أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / صحفيو “الأخبار” اللبنانية.. الولاء للمؤسسة أم للانتفاضة؟

صحفيو “الأخبار” اللبنانية.. الولاء للمؤسسة أم للانتفاضة؟

ياسر الحسيني

كاتب وإعلامي سوري
عرض مقالات الكاتب

دأبت جريدة الأخبار اللبنانية منذ إنطلاقتها عام 2006، على ملامسة هموم الشارع اللبناني الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي جعلها من بين الصحف الأكثر شعبية والأكثر قراءة في لبنان، وهي المعروفة في الوسط السياسي بأنّها قريبة من حزب الله، وهذا ما أربكها في الأسابيع الثلاثة من الحراك الشعبي الذي عمّ لبنان كلّه، فبعد أن واكبت التحرك في بدايته مؤيّدة بشكل صريح له، إذ خرجت بعنوان “الشعب يستطيع” بعد يوم من انطلاقة الإحتجاجات في 17/10/2019.

وكتب رئيس تحرير الجريدة (ابراهيم الأمين) في اليوم الثاني 19/10/2019 مقالة بعنوان “فرصة حقيقية للتغيير”، أيّد فيها مطالب المحتجّين، وخلص إلى القول: ” الوضع القائم في البلاد اليوم، لا يحتاج إلى توصيف أو تعليل أو شرح، بل إلى قول واضح وصريح، بأننا أمام فرصة حقيقية و نوعية، لإطلاق مسار تغييري جدّي في هذه البلاد “.

ولكن موقف الجريدة تغيّر بعد خطاب حسن نصر الله في 25/10/2019، وأخذت تشكّك بالحراك وأنّه قد تم اختطافه من قبل خصوم حزب الله السياسيين، ومن جهات خارجية، الأمر الذي دفع ببعض الصحفيين العاملين في الجريدة، إلى تقديم استقالاتهم تباعاً، كان آخرها رئيسة قسم الرأي في الجريدة الصحفية صباح أيوب حيث أعلنت استقالتها على حسابها في تويتر يوم الثلاثاء 5/11/2019 وجاء فيها: ” تقدمت باستقالتي من جريدة الأخبار لتراكم أسباب آخرها أداء الجريدة في تغطية انتفاضة 17 تشرين الشعبية”. وكان قد سبقها من القسم الاقتصادي (رئيس القسم) الصحفي محمد زبيب الذي استقال احتجاجاً على موقف إدارة الجريدة من الانتفاضة، وكذلك الصحفية فيفيان عقيقي من القسم نفسه، ومن القسم الثقافي الصحفية جوي سليم.

أربعة صحفيين تخسرهم جريدة الأخبار، في غضون أيام، بسبب تبدّل موقفها من الحراك الشعبي، وتبنّي موقف حزب الله بكلّ ما يحمل من مغالطات واتّهامات لا تستند إلى دليل، فكان انحياز الإدارة غير المبرّر ضدّ الانتفاضة، مبتعدة عن المهنية وشرف العمل الصحافي، هو الدافع لأولئك الصحفيين الذين آثروا الانحياز للشارع المنتفض، وعلى الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة، التي تمرّ بها البلاد، لكنّها لم تؤثّر على قرارهم الجريء بالتخلّي عن المؤسسة، من أجل الدفاع عن الكلمة الحرّة، في زمن الولاءات لمن يدفع.

