّمَها ألفاظ مشتقة جاءت على وتيرة واحدة، فإنا نحكم بموافقة معناها لها. مثال ذلك لفظة “الشمس”، فإنها تظهر في أول الأمر أنها لفظة جامدة. فإذا قابلتها بــ”الشمس والشمخ والشمذ والشمر والشمز” وغير ذلك مما يدل على الارتفاع حسيًّا كان أو معنويًّا حكمنا للشمس بهذا المعنى. وبهذه الطريقة يبطل تمحل الذين يحاولون نسبة القصور إلى اللغة العربية، فتراهم أبدا حائمين حول لغات الأعاجم ويقولون إن ألفاظ العرب مأخوذة منها، من دون دليل ولا برهان. وما ذلك إلا لحصول بعض المشابهة بين العربية وغيرها. فكان الأولى لهم أن يقولوا في الأقل إن ذلك وقع على سبيل التوارد لا أن يجزموا بكونها معربة. نعم إني لا أنكر أن يكون قد دخل في لغة العرب بعض ألفاظ من لغة العجم، وهي أسماء لأشياء لم تكن معروفة عند العرب كلفظة “الإستبرق” مثلا. إلا أن ما كان بخلاف ذلك ينبغي أن يُحْمَل عليه، فلا يصح أن يقال إن “اللجام” معرب، لأن العرب عرفت الخيل وما يلزم لها قبل جميع الأمم. ومن هذا القبيل “الكنز” و”الخوان” ونحوهما مما ذُكِر في “شفاء الغليل” و”كليّات” أبي البقاء. وبما مر من تناسق الألفاظ في العربية تعلم أن هذه المزية مخصوصة بها. والمزية الثانية اشتقاق عدة ألفاظ من أصل واحد كقولك من “كتب”: “كاتِبٌ وكِتَابٌ ومكتوبٌ ومَِكْتَبٌ (بفتح الميم وكسرها) وكاتَبَ واستكتبَ”. فهذه المزية لا توجد في لغات العجم مُطَّرِدَة. وقِسْ على هذا سائر المحاسن الغريزية التي اختصت بها هذه اللغة الأصلية دون جميع اللغات. ومع هذا فإن الناس هنا يرغبون عنها إلى اللغات المشوهة بالتلفيق والترقيع والتجديع والتقطيع”(10).
والآن إلى أسلوب الشدياق. وأول ما نذكره بشأن هذا الأسلوب أنه فى مجمله أسلوب مرسل، إذ لا نجد السجع إلا فى عناوين كتبه وبعض الفقرات والجمل هنا وهناك فى كل واحد من تلك الكتب كما هو الحال عند الطهطاوى، فضلا عما تضمنه “الساق على الساق” من مقامات. وقد أكد عماد الصلح فى دراسته الممتعة عن الشدياق رحمه الله أنه “يشكل وثبة نوعية فى الأدب بالقياس إلى أدباء عصره”، وأن هذه الوثبة “تتمثل بالدرجة الأولى فى ترسُّله الحر إزاء جمود الصنعة وتحجُّرها فى قوالب معينة”. ثم مضى فذكر بعض الأسماء فى هذا المجال كالشيخ حسن العطار (المصرى) والكونت رشيد الدحداح (اللبنانى) والشيخ محمود قبادو (التونسى)، موردا لكل منهم نصا مسجوعا للتدليل على الفرق بين أسلوبهم وأسلوب كاتبنا(11)، الذى جعله أساس النهضة الحديثة(12).
