أخبار عاجلة
الرئيسية / دين ودنيا / الحلقة الثالثة عشر (13): استمرار الدَّعوة السرية وخصائص الجماعة الأولى التي تربَّت على يدي النبي

الحلقة الثالثة عشر (13): استمرار الدَّعوة السرية وخصائص الجماعة الأولى التي تربَّت على يدي النبي

من سلسلة السيرة النبوية – عرض وقائع وتحليل أحداث

د. علي محمّد الصلابيّ

عرض مقالات الكاتب

استمرَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في دعوته السِّرِّيَّة يستقطب عدداً من الأتباع، والأنصار من أقاربه، وأصدقائه، وخاصَّة الَّذين يتمكَّن من ضمِّهم في سرِّيَّةٍ تامَّةٍ بعد إقناعهم بالإسلام، وهؤلاء كانوا نعم العون والسَّند للرَّسول صلى الله عليه وسلم ؛ لتوسيع دائرة الدَّعوة في نطاق السِّرِّيَّة، وهذه المرحلة العصيبة من حياة دعوة الرَّسول صلى الله عليه وسلم ظهرت فيها الصُّعوبة والمشقَّة في تحرُّك الرَّسول صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه بالدَّعوة، فهم لا يخاطبون إلا من يأمنون من شرِّه، ويثقون به، وهذا يعني: أنَّ الدَّعوة خطواتها بطيئةٌ، وحذرةٌ، كما تقتضي صعوبة المواظبة على تلقِّي مطالب الدَّعوة من مصدرها، وصعوبة تنفيذها؛ إذ كان الدَّاخل في هذا الدِّين ملزماً منذ البداية بالصَّلاة، ودراسة ما تيسَّر من القرآن – مثلاً – ولم يكن يستطيع أن يصلِّي بين ظَهْرَانَي قومه، ولا أن يقرأ القرآن، فكان المسلمون يتخفَّون في الشِّعاب، والأودية؛ إذا أرادوا الصَّلاة .

إنَّ من معالم هذه المرحلة الكتمان، والسِّرِّيَّة، حتَّى عن أقرب النَّاس، وكانت الأوامر النَّبويَّة على وجوب المحافظة على السِّرِّيَّة واضحةً، وصارمةً، وكان صلى الله عليه وسلم يكوِّن من بعض المسلمين أسراً (خلايا)، وكانت هذه الأسر تختفي اختفاء استعدادٍ، وتدريبٍ، لا اختفاء جبنٍ، وهروبٍ، حسب ما تقتضيه الخطَّة الرَّبَّانيَّة، فبدأ الرَّسول صلى الله عليه وسلم ينظِّم أصحابه من أسرٍ وخلايا صغيرةٍ، فكان الرَّجل يجمع الرَّجل والرَّجلين؛ إذا أسلما عند الرَّجل به قوَّةٌ، وسعةٌ من المال، فيكونان معه، ويصيبان منه فضل طعامه، ويجعل منهم حلقاتٍ، فمن حفظ شيئاً من القرآن؛ عَلَّمَ مَنْ لم يحفظ، فيكون من هذه الجماعات أسر أخُوَّة، وحلقات تعليم.

إنَّ المنهج الَّذي سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في تربية أتباعه هو القرآن الكريم، وكان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يربِّي أصحابه تربيةً شاملةً؛ في العقائد، والعبادات، والأخلاق، والحسِّ الأمنيِّ، وغيرها، ولذلك نجد في القرآن الكريم آيات كريمةً تَحَدَّثَتْ عن الأخذ بالحسِّ الأمنيِّ؛ لأنَّ مِنْ أهمِّ عوامل نهوض الأمَّة أن ينشأ الحسُّ الأمنيُّ في جميع أفرادها، وخصوصاً في الصَّفِّ المنظَّم الَّذي يدافع عن الإسلام، ويسعى لتمكينه في دنيا النَّاس، ولذلك نجد النَّواة الأولى للتَّربية الأمنيَّة كانت في مكَّة، وتوسَّعت مع توسُّع الدَّعوة، ووصولها إلى دولة، ومن الآيات المكِّيَّة التي أشارت إلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾[يوسف: 87].