في زمن التحولات الكبرى، يحدث عادة مثل هذا الاضطراب في المؤسسات الإعلامية، وتتعرّض لانشقاقات في صفوفها بحسب بعدها عن خطّها المعلن، أو بعدها عن الحقيقة لصالح طرف أو تيّار سياسي، وغالباً مايكون سبب الانحراف هو المموّل، الذي يفرض إرادته في مثل هذه الظروف، مضحيّاً بكل الإنجازات السابقة للمؤسسة، وببعض الأقلام التي لا تقبل الإملاءات، وتحترم كلمتها واستقلالية رأيها، وقد يحدث العكس تماماً، فتهرب بعض الأقلام التي كانت تدّعي الاستقلالية، وإذا بها تنكشف بأنّها مرتهنة لطرف يخوض صراعاً، ولابدّ من إعلان الولاء له ولو على حساب سمعتها الإعلامية، التي كوّنتها في السابق. ويستحضرني هنا مثالين نموذجيين لحالتين مختلفتين من الولاء، الأولى نموذج (غسان بن جدو) الذي غادر قناة الجزيرة عندما اندلعت الثورة السورية، ليبدو واضحاً موقفه المنسجم مع رؤية الولّي الفقيه، الذي ساند الربيع العربي، لكنّه عندما وصلت الموجة إلى سوريا، أطلق عليها وصف “المؤامرة”، فأسّس بن جدو قناة الميادين، لتكون على غرار قناة المنار التابعة لحزب الله، منصّة إعلامية تمارس كل أنواع الكذب والشحن الطائفي، الذي يخدم المشروع الإيراني في المنطقة. أما النموذج الثاني، فهو نموذج الإعلامي الانتهازي الرخيص، الذي يتقلّب بموقفه بحسب الحالة السائدة، فولاءه لوليّ نعمته، صاحب الأمر، وخير من يجسّد هذا النموذج (عمرو أديب)، الذي بزّ كلّ المتلوّنين وتفوّق عليهم، واستطاع أن يواكب أربعة فترات مرّت بها مصر، منذ عهد حسني مبارك وصولاً إلى حكم السيسي، وما تحمله تلك الفترة من تناقضات صارخة، ومع ذلك تمكّن من التقلّب في خطابه الإعلامي، وبطريقة لاتخلو من “البقاحة” باللهجة المصرية، متنكّراً في كلّ مرحلة لكلّ ما قام به في المرحلة التي سبقتها، ليقدم للشعب المصري أولاً، ولشعوب الربيع العربي ثانياً، نموذج الإعلامي الرخيص، المنافق، الذي لا يندى له جبين.

قد تبدو الصورة قاتمة، بالنسبة للإعلام العربي المتّهم دوماً بأنّه ينطق بهوى مشغّليه ومموّليه، ولكن هناك من يتصدّى لتلك الإرادة، حتى لو أدى به ذلك إلى دفع أثمان جسيمة، قد يخسر فيها عمله (صباح أيوب وزملاءها)، أو حريّته الشخصية (محمود حسين من الجزيرة في سجون مصر)، أو حتى حياته (جمال خاشقجي)، والشواهد كثيرة في عالمنا العربي، الذي يعيش مرحلة العبور من زمن الاستبداد وظلم وظلام الأنظمة، إلى زمن الحرية والانعتاق.

 الجميع يدّعي أنّه منحاز للحقيقة وللحقيقة فقط، ولكنها إشكالية لن تجد طريقها للحل، حينما ينظر كلّ طرف من زاويته ويفرض رؤيته على أنها هي الحقيقة، ويرفض أن يصغي لمن يخالفه، بل ويتّهمه بالتحريف والتزوير، فتضيع الحقيقة وتتبخّر في زحمة الاتهامات المتبادلة، ويقع الجمهور فريسة التشويش والتشويه، وتبقى قلّة قليلة من المجتمع، أصحاب العقول المتنوّرة هي التي تقرأ مابين السطور، وتستطيع أن تستخلص جزءاً هاماً من الحقيقة، بطريقة تفكيكية لإعادة تركيب تفاصيل الحدث بشكل أقرب للمنطق، وخاصة بعد توفّر الآلاف من المصادر، عبر وسائط التواصل الإجتماعي، التي يمكن اللجوء إليها، رغم ما تتضمّنه من كم هائل من الأكاذيب والإشاعات، التي يقف وراءها أجهزة مخابرات وأنظمة، وحشد الآلاف مما يسمى” الجيش الألكتروني”، أو ما شاع تسميته في الآونة الأخيرة “الذباب الألكتروني”.

أيّاً ما تكون التسمية، فالغاية واحدة، والتي يلتقي فيها الإعلام المقروء والمسموع والمرئي مع “السوشيال ميديا”، التابعة لمنظومات الحكم في عالمنا العربي، ليس من أجل الحقيقة، وإنّما اغتيالها.

شاهد أيضاً

في تعظيم الجوامع…

ما يجمعنا مع ماقضى عليه الشهداء والمعتقلون والمعذبات زهير سالم مدير مركز الشرق العربي عرض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.