والواقع أن هذا حكم تنقصه الدقة، فقد سبق الطهطاوىُّ الشدياقَ إلى اعتماد النثر المرسل فى كتابه: “تخليص الإبريز فى تلخيص باريز” وفى طائفة من مقالاته التى نشرها فى جريدة “الوقائع المصرية” عقب عودته من فرنسا، وهى الفترة التى التحق فيها الشدياق بهذه الصحيفة فى وظيفة “مصحِّح” أثناء إقامته فى مصر قبل أن ينتقل إلى مالطة. وهذا بالنسبة للعصر الحديث فقط، وإلا فلم تكن كل الكتابات النثرية حتى فى أشد عصور التخلف الأدبى لدينا سجعا وبديعا كما قلنا. وبالمناسبة فقد زعم كرم الحلو فى مقاله: “مائة وخمسون عامًا على صدور “الساق على الساق فيما هو الفارياق”: أحمد فارس الشدياق رائد الحرية في الفكر العربي” بجريدة “الحياة” اللبنانية بتارخ 10/ 3/ 2005م أن الشدياق حين عاد من مالطة إلى القاهرة وعمل في تحرير جريدة “الوقائع المصرية” كان “أول عربي يمارس الصحافة”، وهو كلام لا صحة له، وإلا فماذا نقول إذن فى الطهطاوى، الذى كان الشدياق يشتغل فى تلك الجريدة تحت إشرافه؟ ترى ألم يكن الطهطاوى عربيًّا؟ أم ماذا؟
ثم إن الشدياق نفسه قد ذكر فى مقدمة “الساق على الساق”، وهو ما أشار إليه الصلح أيضا، أن كتابه يتضمن، ضمن ما يتضمن، الأسجاع وفنون البديع والمقامات(13). على أن الأمر لا يقتصر على الأسجاع والبديع فى كتبه، بل تشركها بعض مقالاته فى “الجوائب” أيضا، وبإقرار الصلح ذاته(14)، ومنها مقالته الافتتاحية فى أول عدد من تلك الصحيفة(15)، وذلك رغم حملة الشدياق على العبارة البديعية فى مقدمة “الساق على الساق” نفسها التى جاء فيها أيضا أن الكتاب يتضمن نثرا وشعرا وسجعا وبديعا ومقامات. وهذه هى عبارته المذكورة، وقد مرت من قبل: “فأما إذا تعنَّتَ عليّ أحد بكون عبارتي غير بليغة، أي غير متبَّلة بتوابل التجنيس والترصيع والاستعارات والكنايات، فأقول له: إني لما تقيدت بخدمة جنابه في إنشاء هذا المؤلَّف لم يكن يخطر ببالي التفتازاني والسَّكّاكي والآمدي والواحدي والزَّمَخْشَري والبستي وابن المعتز وابن النبيه وابن نباتة”.
لكن ينبغى هنا أن أنبه إلى أن بعض هؤلاء الكتاب القدماء الذين سماهم الشدياق كالآمدى وابن المعتز والزمخشرى لم يكونوا من أصحاب الأساليب البديعية، اللهم إلا الأخير فى مقاماته. كما ينبغى أن نورد ما قاله الشدياق أيضا فى استحسان أسلوب النثر المرسل البسيط، إذ بَيَّنَ أن أحسن الكتابة إنما “يتعلق بطرق التعبير وحسن الأساليب عند ضم الكلام بعضه إلى بعض”، وذلك كأن تقول: “ذهبت أمس إلى فلان لأسأله عن شىء فلم أجده إذ كان غائبا، فلما حضر أُخْبِر بزيارتى فتأسف كثيرا، فلم يلبث أن جاء ليعتذر لى عن غيابه فلم يجدنى فزاد تأسفه، وتأسفت أنا أيضا لأن سؤالى إياه كان أمرا مهما. قصدت زيارته مرة أخرى فلم أجده، ثم زارنى أيضا فلم يجدنى. وهكذا حتى مضى علينا أسابيع عدة ولم نجتمع”. ثم يعقّب قائلا: “فهذا الأسلوب سهلٌ بَيِّنٌ واضحٌ حَسَنٌ كلَّ الحسن، إذ ليس فيه تقديم ولا تأخير ولا تعقيد ولا خروج عما تقتضيه البساطة والطبيعية والتناسق الصناعى حتى إن المنصف ليعتقد بأنه لا يمكن تغييره وتبديله” (16).