ووجه الاستدلال: أن يعقوب عليه السلام قد طلب من أبنائه أن يتحسَّسوا، ويبحثوا عن يوسف، وأخيه، وفي هذا إقرارٌ من أحد أنبياء الله في جمع المعلومات عن الآخرين، ويعتبر جمع المعلومات من العناصر الأساسية في علم الاستخبارات، ويؤكِّد على مبدأ جمع المعلومات قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَيْأَسُوا﴾ .

ولا شكَّ أن الصَّحابـة كانوا يجمعـون المعلومات عمَّن يريدون دعوتـه للإسلام، وكانت القيادة تشرف على ذلك، ولذلك قام النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بترتيب جهازٍ أمنيٍّ رفيعٍ، يشرف على الاتِّصال المنظَّم بين القيادة والقواعد؛ ليضمن تحقيق مبدأ السِّرِّيَّة.

وفي القرآن المكي نجد قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا  يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴾ [القصص 11، 12]، ونلحظ في الآيتين الآتي:

  1. استخدام أمِّ موسى مبدأ جمع المعلومات، والحصول عليها في حفاظها على ابنها: ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: 11]، والقَصُّ إنَّما هو تتبُّع الأثر، وجمع المعلومات.
  2. اختيار العنصر الأمين، والحريص في جمع المعلومات؛ لتكون صحيحةً، وموثَّقةً، وأمينة، وقبل ذلك حريصةً على تلك المعلومات ﴿وَقَالَتْ لأُِخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: 11]، فأمُّ موسى لم تختر غير أخته؛ لأنَّ الأخت تعتبر من الحريصين، والأمناء على تلك المصلحة، وهي تندفع من ذاتها في جمع المعلومات، وتحصيل الأخبار، فمن الأهمِّيَّة بمكانٍ أن يكون العنصر المرسَل في عملية الاستخبارات مندفعاً من ذاته، حريصاً على المصلحة المرسل إليها.
  3. القَصُّ، والتَّتبُّع بدون إشارةٍ، أو جلب أنظار ﴿قُصِّيهِ﴾ [القصص: 11] إذ نفهم من كلمة ﴿قُصِّيهِ﴾، وعدم آثارة الأنظار، ودليل ذلك: أنَّها بصرت به دون أن يشعروا بها.
  4. دقة الملاحظة، وقوَّة الفراسة في أثناء جمع المعلومات ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ [القصص: 11] .
  5. استعملت أختُ موسى شكلاً من أشكال الاستخبارات العصريَّة، وهو التَّخريب الفكري، فبعد أن نظرت إليهنَّ وهنَّ غير قادرات على إرضاعه؛ قالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴾ [القصص: 12].
  6. محاولة تحقيق الهدف في أثناء جمع المعلومات، فأخت موسى لم تكتف بأن تعرف مكان موسى لتخبر أمَّها بمكانه، وإنما هي قصَّت الأخبار، وتوصَّلت إلى مكانه، وحاولت إعادته إلى أمِّه، وقد نجحت في هذا .

إنَّ هذه الآيات الكريمة تربِّي في حسِّ الصَّحابة الحسَّ الأمنيَّ، وأخذ الحيطة في مسيرتهم الدَّعويَّة.

وتعدُّ السِّيرة النَّبويَّة غنيَّةٌ في أبعادها الأمنيَّة منذ تربية الأفراد، وحتَّى بعد قيام الدَّولة، وتظهر الحاجة للحركات الإسلاميَّة والدُّول المسلمة لإيجاد أجهزةٍ أمنيَّةٍ متطوِّرةٍ (في زمننا المعاصر)؛ تحمي الإسلام، والمسلمين من أعدائها – اليهود، والنَّصارى، والملاحدة – وتعمل على حماية الصفِّ المسلم في الدَّاخل من اختراقات الأعداء فيه، وتجتهد لرصد أعمال المعارضين، والمحاربين للإسلام، حتَّى تستفيد القيادة من المعلومات الَّتي تقدِّمها لها أجهزتها المؤمنة الأمنيَّة، ولابدَّ أن تؤسَّس هذه الأجهزة على قواعد منبعها القرآن الكريم، والسُّنَّة النَّبويَّة، وتكون أخلاق رجالها قمَّةً رفيعةً تمثِّل صفات رجال الأمن المسلمين.

