أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / بطلان نظريَّة “الإمامة” ووريثتها “ولاية الفقيه” في ضوء “تطوُّر الفكر السياسي الشيعي” 5 من 7

بطلان نظريَّة “الإمامة” ووريثتها “ولاية الفقيه” في ضوء “تطوُّر الفكر السياسي الشيعي” 5 من 7

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

نرى في هذا الوصف لميلاد قائم آل البيت والتبشير بدوره المستقبلي ما يتشابه كثيرًا مع ما جاء في وصف ميلاد يسوع المسيح في إنجيل لوقا “أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ. وَهذِهِ لَكُمُ الْعَلاَمَةُ: تَجِدُونَ طِفْلًا مُقَمَّطًا مُضْجَعًا فِي مِذْوَدٍ». وَظَهَرَ بَغْتَةً مَعَ الْمَلاَكِ جُمْهُورٌ مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِيِّ مُسَبِّحِينَ اللهَ وَقَائِلِينَ: «الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ»” (إنجيل لوقا: إصحاح 2، آيات 10-14). “الْمَلاَكِ” المصاحب ليسوع الصبي هو ذاته ‘‘روح القُدُس الموكَّل بالأئمة’’، المرافق لقائم آل البيت في مهده؛ وكذلك “جُمْهُورٌ مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِيِّ” يترنَّم ويسبِّح استبشارًا بالمسيح، ونجد ‘‘الملائكة’’ تتنزَّل على قائم آل البيت ليل نهار.

وأكثر ما يثير الدهشة في رواية الصدُّوق زعمه بأنَّ حكيمة اعتادت على رؤية الصبي كلَّ 40 يومًا، لكنَّها فوجئت به وقد صار رجلًا قبل أيام من وفاة الحسن العسكري، الذي أوصى له بالإمامة في حضورها، كما يذكر الكاتب (ص151):

ويورد الطوسي في كتابه الغيبة رواية قريبة لرواية الصدُّوق في إكمال الدِّين، ولكن بدون بعض التفاصيل المتَّسمة بالغرابة، مثل تحليق الرُّوح القُدُس حول رأسه، كما يذكرها الكاتب (ص152-153):

يتطرَّق الكاتب إلى مسألة رؤية المهدي في حياة أبيه، ووصيَّته له بالإمامة من بعده أمام شهود، كما روى الكلِّيني في الكافي (جزء1، ص329)، والصدُّوق في إكمال الدِّين (ص435)، والطُّوسي في الغيبة (ص140). ويشير الكاتب إلى عدَّة وروايات لأشخاص ادَّعوا معرفتهم بالغلام في صباه، وقت كان الحسن العسكري حيًّا، وردت في كتاب إكمال الدِّين (ص435)، أوردها الكاتب كما يلي (ص155):

وجاء الصدُّوق في إكمال الدِّين (ص384) برواية أخرى، على لسان المهدي، يعرِّف فيها نفسه، نقلها الكاتب (ص156):

وينقل الطُّوسي في الغيبة (ص148-149) بعض النماذج لشهادات أفراد على حقيقة وجود المهدي في حياة أبيه، ورؤيتهم له، وسماعهم وصيَّة الحسن العسكري له بالإمامة من بعده، كما جاء في كتاب أحمد الكاتب (ص156):

وعن رؤية المهدي عن وفاة أبيه، ينقل الكاتب روايتين لقصَّة واحدة عن هذه الواقعة، وردتا في كتاب إكمال الدِّين للصدُّوق (ص476-479)، انفرد بهما عن سائر مؤرِّخي الشِّيعة الإماميَّة؛ الأولى عن رجل يُدعى أبا الأديان البصري، كان يعمل خادمًا لدى الحسن العسكري، ومن المفترض أنَّه رأى ابنه محمَّد المهدي يطالب بالتقدُّم للصلاة على أبيه، لمَّا همَّ أخوه جعفر بالصلاة عليه، كما يروي الكاتب (ص157-158):

 أمَّا الرواية الثانية، فجاءت على لسان رجل يُدعى سنان الموصلي (ص158):