ومن سمات الأسلوب الشدياقى كذلك أنه أسلوب محكم شديد الأَسْر لا يحس قارئه أن ثمة حاجة إلى تقديم لفظ أو تأخيره عن موضعه أو تغيير شىء منه، اللهم إلا حين يستخدم بعض الكلمات المعجمية التى لا يسهل فهمها أحيانا. وهو فى الواقع أمتن من أسلوب رفاعة، الذى قدمت فى هذا الكتاب أمثلة على ركاكته ولجوئه إلى الكلمات والتعبيرات العامية بين الحين والحين. وإنى لأستغرب كيف أقدم د. إبراهيم عبده على رمى أسلوب الشدياق فى كتابيه عن مالطة وأوربا بالضعف والركاكة(17)، وإنْ عاد فوصفه بعد قليل بالسهولة والترادف والغِنَى بالجناس، مما يمكن النظر إليه على أنه تراجع من جانب الدكتور عن رأيه السابق أو تلطيف له على أقل تقدير(18). ولا أستطيع أن أتذكر أنى قابلت مثل هذا الحكم لدى أى من الكتاب والنقاد الذين تحدثوا عن الشدياق وأدبه. ولقد قرأت له “الساق على الساق” و”الواسطة” و”كشف المخبّا” و”كنز الرغائب فى منتخبات الجوائب”، وأعجبنى أسلوبه إعجابا كبيرا مع بعض التحفظات القليلة غير ذات الشأن. وجاء فى “تاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده” للشيخ رشيد رضا أن محمد عبده كان يفضل أسلوب الشدياق على أسلوبه هو(19).
ولا يفوتنا أن نذكر من خصائص أسلوب الشدياق أيضا التهكم الذى يبعث على الضحك بل القهقهة. وهو فى تهكمه لا يبالى: إنه يتهكم برجال الدين، وبالمستشرقين، وبالتركى حين يتشامخ على العربى، وبكثير من الأوضاع التى عانى منها أو لم تعجبه فى بلاده أو فى مالطة أو فى إنجلترا وفرنسا وتركيا. بل إنه ليتهكم على نفسه أيضا. وله فى باب التهكم عجائب: فهو مثلا يتباله فى بعض الأحيان ويبالغ بما يخرج عن حد المنطق إبرازا لما يريد انتقاده من سخف وحماقة، معتمدا على التصوير المجسم الذى يستحضر به ما يصفه ويسخر به ويضعه بين يديك وتحت عينيك. لننظرْ كيف يسخر من طريقة بعض الطوائف فى الكتابة الدقيقة المتداخلة التى يصعب قراءتها قائلا: “لهم حروف كحروفنا هذه، إلا أنها لا تُقْرَأ إلا إذا أدخلها الإنسان فى عينيه”. ومن ذلك أيضا سخريته من بخل الأنجليز حيث ينصح زوجته قائلا: “ينبغى لكِ إذا دُعِينا إلى وليمة عند أحد أكابرهم أن تأكلى هنا من قبل أن تذهبى، فإن المدعوين لا يأكلون عند آدِبهم حتى يشبعوا، ولكن يشبعون حتى يأكلوا. والحذرَ الحذرَ من أن تمدى يدك إلى زجاجة الخمر أو إلى جفنة الطعام فتأخذى منها ما شئت، فإن ذلك يكون انتهاكا لحرمة المائدة والمجلس والقرية بل المملكة بأسرها. وإنما ينبغى أن تنتظرى من كرم الآدِب أن يُوعِز إليك بذلك”. كذلك انظر كيف يبالغ مبالغة تبعث على الاستلقاء على القفا من شدة القهقهة فى قوله عن خبز مالطة، مشيرا إلى نفسه بضمير الغائب: “ثم إنه بلغه أن خبز المدينة يُعْجَن بالأرجل، ولكن بأرجل الرجال لا النساء، فجعل يقلل منه ما أمكن حتى أضرَّ به الهزال وصدئت أضراسه من قلة الاستعمال، فوقع منها اثنان: من كل جانب واحد. وهذا أول إنصاف فعله الجوع على وجه الأرض، إذ لو كانا وقعا من جانب واحد لثَقُلَ أحد الجانبين وخَفَّ الأخر فلم تحصل الموازنة فى حركات الجسم”. ومن تهكمه على نفسه أته رأى ذات مرة امرأة متنقبة يخفى نقابها نتوءا ضخما، فظن أنها قد ركّبت عند أنفها حنجورا مملوءا بالعطر للتغطية على رائحة المواضع المنتنة التى تمر بها، إلى أن انكشف النقاب ففوجئ بأن السر وراء ذلك كله هو أنفها الضخم الذى علق عليه بقوله مشيرا إلى كبر أنفه أيضا: “وكأنه (أى أنفها) واجَهَ أنفى ليُحَيِّيَه”.
