أخبار عاجلة

العمل الجماعي والحوار روح النهضة الجزائرية

د. علي محمّد الصلابيّ

عرض مقالات الكاتب

إنما ينهض المسلمون بمقتضيات إيمانهم بالله إذا كانت لهم قوَّة، وإنما تكون لهم قوَّة إذا كانت لهم جماعة منظمة تفكِّر وتدبر، وتتشاور وتتآزر، وتنهض لجلب المصلحة ودفع المضرة متساندة في العمل عن فكر وعزيمة.

وقد جعل الشيخ ابن باديس من أكبر همومه وفي مقدمة أعماله السعي الحثيث لبث روح الاجتماع الشوري في كل ما يهم المسلمين من أمر دينهم حتى لا يستبد بهم مستبد ولا يتخلف منهم متوانٍ، وحتى يظهر الخاذل لهم مِمَّن ينتسب إليهم، فينبذ ويطرح ويُستغنى عنه بالله وبالمؤمنين.

وممَّا يؤكد أن التفكير في العمل الجماعي، قديم عند الشيخ ابن باديس، أن الشيخ كان لا يفوت أي فرصة تتاح له مع رجال الفكر وقادة الرأي وحاملي لواء الإصلاح، إلا وتحادث معهم حول الموضوع وما هي الوسائل الكفيلة لتجسيده في الميدان، وما هي الخطوات الواجب اتباعها لبلوغ هذه الأهداف.

كان ابن باديس شغوفاً بالعمل الجماعي، دائم التطلع إليه، ولم يكن يفوّت آية فرصة تتاح لتطوير عمل فردي والارتقاء به إلى عمل جماعي ؛ إلا إغتنمها وسعى حثيثاً إلى تجسيدها ميدانياً، لكن العمل الجماعي الأكبر هو «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين» والتي ضمت في صفوفها خيرة علماء الجزائر العاملين الذين كانوا يقومون بواجب الدعوة الإصلاح.

وقد بيّن ابن باديس أن العمل الجماعي لكي ينجح لابد من تقديم بعض التنازلات، ولا بد من التضحية بكثير من حظوظ النفس، بل لا بد من الكثير من الصبر والتضحية، وكل هذه الأفكار كانت واضحة جداً في ذهن الشيخ عبد الحميد بن باديس، وهو يؤسس لهذا العمل الجماعي تأسيس «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين».

وإيماناً من ابن باديس بالعمل الجماعي ؛ أنه كان يسند النجاح الذي كان يُحققه في شتى المجالات إلى الدعم الذي كان يجده من إخوانه العلماء معه في الجمعية، واحتضان الأمة جمعاء للمشروع، فقد قال: “إذا كنت استمد القوة والحياة فإنما أستمدها ممن أولوني شرف الثقة والإخلاص لديني ولأمتي وأخص منهم الأسود الكبار، وهم إخواني الأقوياء من رجال العلم الذين أجدني مهما وقفت موقفاً إلا وجدتهم معي كالأسود، وأما الأشبال فهؤلاء الأبناء الذين تشاهدونهم يحتفون بكم الليلة، ولقد جاءت قسنطينة تحييكم بكبارها وصغارها، فذكراكم يا ضيوف القرآن خالدة وهي منقوشة في قلبي لا تمحى”.

ومن الأسباب التي اتخذها ابن باديس لتوحيد جهود الشعب الجزائري لمقاوة الغزاة الفرنسيين ؛ اهتمامه بلغة الحوار مع المخالف من أبناء وطنه والبحث عن القواسم المشتركة، فاجتهد أن يكون الحوار سمة بارزة في منهجه وعلامة مميزة لشخصه، فهو عندما اختاره العلماء المجتمعون بنادي الترقي رئيساً لجمعية العلماء المسلمين وهو غائب عن الاجتماع، فلما حضر وعلم بالأمر، وطلبوا منه أن يلقي كلمة بالمناسبة، قال رحمه الله: إخواني إنني أراكم في علمكم واستقامة تفكيركم لم تنتخبوني لشخصي ؛ وإنما أردتم أن تشيروا بانتخابي إلى وصفين عرف بهما أخوكم الضعيف هذا:

ـ الأولى: أنني قصرت وقتي على التعليم، فلا شغل لي سواه، فأردتم أن ترمزوا بانتخابي إلى تكريم التعليم إظهاراً لقصد من أعظم مقاصد الجمعية وحثاً لجميع الأعضاء على العناية به كل بجهده.

ـ الثانية: أن هذا العبد له فكرة معروفة وهو لن يحيد عنها، ولكنه يبلغها بالتي هي أحسن، فمن قبلها فهو أخ في الله، ومن ردَّها فهو أخ في الله، فالأخوة في الله فوق ما يقبل وما يرد، فأردتم أن ترمزوا بانتخابي إلى هذا الأصل، وهو أن الاختلاف في الشيء الخاص لا يمس روح الأخوة في الأمر العام، فماذا تقولون أيها الإخوان؟ فأجابوا كلهم بالوفاق والاستحسان.