 ويشير الكاتب إلى محاولة للقبض على المهدي من قِبل جنود الخليفة العبَّاسي المعتضد، الذين توجَّهوا إلى بين الحسن العسكري في سامرَّاء لإلقاء القبض على الغلام، فوجودا بحرًا من الماء، ورجلًا يصلِّي فوقه، فغرق الجنود، ثمَّ اختفى المهدي، كما جاء في كتاب الغيبة للطوسي (ص149)، وبحار الأنوار للمجلسي (جزء13، ص118)، والغيبة الصغرى لمحمَّد الصدر (ص577). ونلاحظ هنا استخدام رواة تلك الواقعة الجانب الإعجازي، غير القابل للتصديق؛ لعدم ورود حدوثه في المواقف الحياتيَّة المعتادة. وينتقل بنا الكاتب إلى مسألة تعتبر من أهم الأسانيد التي ارتكن إليها الشِّيعة في زعمهم بوجود المهدي، وهي شهادة أربعة من “النوَّاب الخاصِّين”، زعموا لقاءهم به خلال غيبته الصُّغرى من عام 260 إلى عام 329 هجريًّا، ونقل الأموال إليه، والرسائل منه إلى أتباعه (ص159). وكان على رأس هؤلاء النوَّاب الأربعة رجل يُدعى عثمان بن سعيد العمري، كان صديقًا لعليٍّ الهادي وابنه الحسن العسكري، وكان موكلًا منهما بجمع الأموال من أتباع الفرقة الإماميَّة وتوصيلها لهما. وينفرد الطُّوسي في كتابه الغيبة بتفصيل علاقة العمري بالمهدي، وتولِّيه مهمَّة توصيل رسائله إلى الناس، ورسائل الناس إليه على مدار عامين عاشهما الرجل بعد وفاة العسكري، وخلفه ابنه محمَّد في تنفيذ تلك المهمَّة. وقد أورد الطُّوسي في الغيبة تواقيع من المهدي تشير إلى ثقته في محمَّد بن عثمان بن سعيد العمري وتزكِّيه (ص216). ينقلنا الكاتب إلى مسألة هامَّة بعد هذه القصَّة، توضح انتشار الزَّعم بالارتباط بالإمام الغائب، ونيل ثقته، والعمل سفيرًا لديه إلى الشِّيعة، مما يؤكِّد التلاعب وزيف الادِّعاء وبطلان الأمر برمَّـه (ص163):

ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى مسألة الرسائل المنسوبة إلى المهدي، تناولها الطبرسي، والصدُّوق، والطُّوسي، وابن شهرآشوب. ومن بين تلك الرسائل، رسالة ذكرها الطُّوسي في كتاب الغيبة، ذكر فيها أنَّ الإمام القائم اتَّهم عمَّه جعفر فيها بالفسوق، ومعصية الله، مؤكِّدًا عدم أهليَّته للإمامة، وعدم جواز اجتماع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين (ص174-176). ويورد الطُّوسي في نفس الكتاب رسالة ثانية للإمام (ص172-174)، يتأسَّف فيها على حال جماعة من أتباع الفرقة الإماميَّة، شكَّكت في وجوده، داعيًا إيَّاهم إلى عدم محاولة تتبعه في غيبته. وقد أورد الصدُّوق في إكمال الدِّين كذلك رسائل من المهدي إلى نائبيه عثمان بن سعيد العمري، وابنه محمَّد، يطالب فيها من جديد عدم اتِّباع جعفر بن عليٍّ الهادي أو التصديق بإمامته، وبعدم السعي لكشف ستر الله عنه، كي لا يقع الأتباع في الإثم (ص510).

يتحدَّث الكاتب كذلك عن استناد الشِّيعة الإماميَّة إلى مجموعة من المعاجز، في تأكيدهم على وجود المهدي في سردابه، وعن ذلك يقول الطُّوسي في الغيبة (ص199)، وينقل الكاتب في مؤلَّفه (ص167):

بعد الأدلَّة العقليَّة والنقليّة والتَّاريخيَّة والإعجازيَّة، يقدِّم الكاتب دليلًا خامسًا يسوقه أتباع الإماميَّة على وجود المهدي، وهو دليل إجماع الشِّيعة على أنَّ محمَّد بن الحسن العسكري هو المهدي منذ ولادته، وكان الأشعري القُمِّي أوَّل من أشار إلى ذلك الإجماع في الفرق والمقالات (ص106). ويؤكِّد الصدُّوق في إكمال الدِّين ذلك، ناقلًا عن النُّوبختي إجماع أتباع الفرقة الإماميَّة على اعتبار وليد الحسن العسكري هو المهدي. ينتقل الكاتب بنا بعد ذلك إلى مناقشة أسباب تسليم الشِّيعة بغيبة الإمام، مشيرًا إلى عدَّة نظريَّات طُبِّقت في هذا الشأن، منها نظريَّة الحكمة الإلهيَّة المجهولة، التي تقتضي الإيمان بالمهدي والتسليم بوجوده، حتَّى إن لم يظهر، وهنا تتبلور نظريَّة التمحيص، حيث يعتقد الشِّيعة أنَّ غيبة الإمام جاءت للتمييز بين المؤمن الحقيقي بالمهدي وغير المؤمن. أضف إلى ذلك نظريَّة التقيَّة، وهي خوف المهدي على حياته، وخشيته من الملاحقة إلى حين الظهور لمَّا تتهيَّأ الأسباب.