ومثل هذا التهكم يخلو منه تماما أسلوب الطهطاوى المتحفظ الوقور الذى يخيل إلى الإنسان أنه لم يكن يضحك قط رغم أن من عرفوه قد أَثْنَوْا على تواضعه وبشاشته وميله إلى الضحك ومداعبة الآخرين. إن كتابات الرجلين لتذكّرنى بالجاحظ وابن قتيبة: ففى كتابات الأول كثير من السخرية والقهقهة، على عكس الثانى الذى يصبغ كتاباتِه الجِدّ والانضباط. وبالمناسبة ففى حديث المازنى عن حياته وشخصيته ما نجده عند الشدياق من الإكثار من التهكم حتى على نفسه مما هو معروف عن ذلك الأديب الكبير.
كذلك فالمجون خصيصة أخرى من خصائص كتابات الشدياق. والرجل فى هذا الميدان لا يكاد يتحرج من شىء، اللهم إلا من البذاءات التى لا تليق، أما إلى غير هذا فإنه لا يلقى بالا. ويمتلئ كتابه “الساق على الساق” بهذا المجون الذى يحاول تسويغ إكثاره منه بأنه يريد إلى إبراز محاسن لغتنا الشريفة على حد قوله، وتشويق الناس إلى القراءة، وأن هناك من القساوسة الأوروبيين من ألّفوا كتبا فى موضوعات ماجنة مثل سويفت وإستورن وكليلاند ورابليه. وقد انتقد بعضُ دارسيه هذه السِّمَة فى أدبه انتقادا شديدا مثل رشيد يوسف عطا الله(20) وأنيس المقدسى(21)، وإن كنت أرى أنهما وأمثالهما قد بالغوا فى ذلك إلى مدًى بعيد، لأن هذا المجون إنما يمثل جانبا واحدا فقط من جوانب “الساق على الساق” بجوار الوصف الحى الممتع، ولفتات الذهن المذهلة، والأسلوب المتفنن المحكم، والسرد العجيب، والحوار الرشيق وغير ذلك. فكيف يَدَّعِى أنيس المقدسى أن ما فى هذا الكتاب “لا نصيب له من الروعة الأدبية الفنية إلا القليل” وأن كل كلام الشدياق فيه “ينحط إلى درجة المجون الرخيص”(22)؟ ولا يختلف حكم عطا الله اختلافا يُذْكَر عما قاله المقدسى. وقد رأينا قبل قليل كيف وضع عماد الصلح ذلك الكتاب فى درجة الكمال الفنى، ومن قَبْلُ أطراه إطراءً عظيمًا حسن السندوبى فى “أعيان البيان” ومارون عبود فى “صقر لبنان”.
ويجد القارئ فى أسلوب الشدياق بعض الألفاظ المعجمية كما سلفت الإشارة. ومن أمثلة ذلك: “المبتئس الشافِن” و”شَرِسٌ ضَبِسٌ” و”الإسراف والإرغال” و”الإرافة” و”الرثع” (أى البخل) و”الفُلْفُل والأفحاء” و”نبخات الكبريت” (أى عيدانه)، و”شياظمةٌ جبابرةٌ” و”قلوب تارِزة” و”هيكلٌ سنيع” و”عَنْجَرَ فى وجوهكم” و”زَعَبَ أمعاءه” و”تَلْثِى بالسم الناقع” و”لا تكْرع إلى الرجال”…إلخ.
وله كذلك تراكيب يكررها مثل: “ولَعَمْرِى إن…”، و”قد لَعَمْرِى فعلت كذا”، و”لقد طالما والله فعلت كذا”، و”ناهيك أنّ…”، و”كان فَعَلَ كيت وكيت” (بإسقاط “قد” التى يضعها كثير من الكتاب بين “كان” والفعل التالى لها)، و”حيث كان كذا وكذا كان لابد أن…” (بمعنى “ما دام الأمر هكذا…”)، و”كيف لا، وقد كان فلان يفعل هذا؟”، وكذلك تكريره “بين” مع اسمين ظاهرين مثل “بين أحمد وبين سعيد”، وهو تركيب صحيح كما قلت فى هذا الكتاب وفى غيره، وإنْ عابه المتنطِّسون، واستخدام “وإنْ” فى آخر الجملة بمعنى “رغم أن”، مثل قوله: “إن الله تعالى قد أمره بمشاورة أصحابه صلى الله عليه وسلم…، وإن كان فى غُنْيَةٍ عن المشاورة” (أى برغم استغنائه عن المشاورة)، و”هما شىء واحد فى المقصود، وإن اختلفا بالاسم”، واستخدام “إلا” و”لكن” بعد “إنْ” الشرطية كما فى قوله :”إنى، وإن كنت بشرا مثلك، لكنى وكيل من طرف شيخ السوق”، “أما جوائبيّو الفرنسيين فإنهم، وإن يكونوا من أصحاب البلاغة والبراعة، إلا أن باعهم فى السياسيات قصير”. وقد سبق أن رأينا هذا التركيب عند رفاعة، كما وجدته أيضا عند ابنه على فهمى وأستاذه الشيخ حسن العطار.
