أخبار عاجلة

بيت الداء في العراق (الديمقراطية النيابية)

المحامي محمد نادر العاني

باحث في مجال حقوق الإنسان
عرض مقالات الكاتب

النظام النيابي هو نظام الذي تستملكه كثير دول العالم وأحد اساليب الحكم الدمقراطي تأخذ به الدول لتستحكم شؤونها السياسية من خلاله، كونه النظام الاكثر انسجاما مع تطور الفكر السياسي المعاصر ولكن نجاح تطبيق هذا النظام لم يكن على حد سواء في جميع الدول مما يضع الدمقراطية النيابية امام فسطاطين الاول النموذجي والثاني المصطنع الظاهري فيكون الاول مستودع للتطور والتقدم ويكون النموذج الثاني سبب في اتجاه البلد نحو التشرذهم والفساد والهاوية وهذا مايعاني منه العراق بعد ٢٠٠٣ فالتغيير الذي حدث بعد الاحتلال الامريكي هو تغيير وتحول جذري من نظام فردي استبدادي الى نظام تعددي تخبطي مفكك اذ ان فلسفة تطبيق النظام النيابي فلسفة استثنائية لها اعتبارات محددة من حيث صفة النظام النيابي بالمبدا الديمقراطي ولهذا يتجه الفقه نحو الاعتبارات العملية والضرورات الاجتماعية حلا لهذا الاشكال, فالاخذ بالنظام النيابي املته الاعتبارات العملية وذلك لاستحالة قيام الحكم المباشر في الدول الحديثة نتيجة لاتساع مساحاتها وكثرة عدد سكانها وتعقد مشكلاتها التي لايمكن لمجموع المواطنين ان يتفهموها او ان يكون في وسعهم ايجاد الحلول لها مما يتطلب قيام هيئات فنية متخصصة لعلاجها فرغم المشكلة الحقيقية له الا ان الدستور العراقي لسنة ٢٠٠٥ اسس للنظام النيابي مباشرة رغم كل الظروف والاحداث التي رافقت السياسة القانونية للبلد فقد نصت المادة الاولى من الدستور ( جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي، وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق) .
ان كتابة هذا الدستور وفرض نمط سياسي كان في ظروف استثنائية معقدة للغاية والاضر من ذلك كانت ايادي الدول الخارجية لها الدور الفعال في رسم سياسة البلد ونظامه بدون تقرير علمي مدروس فمعاناة البلد وشعبه منذ ١٦ عشر عام من الفساد والمحاصصة والطائفية والانحدار والتدخلات كان لفكرة لنظام النيابي دورا فيها سواء كان ذلك بصورة مباشرة او غير مباشرة وذلك في عدة تفرقات منها:
١. قاد النظام النيابي البلد نحو مزيد من الطائفية كون يعتمد بشكل رئيسي على الانتخابات البرلمانية لتيسير الحكم في البلد واعتمدت هذه الانتخابات بشكل اصلي على الانتماء المكوناتي الذي زرعته السياسية الامريكية في العراق فالناخب يبحث عن ابن طائفته لانتخابه بغض النظر عن كفاءة ونزاهة المرشح وكذلك النواب والمرشيحين يعملون جهودهم نحو رقهم الجغرافية وابناء الطائفة المعينة بغض النظر عن ابناء البلد الاخرين فأدى ذلك الى خلق احتقان طائفي على مستوى السياسيين تسرب من خلاله الى كثير من ابناء الشعب.
٢. قاد النظام النيابي البلد نحو فرض المحاصصة حيث ادى النظام البرلماني الى تقسيم السلطات والامتيازات والمناصب المهمة في الدولة على اساس المحاصصة المكوناتية من الموجودة في البرلمان وكانت هذه المحاصصة على حساب النزاهة والتخصص والتكنوقراط والكفاءة مما ادى الى انحدار حاد في السياسة الادارية للبلد.
٣. الفساد المالي والاداري اسهم هذا النظام بشكل مباشر ومؤثر نحو الفساد المالي وسرقة مقدرات الشعب من خلال البحث الذاتي للاحزاب البرلمانية الى تحقيق المناصب والمقاعد البرلمانية ومقاعد مجالس المحافظات فمن المعلوم ان الحصول على المقاعد البرلمانية تحتاج الى دعايات انتخابية وقنوات فضائية وترويج وحتى التزوير وكل ذلك يحتاج الاموال ضخمة لتبقى هذه الاحزاب على المقدرة في المحافظة على مناصبها ومقاعدها مما يجعل في ذلك الانسياب نحهو الابتزاز المالي وبيع المناصب وانتشار الرشوات وتعينات وابرام العقود الوهمية واستخدام شركات استثمارية فاسدة.