إنَّ اهتمام المسلمين بهذا الأمر يجنِّبهم المفاجات العدوانيَّة؛ «إذا عرفت العدوَّ َّ، وعرفت نفسك، فليس هناك ما يدعوك إلى أن تخاف نتائج مئة معركةٍ، وإذا عرفت نفسك، ولم تعرف العدوَّ فإنك ستواجه الهزيمة في كلِّ معركة» .

إن بناء الأجهزة الأمنيَّة، ومكاتب المعلومات الَّتي تقدِّم للقيادة التَّقارير لوضع الخطط المناسبة على إثرها ليس أمراً جديداً، بل هو موغلٌ في تاريخ الإنسانيَّة، وكذلك في تاريخ المسلمين؛ منذ عصر النُّبوَّة والخلافة الرَّاشدة حتَّى يومنا هذا.

إنَّ من أسباب التَّمكين المهمَّة إعطاء هذا الأمر حقَّه من الاهتمام، والارتقاء به، وتطويره بما يناسب أحوال العصر الَّذي نحن فيه . كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يشرف بنفسه على تربية أصحابه في شتَّى الجوانب، ووزَّعهم في أسرٍ؛ فمثلاً كانت فاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد – وهو ابن عمِّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهم – كانوا في أسرةٍ واحدةٍ مع نُعَيم بن عبد الله النَّحَّام بن عديٍّ، وكان معلِّمهم خبَّاب بن الأرت، وكان اشتغالهم بالقرآن لا يقتصر على تجويد تلاوته، وضبط مخارج حروفه، ولا على الاستكثار من سرده، والإسراع في قراءته؛ بل كان همُّهم دراسته، وفهمَه، ومعرفة أمره، ونهيه، والعمل به .

كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يهتمُّ بالتَّخطيط الدَّقيق المنظَّم، ويحسب لكلِّ خطوةٍ حسابها، وكان مدركاً تماماً: أنَّه سيأتي اليوم الذي يُؤمر فيه بالدَّعوة علناً، وجهراً، وأنَّ هذه المرحلة سيكون لها شدَّتها، وقوَّتها، فحاجة الجماعة المؤمنة المنظَّمة تقتضي أن يلتقي الرَّسول المربِّي مع أصحابه، فكان لابدَّ من مقرٍّ لهذا الاجتماع، فقد أصبح بيت خديجة رضي الله عنها لا يتَّسع لكثرة الأتباع، فوقع اختيار النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وصحبه رضي الله عنهم على دار الأرقم بن أبي الأرقم؛ إذ أدرك الرَّسول صلى الله عليه وسلم : أنَّ الأمر يحتاج إلى الدِّقَّة المتناهية في السِّرِّيَّة، والتَّنظيم، ووجوب التقاء القائد المربِّي بأتباعه في مكانٍ آمنٍ بعيدٍ عن الأنظار؛ ذلك: أنَّ استمرار اللِّقاءات الدَّوريَّة المنظَّمة بين القائد، وجنوده هو خير وسيلةٍ للتَّربية العمليَّة، والنَّظرية، وبناء الشَّخصيَّة القياديَّة الدَّعويَّة.

وممَّا يدلُّ على أنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم كان يعدُّ أتباعه؛ ليكونوا بناة الدَّولة، وحملة الدَّعوة، وقادة الأمم حرصُه الشَّديد على هذا التَّنظيم السِّرِّيِّ الدَّقيق، فلو كان مجرد داعية لما احتاج الأمر إلى كلِّ هذا.

ولو كان يريد مجرَّد إبلاغ الدَّعوة للنَّاس؛ لكان خير مكانٍ في الكعبة؛ حيث منتدى قريشٍ كلِّها، ولكن الأمر غير ذلك؛ فلابدَّ من السِّرِّيَّة التَّامَّة في التَّنظيم، وفي المكان الَّذي يلتقي فيه مع أصحابه، وفي الطَّريقة الَّتي يحضرون بها إلى مكان اللِّقاء .

