أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / سرير “بروكرست”

سرير “بروكرست”

محمد علي صابوني

كاتب وباحث سياسي.
عرض مقالات الكاتب

تقول الأسطورة الإغريقية أنه كان هناك مجرم وقاطع طريق يدعى “بروكرست” يملك سريراً خاصاً به ، حيث كان “يصيد” الأشخاص ويأمرهم بالنوم على السرير فإذا كان الشخص طوله مناسب لطول السرير نجا ، وإن كان أقصر من طول السرير يقوم بروكرست بشق وتمديد وشدّ ساقيه كي يتناسب مع طول السرير ، أما إن كان أطول من السرير فإنه يقوم بقطع أطرافه ليلائم طوله طول سريره القذر !
ويبدو أن في عقلية الكثيرين اليوم يوجد (“بروكرست” وسريره) ، حيث أنهم لا يتقبلون سوى من يتوافق وأهوائهم بالضبط ، وينبذون ويقمعون كل من يختلف معهم بالرأي . ففي ثقافتهم فقط يتحول اختلاف الرأي الى عراك كلامي مشحون بالانفعال الذي يقود إلى التعصب و التشنّج عن طريق النقد اللاذع أو التهجم على صاحب الرأي والحط من وجهة نظره وتسفيه أقواله والإساءة إليه ، إذ يعتقدون أنهم يجب أن يسحقوا جميع من يخالفهم الرأي حتى لا يبقى غير صوتهم الوحيد !!
وأنا هنا لا أتبنى المقولة المتداولة (الاختلاف بالرأي لا يفسد للود قضية) ولا أؤمن بها بالمطلق ، وليست هي ما أرمي إليه ، بل إنني أرى بأن تعدد الآراء بغض النظر عن كونه يفسد الود أولا يفسده هو لا ريب يساعد على وجود أكثر من وجهة نظر ورأي حول الموضوع الواحد في إلقاء الضوء بصورة أكبر على القضايا التي نتناولها ، وليس من المنطقي أن نبحث عن الحب والودّ في اختلاف الآراء إذ لا يمكن تفسير اختلاف الآراء بأنه حالة سلبية حتى لو “أفسد الود”، بل على العكس فهي حالة إيجابية مفيدة ولابد منها ، وتحضرني هنا كلمةٌ قالها رجل لخليفة المسلمين عمر بن الخطاب ، عندما جاء الرجل ليأخذ حقه من بيت المال فقال له عمر : يا هذا والله إني لا أحبك.!
فرد الرجل قائلاً : يا أمير المؤمنين أيَمنعني هذا حقاً هو لي؟؟
قال عمر : لا
فقال الرجل : أعطني حقي يا أمير المؤمنين ، إنما تأسى على الحب النساء.!
والحقيقة هي أن اختلاف الآراء أمر طبيعي بين البشر ويحدث حتى داخل البيت الواحد والأسرة الواحدة ، وهو سنة من السنن التي أرادها الله للبشر حيث قال تعالى : “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ”.
ومنطق العقلاء يقول : إن لم تكن معي فليس بالضرورة أن تكون عدوي فأن تقول رأيك وتسمح لي بأن أقول رأيي هذه تسمى “حريّة رأي”
وأن تقول رأيك ولا تريد أن تستمع أو تتقبل آراء غيرك فهذا لعمري “ضيق أفق”
أما أن تقول رأيك وتمنع الآخرين و تقمعهم و تحرمهم من مجرد قول آرائهم فهذه “دكتاتورية” وطمس للحريات .
إن اختلاف الآراء ظاهرة إنسانية طبيعية وقد تقبلها الرسول صلى الله عليه وسلم من صحابته الكرام في مناسبات كثيرة ، وتقبلها بعده عمر بن الخطاب وقال (لا خير فيكم ان لم تقولوها و لا خير فينا ان لم نسمعها)
نحن حين نقتنع بأننا لسنا محور الكون وبأن هناك أناس ربما يختلفون معنا فكرياً لكن ما نراه اليوم صواباً ربما نغير قناعتنا به مستقبلاً ، وبأن رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب ، حينها نكون قد وضعنا أقدامنا على بداية الطريق الصحيح ، ولا يمكن لأمة أن تتطور وتتقدم بعقول متزمتة تسلطية أحادية القطب والاتجاه .

شاهد أيضاً

ختامي بيان أستانا 14.. عشر نقاط ليس للعدل والحرية وحقوق الإنسان فيها نصيب..

زهير سالم مدير مركز الشرق العربي انعقد في 10 -11 الجاري لقاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.