‘‘محمَّد بن الحسن العسكري’’ حقيقة تاريخيَّة أم فرضيَّة فلسفيَّة؟

يتناول أحمد الكاتب في هذا الجزء من دراسته المستفيضة، في الطبعة الثانية من كتاب تطوُّر الفكر السياسي الشِّيعي من الشُّورى إلى ولاية الفقيه، الصادرة عام 2008 ميلاديًا، نظريَّة المهدويَّة الاثني عشريَّة، وما يحيط بها من غموض، حيث بدأ القول بوجود ابن للإمام الحادي عشر من آل بيت النبي (ﷺ)، والثَّامن من ذريَّة الحسين بن عليٍّ، الحسن العسكري، لم يعلن عنه خشية البطش به من قِبل الدولة العبَّاسيَّة. غير أنَّ الأمر ما لبث أن تطوَّر إلى الزعم بأنَّ هذا الابن هو ذاته المهدي، المبشَّر به في أحاديث النبي (ﷺ)، والذي يدعوه الشِّيعة “المنتظَر”. يبدأ الكاتب تناوُله بالإشارة إلى عدم ثبات الرؤية عن شخصيَّة المهدي لدى الشِّيعة، وعدم استقراره على شخص معيَّن يتأكَّد لديهم كونه المهدي؛ والدليل على ذلك ادِّعاء المهدويّة في كثير من الأئمة من نسل النبيِّ الكريم، منهم محمَّد بن عبد الله بن الحسن بن عليٍّ، أو ذو النفس الزكيَّة، وثبوت بُطلان ذلك الادِّعاء لاحقًا، بعد موته قبل اكتمال مهمَّته.

ويروي الصدُّوق في كتابه الشهير إكمال الدِّين عن الإمام محمَّد الباقر قوله، مخاطبًا أتباع الإماميَّة، ” لا تزالون تمدُّون أعناقكم إلى الرجل منَّا تقولون: هذا هو، فيذهب إلى ربه حتى يبعث الله لهذا الأمر من لا تدرون ولد؟ أم لم يولد؟ خلق؟ أم لم يخلق؟” (ص183). وقد اتَّفق الكلِّيني في الكافي (جزء1، ص341)، والنعماني في الغيبة (ص187)، على أنَّ الإمام جعفر الصَّادق رفض تحديد هويَّة المهدي في زمنه، وإن أشارت بعض أقاويل منسوبة إليه، إلى اعتقاده المهدويَّة في محمَّد بن الحنفيَّة، ابن الإمام عليٍّ (كرَّم الله وجهه)، لكنَّه تراجع بالطَّبع لمَّا مات. ويُشار كذلك إلى أنَّ الإمام الصَّادق كان يعتقد في قُرب قيامة المهدي الحقيقي في زمنه، مفترضًا أنَّ كان سيظهر للقضاء على حُكم الأمويين. وينسب الطُّوسي، في كتاب الغيبة، إلى الصَّادق قوله عن المهدويَّة “كان هذا الأمر فيَّ فأخَّره الله تعالى، ويفعل بعد في ذريَّتي ما يشاء” (ص263). يضيف الكاتب أنَّ أتباع الإماميَّة كانوا يأملون في أن تكون المهدويَّة في موسى الكاظم، ابن جعفر الصَّادق؛ كي يخلِّصهم من الحُكم العبَّاسي، مشيرًا إلى روايتهم عددًا من الأقاويل عن أبيه وجدِّه، الصَّادق والباقر، تزعم أنَّه المهدي. غير أنَّ موسى الكاظم عجز عن إثبات كونه المهدي بعد سنوات من انتظار قيامته، لكنَّ وفاته دونما تحقيق ذلك الحُلم لدى أتباع الإماميَّة لم تثنهم عن إنكار مهدويَّة الكاظم؛ فاعتقدت فرقة الموسويَّة أنَّه غاب ولم يمت، وسيعود لتحقيق حُلم ملأ الأرض قسطًا وعدلًا. ويقول الكلِّيني في الكافي (جزء1، ص341)، والصدُّوق في إكمال الدِّين (ص370)، أنَّ عليًّا الرِّضا، ابن موسى الكاظم، نفى عن نفسه المهدويَّة، مبدِّدًا حُلم بعض أتباع أبيه، مم يعني أنَّ فكرة ظهور المهدي لم تكن ترتبط بتوافر الشروط المنصوص عليها في أحاديث النبيِّ (ﷺ) عنه، إنَّما بأمل الشِّيعة في إيجاد بطل خارق يجبر كسرهم في مواجهة الحُكم الظالم، ويظهرهم على الأمم، تمامًا مثل أمل اليهود في المخلِّص منذ أكثر من ألفي عام. ويقول الكاتب في ذلك (ص84-85):

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

بطلان قيام دولة يهودية في فلسطين في القانون الدولي

الدكتور السيد مصطفى أبو الخير خبير أكاديمي في القانون الدولي رغم كل ما …