ومن التراكيب المستعملة كذلك لدى الشدياق إدخال “الواو” على خبر المبتدإ بعد “إلا ” فى جملة الاستثناء المفرغ كقوله: “ما مِنْ عِلْمٍ عُرِف فى زمانهم إلا وبذلوا فيه إمكان جهدهم”. وهذا التركيب قابلته عند ابن رفاعة فى بعض مقالاته فى مجلة “روضة المدارس” المصرية. وبالمثل نرى كاتبنا يدسّ “الواو” أيضا بين “لا بد” و”أنْ” التالية لها، مثل ” لا بد وأن يتعوَّضْن…”، “لا بد وأن يكون الاسم الزائد فى اللفظ زائدا فى المعنى أيضا”، ” لابد وأن يتبع غناها عناء”. وأذكر أن د. على عبد الواحد وافى قد لاحظ تكرر هذه التراكيب الثلاثة الأخيرة لدى ابن خلدون فى كتابه عن ذلك العلامة(23). كما وجدت الشدياق يُعَدِّى الفعل: “يستطيع” بــ”على” فى أكثر من موضع من كتاباته، مثل: “مع أنى بحمد الله أستطيع على الترجمة منها دون ارتكاب غلط فاضح”، “… عدم الاستطاعة على فعل كذا”. والمعروف أن هذا الفعل مُتَعَدٍّ بنفسه فلا يحتاج إلى “على” أو غيره. ويبدو أن الشدياق كان يستخدم هذا الفعل وفى ذهنه الفعل “يَقْدِر” المرادف له والذى يتعدَّى بهذا الحرف. ومن تلك التراكيب أيضا استخدام “ما إذا” للاستفهام بعد فعل السؤال وما أشبه، وذلك بدلا من “هل”، مثل: “وبقى النظر فى معرفة سبب هذا الشغب، وما إذا كان المراد من إطلاق أولئك المسجونين…”، “أولها ما إذا لم يَقُم الرجل بوفاء حق زوجته…”.
هذا، وقد أدخل الشدياق عددا من الألفاظ الجديدة فى لغتنا للتعبير عن المعانى والأدوات التى جاءت بها الحضارة الحديثة ولم يكن للعرب بها علم، مثل “الحافلة والمنطاد والباخرة والمستشفى والاشتراكية والملاكمة والجامعة وجواز السفر ومجلس النواب والميمون (لنوع من القردة) والنكّات (طائر ينكت الرمل بمنقاره بحثا عن الديدان) والقنغر والبيسون (للثور الأمريكى)…إلخ”. وكان، رحمه الله، لا يحب إدخال الألفاظ الأجنبية فى لسان الضاد، وانتقد العربَ القدماءَ فى أنهم تساهلوا فى هذا الأمر. كما تمنى لو كان عندهم ما يشبه المجمع اللغوى حتى يمنعهم من ذلك(24). ومن غيرته على لغته أيضا عمله الدائب على إحيائها وإغنائها عن طريق استخراج المترادفات من المعاجم واستعمالها بدلا من بقائها ميتة فيها، وكذلك عن طريق النحت والدعوة إلى التوسع فيه وغير ذلك(25).