  • أهمُّ خصائص الجماعة الأولى الَّتي تربَّت على يدي الرسول صلى الله عليه وسلم:

كانت الجماعة الأولى الَّتي تربَّت على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد برزت فيها خصائص مهمَّة؛ جعلتها تتقدَّم بخطواتٍ رصينةٍ نحو صياغة الشَّخصية المسلمة، الَّتي تقيم الدَّولة المؤمنة، وتصنع الحضارة الرَّائعة، ومن أبرز هذه الخصائص:

1. الاستجابة الكاملة للوحي، وعدم التَّقديم بين يديه:

إنَّ العلم، والفقه الصَّحيح الكامل في العقائد، والشَّرائع، والآداب وغيرها، لا يكون إلا عن طريق الوحي المنزَّل – قرآناً وسنَّةً – وذلك بالعلم بالله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ومعرفة ما يجب له، وما ينزَّه عنه – سبحانه وتعالى – والعلم بالملائكة، والكتاب، والنَّبيِّين، والعلم بالآخرة، والجنَّة، والنَّار، والعلم بالشَّرائع المجملة والمفصَّلة، والأحكام المتعلِّقة بالمكلَّفين، والعلم بالمسلك الصَّحيح الَّذي ينبغي سلوكه في سائر الأحوال: في الغضب والرِّضا، في القصد والغنى، في الأمن والخوف، في الخير والشَّرِّ، في الهدنة والفتنة، والتزام الدَّليل الشَّرعيِّ هو منهج الَّذين أنعم الله عليهم بالإيمان الصَّحيح . قال تعالى: ﴿وَمِمَنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ [الأعراف: 181] .

لقد كان الصَّحابة رضي الله عنهم أعظم من غيرهم انتفاعاً بالدَّليل والوحي، وتسليماً له؛ لأسبابٍ عديدةٍ؛ منها:

أ – نزاهة قلوبهم، وخلوُّها من كلِّ ميلٍ أو هوًى غير ما جاءت به النُّصوص، واستعدادها التَّامُّ لقبول ما جاء عن الله، ورسوله صلى الله عليه وسلم ، والإذعان، والانقياد له انقياداً مطلقاً دون حرجٍ، ولا تردُّدٍ، ولا إحجامٍ.

ب – معاصرتهم لوقت التَّشريع، ونزول الوحي، ومصاحبتهم للرَّسول صلى الله عليه وسلم ، ولذلك كانوا أعلم النَّاس بملابسات الأحوال الَّتي نزلت النُّصوص فيها، والعلم بملابسات الواقعة أو النَّصِّ من أعظم أسباب فقهه، وفهمه، وإدراك مغزاه.

ج – وكانت النُّصوص – قرآناً وسنَّةً – تأتي في كثيرٍ من الأحيان لأسبابٍ تتعلَّق بهم – بصورةٍ فرديَّةٍ، أو جماعيَّةٍ – فتخاطبهم خطاباً مباشراً، وتؤثِّر فيهم أعظم التأثير؛ لأنَّها تعالج أحداثاً واقعيَّةً، وتعقب في حينها، حيث تكون النُّفوس مشحونةً بأسباب التأثُّر، متهيِّئةً لتلقِّي الأمر، والاستجابة له.

د – قد أعفاهم قرب عهدهم بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من الجهد الَّذي احتاج إليه من بعدهم في تمييز النُّصوص، وتصحيحها، فلم يحتاجوا – في غالب أحوالهم – إلى سلسلة الإسناد، ولا معرفة الرِّجال، والعلل، وغيرها، ولم يختلط عليهم الصَّحيح بغيره، ومن ثمَّ لم يقع عندهم التردُّد في ثبوت النَّص الَّذي وقع عند كثيرٍ ممَّن جاء بعدهم – خاصَّةً من أصحاب النُّفوس المريضة، أو من الجهلة الَّذين لم يدرسوا السُّنَّة، ويفقهوها روايةً، ودرايةً  – فكانوا إذا سمعوا أحداً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارُهم، كما يقول ابن عباس رضي الله عنهما .