٤. وللنظام النيابي ادوار اخرى ادت الى عرقلة البلد نحو التقدم منها تأخير البت في التشريعات القانونية المهمة بسبب عدم توافق الكتل في البرلمان وكذلك الاموال الفلكية التي يستحصلها البرلمانيين من رواتب وحمايات وايجارات وارزاق وتقاعد تبلغ بمئات المليارات سنويا بينما الفرد العراقي يعاني الفقر والجوع.
وايضا ساعد هذا النظام الى ضعف السلطة التنفيذية بسبب ان هذه السلطة هي مولودة اصلا من رحم النظام النيابي المتحاصص والفاشل وكذلك سبب هذا الى ضعف الرقابة المتبادلةبين السلطتين والتي هي من اهم اسس النظام الدمقراطي.كما وافضى هذا النظام الى انتقال فوضوي غير طبيعي للاحزاب السياسية فبلد يحكم بحزب واحد لعقود فجأة يتيح للجميع تكوين الاحزاب انشئ بذلك فوضى عارمة في فكرة تعدد الاحزاب فأثر ذلك في الولاء الوطني وساعد في ازدياد نفوذ الدول الاخرى لدعم بعض الاحزاب اضافة الى انتشار المحسوبية والابتزاز وسرقة المقدرات فقط لمصلحة الاحزاب بغض النظر عن مجريات الاحداث التي يشهدها البلد.
وغيرها الكثير من السلبيات التي يحملها هذا النظام من تخبط وفوضى قادت البلد نحو الانحدار الى ان وصل الى هذا الوضع.
ان فرض النقاش والتحليل حول هذا النظام الذي فرضه المحتل كأسلوب سياسي متبع في البلد منذ عام ٢٠٠٣ لايجوز اصدار احكام فشله لذاته ولتفاصيله فنفسه يقود هذا النظام السياسي كثير من دول العالم وله دور بالغ في تقدم وتطور البلدان فبريطانيا التي تحتكم فيه نظامها السياسي الى اليمقراطية النيابية تعد افضل الدول تطورا وتقدما وذلك لانسجام الوضع الشعبي والسياسي وتأصيل فكرة هذا النظام في البلد لسنين بعيدة انسجاما مع الطبيعة المكوناتية وتوزيع الاختصاصات والرقابة والتعاون بين السلطات الثلاث جعل من النيابية فكرة نموذجية تساعد البلد نحو التقدم السياسي لا التخبط والفوضى كما شهده العراق.
فالاجدى للدمقراطية السياسية في العراق كان اتباع نظامان بسبب طبيعة البلد ذو التنوع المذهبي والديني والقومي يشكل كبير فكان الاجدر ان يبدأ بأتخاذ النظام الرئاسي المؤقت لفترة محددة على سبيل المثال لعشر سنوات ففيه نموذج حي حيث يُركّز النظام الرئاسي السلطة التنفيذية في يدي الرئيس الذي يُنتخب عن طريق الاقتراع العام المباشر، ويُشكل حكومة لتنفيذ برنامجه السياسي تكون مسؤولة أمامه وليس أمام البرلمان كما هو الحال في النظام البرلماني. وبحكم الفصل الصارم بين السلطات فإن البرلمان ليست له صلاحية إسقاط الحكومة كما أنها في المقابل لا تملك صلاحية حله. فيقود هذا النظام الى الاستقرار السياسي بعيدا عن المحاصصة وثم حتى لايكون هنالك استبدادوالعودة الجديدة الى الدكتاورية يتم الانتقال الى النظام الشبه رئاسي
أو المختلط فهو صيغة تجمع بين النظام الرئاسي والبرلماني، إذ يُنتخب الرئيس بالاقتراع العام المباشر ويتمتع بقدر هام من الصلاحيات، وفي نفس الوقت تكون الحكومة منبثقة عن البرلمان ومسؤولة أمامه كما أنَّها مسؤولة أمام رئيس الدولة، ويتمتع رئيسها بصلاحيات واسعة.
فهنا سيكون للبرلمان دور مقيد مع صلاحيات اوسع للسلطة التنفيذية ففي ذلك اكاد اجزم ان انسب نظام للسلطة هو النظام الشبه الرئاسي المبرمج بصلاحيات موسعة على حساب البرلمان .
ان مشاهدة البلد وما يعتليه من مظاهرات ودعوات الى اصلاح يحمل في اصله فكرة تغيير النظام لما يشهده البلد في حكومات عديدة لعقدين من الزمن من فشل على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وانتشار الفوضى والفساد وسيطرة الاحزاب كل ذلك ساعدت فيه فكرة النظام النيابي وكان الاصل الاول لانحدار مقدرات البلدفأي حزم اصلاحية واي فعالية حقيقية للاصلاح سيكون غير ناتج وغير فعال مالم يتم التحول والتخلص من النظام البرلماني والاسيبقى الوضع يتجدد في الفشل والسلبيات مهما تغيرت الحكومات والوجوه والاحزاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

“الليالي العشر” احتفال ببدء التكوين والتكليف

عبد العزيز الحامدي باحث وشاعر يقول علماء الفلك والفيزياء حسب نظرية الانفجار الكبير …