رفع ابن باديس شعار الوفاق، وذمَّ الافتراق، وبحث عن مساحة مشتركة تكون مجالاً للتعاون مع الآخرين، ويحدثنا الشيخ عبد الحميد بن باديس عن رحلة قام بها إلى مدينة مستغانم بالغرب الجزائري اجتمع فيها بشيوخ الطرق ورؤساء الزوايا، فألقى فيهم كلمة جامعة مما جاء فيها قوله:… لما انتهينا من العشاء ألقيت موعظة في المحبة ولزوم التعاون والتفاهم على أساسهما وأن لا نجعل القليل ممَّا يختلف فيه سبباً في قطع الكثير مما نتفق عليه، وأن الاختلاف بين العقلاء لابد أن يكون، ولكن الضار والممنوع المنع البات هو أن يؤدينا ذلك الاختلاف إلى الافتراق، وذكرنا الدواء الذي يقلل من الاختلاف ويعصم من الافتراق وهو تحكيم الصريح من كتاب الله والصحيح من سنة رسول الله (ص).

وكان هذا ديدن الشيخ رحمه الله مع الجميع، فحتى مع السياسيين الذين كان يختلف معهم في طريقة العمل وفي سلم الأولويات، فإنه كان حريصاً على تبني قضايا العدل وتجميع قوة الأحرار الصادقين وتأييدهم وتدعيم الصلات بهم ورسم سبل التعاون معهم، مع علمه بأنه قد لا تتطابق مفاهيمهم تفصيلاً مع دعوته الإصلاحية ونظرته الإسلامية.

وعليه فالعلاقة التي تربطه ببعض النواب الأحرار الصادقين في خدمة الشعب وقضاياه العامة ؛ هي علاقة تعاون وتأييد وتوجيه وترشيد، فقال: فلما جاءت الحركة السياسية وتقدم رجال أحرار للنيابة عن الأمة، وكان جميع المنتمين للجمعية مع النواب الأحرار، وفاز النواب الأكثر في أكثر الدوائر، لما كان هذا كله زادت نقمة الحكومة على الجمعية.

ووقف ابن باديس إلى جانب حزب الشعب وزعيمه «مصالي الحاج» لما كانت السلطات الاستعمارية تضايقه، أو تزج به في غياهب السجون، قال: فإن كنا هنا نحتج بأقصى ما لدينا من قوة وشدة على المسلك الأهوج الذي تسلكه الإدارة مع رجال حزب الشعب الجزائري، وإلقائها القبض على زعيم الحزب السيد مصالي الحاج محمد، وعمدته السيد الشاعر الكبير مفدي زكريا وأعوانهما في العمل.. وهم إنما يعملون جهاراً في وضح النهار ؛ إن دلنا هذا العمل على شيء فإنما يدلنا على أن الحكومة عازمة على سياسة الشدة والإرهاق، واليوم دور مصالي وغداً دور الآخرين، لكنها والله سياسة لن تنجح ولن تثمر.

إن ابن باديس فهم سنة الله في الأخذ بالأسباب من خلال هدايات القرآن الكريم والسنة النبوية، وعمل بها، وأيقن أن الإيمان بالقدر لا يعارض الأخذ بالأسباب المشروعة، بل الأسباب مقدَّرة أيضاً كالمسببات، فمن زعم أن الله تعالى قدَّر النتائج والمسبَّبات من غير مقدماتها وأسبابها، فقد ذُهِل عن حقيقة القدر، وأعظم على الله الفرية، فالأسباب مقدَّرة كالمسببات، وقد قال رسول الله (ص) لمن سأله عن الرُّقى، هل تردّ من قدر الله شيئاً؟ قال: هي من قدر الله.

مراجــع البحث:

  1. د. علي محمّد محمّد الصّلابيّ، كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي وسيرة الزعيم عبد الحميد بن باديس، ج (2)، دار ابن كثير، دمشق، بيروت ، ط 1، 2016م، ص (399 : 403).
  2. د. عمار الطالبي، ابن باديس حياته وآثاره، الشركة الجزائرية للنشر، الجزائر، الطبعة الثالثة، 1417ه – 1997م، (4 /159 – 216).
  3. عبد الحميد بن باديس، تفسير ابن باديس (مجالس التذكير في كلام الحكيم الخبير)، دار الرشيد، الجزائر، (1 / 221).
  4. محمد إسحاق كندو ، منهج ابن حجر العسقلاني في العقيدة من خلال كتاب فتح الباري، مكتبة الرشد ، الرياض، 1998م، (1 / 428).
  5. د. محمد الدراجي، الشيخ عبد الحميد السلفية والتجديد، دار الهدى للطباعة، الجزائر, 2012م ، ص 244: 247 – 255.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

مَن وراء صعود و “سقوط الرَّبيع العربي”؟ 9 من 9

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. ويقول المقال ذاته الَّذي …