2. الـتَّـأثُّـر الوجدانـيُّ العميـق بالوحي والإيمان:

كان الصَّحابة يتعاملون مع العلم الصَّحيح، ليس كحقائق علميَّةٍ مجرَّدةٍ يتعامل معها العقل فحسب، دون أن يكون لها علاقةٌ بالقلب، والجوارح؛ فقد أورثهم العلم بالله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله – محبَّته، والتألُّه إليه، والشَّوق إلى لقائه، والتَّمتُّع بالنَّظر إلى وجهه الكريم في جنَّة عدنٍ، وأورثهم تعظيمه، والخوف منه، والحذر من بأسه، وعقابه، وبطشه، ونقمته، وأورثهم رجاء ما عنده، والطَّمع في جنَّته، ورضوانه، وحسن الظَّنِّ به، فاكتملت لديهم – بذلك – آثار العلم بالله، والإيمان به، وهي الحبُّ، والخوف، والرَّجاء.

وأورثهم العلم بالجنَّة، والنَّار الرَّغبةَ في النَّعيم الأبديِّ السَّرمديِّ، والخوف من مقاساة العذاب الرَّهيب، فقلوبهم تتراوح بين نعيمٍ ترجوه، وتخشى فوته، وعذابٍ تحذره، وتخشى وقوعه؛ فتعلَّقت قلوبهم بالآخرة – فكرةً، وخوفاً، ورجاءً – حتَّى كأنَّهم يرون البعث، والقيامة، والميزان، والصِّراط، والجنَّة، والنَّار رأيَ العين. وأورثهم علمهم بالقدر، وأنَّه أمرٌ قد فُرِغ منه – التَّوكُّل على الله، وعدم التَّوكلِ على الأسباب، وعدم الفرح بما أوتوا، ولا الأسَى على ما مُنعوا، والإجمال في الطَّلب؛ إذ لن يفوت المرء ما قدِّر له، ولن يأتيه ما لم يقدَّر، كما غرس في نفوسهم الشَّجاعة، والإقدام. وأورثهم علمُهم بالموت، وإيمانُهم به – العزوفَ عن الدُّنيا، والإقبال على الآخرة، والدَّوام على العمل الصَّالح؛ إذ لا يدري المرء متى يموت، والموت منه قريب. وهذه المعاني الوجدانيَّة هي المقصود الأعظم من تحصيل العلم، وإذا فقدت فلا ينفع مع فقدها علمٌ، بل هو ضررٌ في العاجل، والآجل .

ولقد كان للصَّحابة رضي الله عنهم من هذه المعاني الوجدانيَّة أعظم نصيبٍ؛ لأنَّ إيمانهم كان أعمق، وأكمل من إيمان غيرهم، ولقد تلقَّوه غضَّاً طريَّاً من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لم يَعْلَقْ بغبرة الأهواء، والغفلان .

وكان الصَّحابة فرساناً بالنَّهار، ورهباناً باللَّيل، لا يمنعهم علمُهم، وإيمانُهم الحقُّ وخشوعُهم للهِ من القيام بشؤونهم الدُّنيويَّة؛ من بيعٍ، وشراءٍ، وحرثٍ، ونكاحٍ، وقيامٍ على الأهل، والأولاد، وغيرهم فيما يحتاجون إليه، وكانوا بعيدين كلَّ البعد عن الإعجاب بالنَّفس، الَّذي أصيب به بعض المتعبِّدين ممَّن جاء بعدهم، فترتَّب عليه ازدراؤهم، واحتقارهم لأعمال الآخرين، واستهانةٌ بمجهوداتهم في سبيل الدِّين، وحطٌّ من قدرهم، فأصبحوا في الحقيقة متعبِّدين في محراب (الذَّات)، معظِّمين لأنفسهم، وهذا مصدر كلِّ رذيلةٍ خلقيَّةٍ، وسببٌ لمحق كلِّ عملٍ صالحٍ. والَّذين يصابون بهذه البليَّة المردية يشعرون بأنَّهم – وحدهم – الأوصياء على الدِّين، ويغلقون عقولهم، وأعينهم عن رؤية فضائل الآخرين، فلا يرون إلا العيوب والمساوئ؛ بل تصبح الفضائل عندهم عيوباً، ومساوئ .

شاهد أيضاً

وجيز التفسير في مظاهرة المجرمين

زهير سالم مدير مركز الشرق العربي ” قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.