وما دمنا فى الحديث عن الترجمة فلا بد من الإشارة إلى أن الشدياق هو أول من قام بترجمة الكتاب المقدس إلى لسان الضاد فى العصر الحديث، وهى الترجمة التى سافر من أجلها إلى بريطانيا وقضى فى الاشتغال بها نحو سنتين مواصلا الليل بالنهار. وقد طُبِعَتْ فى لندن سنة 1857م. وتتسم هذه الترجمة بالبعد عن الحرفية إلى حد بعيد وخلوّها من الركاكة وعجمة العبارة والتراكيب. وقد ذكر الشدياق أطرافا مما قاساه مع الدكتور لِى، الذى كان كاتبنا يعمل فى تلك الترجمة تحت إشرافه، إذ كان ذلك المستشرق يميل إلى النقل الحَرْفِىّ الأعجمى الروح والطابع، فكانت تنشأ بينهما مجادلات مرهقة سجلها الشدياق فى كتاب “كشف المخبا عن فنون أوروبا”. ومع كل هذا التعب الذى تعبه فى تلك الترجمة فإنها أُهْمِلَتْ وكأنها لم تكن حتى إنه لم يُعَدْ طبعها إلا فى أخريات القرن العشرين بطريقة التصوير من قِبَل إحدى المكتبات اللبنانية. وفى “موسوعة تاريخ أقباط مصر” المشباكية أنه “فى عام 1857م لندن قام فارس الشدياق ووليم واطس بترجمة الكتاب المقدس إلي العربية، وقام بنشره من جديدٍ الأب إبراهيم شروخ عام 1982”. وقد وقعت لى نسخة منها بطريق المصادفة، إذ وجدتها منذ بضع سنين فى القاهرة عند واحد من باعة الكتب المستعملة فى الشارع فاشتريتها منه وأنا فى غاية السعادة لأنى كنت أبحث عنها منذ سنوات بعيدة.
الهوامش:
(1) رجعت فى تحبير هذه السطور إلى عدد من الذين ترجموا للشدياق، وعلى وجه خاص: جرجى زيدان/ الفصل الخاص بالشدياق فى كتابه: “بناة النهضة العربية”/ دار الكتاب العربى/ 1982م، ومحمد عبد الغنى حسن/ أحمد فارس الشدياق/ سلسلة “أعلام العرب”/ العدد 50، وعماد الصلح/ أحمد فارس الشدياق- آثاره وعصره/ ط2/ شركة المطبوعات للتوزيع والنشر/ بيروت/ 1407- 1987م، وأنيس المقدسى/ الفنون الأدبية وأعلامها فى النهضة العربية الحديثة/ الصفحات الخاصة بالشدياق.
(2) أحمد فارس الشدياق/ كتاب الرحلة الموسومة بــ”الواسطة فى معرفة مالطة” و”كشف المخبَّا عن فنون أوربا”/ مطبعة الدولة التونسية/ 1283هـ/ 8.
(3) المرجع السابق/ 17.
(4) السابق/ 124- 125.
(5) السابق/ 173- 174.
(6) السابق/ 228- 229.
(7) عماد الصلح/ أحمد فارس الشدياق- آثاره وعصره/ 160.
(8) انظر جرجى زيدان/ بناة النهضة العربية/ 200.
(9) سليم فارس الشدياق/ كنز الرغائب فى منتخبات الجوائب/ الآستانة/ 1288هـ/ 1/ 189.
(10) المرجع السابق/ 1/ 190- 191.
(11) انظر عماد الصلح/ أحمد فارس الشدياق- آثاره وعصره/ 156.
(12) المرجع السابق/ 158.
(13) السابق/ 159.
(14) السابق/ 166.
(15) السابق/ نفس الموضع.
(16) السابق/ 166- 167.
(17) انظر د. إبراهيم عبده/ تاريخ الوقائع المصرية: 1828- 1942/ المطبعة الأميرية/ القاهرة/ 1942م/ 49.
(18) المرجع السابق/ 50.
(19) انظر محمد رشيد رضا/ تاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده/ مطبعة المنار/ 1324هـ/ 1/ 997.
(20) انظر كتابه: “تاريخ الآداب العربية”/ مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر/ بيروت/ 1405هـ- 1985م/ 364.
(21) انظر كتابه: “الفنون الأدبية وأعلامها فى النهضة العربية الحديثة”/ 152.
(22) نفس المرجع والصفحة.
(23) انظر كتابه: “عبد الرحمن بن خلدون”/ سلسلة “أعلام العرب”/ العدد 7/ 1975م/ 263/ هـ1.
(24) انظر عماد الصلح/ أحمد فارس الشدياق- آثاره وعصره/ 148.
(25) المرجع السابق/ 181- 182.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

معاناة السوريين تتضاعف نتيجة الأزمة الاقتصادية

المرصد الاستراتيجي نشر مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية (CSIS) دراسة (18 فبراير 2021) بعنوان: “معالجة أزمة …