أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / مدى تأثر صفقة إس 400 على علاقة تركيا بحلف الناتو 3 من 3

مدى تأثر صفقة إس 400 على علاقة تركيا بحلف الناتو 3 من 3

الدكتور السيد مصطفى أبو الخير

خبير أكاديمي في القانون الدولي
عرض مقالات الكاتب

     ومع ذلك فليس صحيحا أن تركيا عاشت باستمرارٍ مشكلات مع حلف الناتو، الذي يعد أكثر المنظمات وزنًا وقوة من بين المنظمات العالمية المنضمة إليها تركيا، وأنها لم تر أي فائدة من الإسهامات التي قدمتها للحلف، وأنها لم تستفد من عضويتها داخل الحلف، لكنها استفادات كثيرا من وجودها داخل الحلف فكانت الاستفادة متبادلة من الناحية العسكرية، ومجالات تأثيرها السياسي، فضلا عن فرص ومجالات التعاون الموجودة، ومواجهة التهديدات المشتركة للدول الأعضاء في حلف الناتو ويعد ردعها أو التغلب عليها أمرًا أكثر صعوبةً وتعقيدًا إذا واجهتها كل دولة عضو فى الناتو منفردة.

      وكانت أجندة حلف الناتو طيلة سنوات الحرب الباردة تهتم بانتشار أسلحة الدمار والإرهاب والصراعات الإقليمية وعمليات السلام، ومواجهة التهديد الروسى لأعضاء الحلف([1])، ولكن بعد أنتهاء الحرب الباردة وأنهيار الاتحاد السوفيتى أندرجت في جدول أعمال اجتماعات قمة حلف الناتو ولاسيما في الأعوام العشرة الأخيرة قضايا غير عسكرية، مثل الأمن الإلكتروني والحروب الهجينة وأمن طرق الطاقة والقرصنة والهجرات الجماعية والتغيرات المناخية والكوارث الطبيعية، لأنها تشكل تهديدًا للأمن والسلام والاستقرار على الصعيد المحلي والدولي([2]). دخل حلف الناتو في فترة تحولٍ وأتخذ تدابير فعالةٍ على نطاقٍ واسعٍ ضد التهديدات الجديدة وغير بنيته وطبيعته، مع الحفاظ على خاصيته الرادعة([3]).

      وقد استفادت تركيا من الإسهامات المهمّة التي قدمتها (ضمانات الأمن الوضعي) التي يؤمّنها الحلف للأمن القومي في تركيا منذ انضمامها إليه عام 1952 وتلك حقيقةٌ واقعة، وأنها أقوى قوةٍ رادعةٍ للتهديدات الناجمة من وجود عشرات آلاف السلاح النووي الذي كان يملكه الاتحاد السوفياتي في فترة الحروب الباردة هي السلاح النووي الأمريكي الذي وُضِع قسمٍ منه في تركيا، و(المظلة النووية)” التي كُوِّنت تبعًا لذلك . وكذلك قوة الردع الموجودة لدى حلف الناتو كانت مؤثرةً ضد التهديدات التي يمكنها أن تأتي من روسيا التي تتبع سياسة القوة (العدوانية) في الفترة الأخيرة وفق التصور التركي. وقد أكد المراقبون العسكريون والسياسيون الأتراك ذلك، ومن أهم مجالات تعاون تركيا مع حلف الناتو مكافحة الإرهاب العالمي:

     تصدرت مكافحة الشبكات الإرهابية العالمية جدول أعمال حلف الناتو نتيجة الاهتمام البالغ من قبل الولايات المتحدة بعد هجمات 11 أيلول- هي واحدةٌ من أهم العناوين في تصورات التهديد المشتركة لدى الدول الحليفة. إذ أصبحت العمليات العسكرية التي تُسَيَّر في بلدان تكثر فيها المجموعات الإرهابية، مثل أفغانستان، والقيام بمبادرات سياسية ومالية واقتصادية ودبلوماسية متعددة المناحي للحيلولة دون وصول الموارد المالية والدعم اللوجستي إلى الجماعات الإرهابية ومنعها من حشد المؤيدين لها- أفعالًا مشتركة تقوم بها الدول الأعضاء في الحلف. خوفا من حصول الجماعات الإرهابية على أسلحة الدمار الشامل واستعمالها في هجماتها هي أهم تهديدٍ تتفق عليه دول الحلف([4]) لا تستطيع دولة منفردة مواجهة تلك التهديدات. فهناك حاجة إلى تعاون وتنسيق قويين ومستمرين، ولاسيّما في مجال الاستخبارات. ومن المهمّ جدًّا من أجل تحقيق هذا الهدف أن تطبق جميع دول الحلف القرارات التي تُتَّخذ سواء في الأمم المتحدة أم في حلف الناتو بشكل فعال([5]).

     في حزيران 2005 أَسّست تركيا المركز الأعلى لمكافحة الإرهاب (TMMM) في بنية هيئة الأركان العامة، وذلك في إطار القرارات التي اتُّخِذت لبناء مراكز عليا ترشد صناع القرار، ومن خلال أعمالها في قمة حلف الناتو التي عقدت في براغ في تشرين الثاني 2002 من أجل مكافحة التهديدات القديمة والجديدة، وهذا المركز منظمة عسكرية دولية يعمل فيها ضباط من سبع دول أعضاء في حلف الناتو إضافة إلى تركيا، والدول المتحالفة التي تعيّن العسكريين والمدنيين في المركز الأعلى لمكافحة الإرهاب (TMMM) هي الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وبلغاريا وهولندا والمجر ورومانيا.

     ويقدم الخدمات للموظفين المدنيين والضباط متوسطي ورفيعي المستوى من الدول الأعضاء في الحلف والدول التي لها شراكة مع حلف الناتو في محافل مختلفة. ويقيم هذا المركز سيمينارات وندوات وورشات عمل وغيرها من الفعاليات في موضوعات متعددة، مثل استنزاف الموارد المالية للإرهابيين، ومكافحة الانتحاريين، والعلاقة بين الإرهاب والإعلام، ودراسة أسس الإرهاب الأيديولوجية، ويقدم الإسهامات الأكاديمية للأعمال التي  تُسيَّر في مقر حلف الناتو بخصوص مكافحة الإرهاب([6]).

     ومن أهم مجالات التعاون دراسة نتائج انهيار سلطات الدول والتغيرات المناخية والقرصنة والهجرة:

     من أهداف تأسيس حلف الناتو حماية نمط الحياة الغربية في فترة الحرب الباردة عُدَّت القدراتُ العسكرية التي يملكها الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو الذي يقوده عنصرًا يهدد نمط الحياة الغربية، وفي الفترة التي تلت فترة الحروب الباردة تبلور هذا التهديد في الغموض وانعدام الاستقرار الذي خلفته الصراعات الإقليمية على أساس العرق والدين، وأصبح الإرهاب العالمي في مطالع الألفينيات مصدر هذا التهديد، وفي فترة السنوات العشر الأخيرة ظهرت تنظيمات إرهابية وعصابات لا تتورع عن استعمال العنف من أجل تحقيق أهدافها عند فراغ السلطة الذي تخلِّفه حكومات لم تبذل جهودًا كافية للقيام بما تستلزمها الدولة على أرض الواقع رغم وجودها السياسي، خاصة في منطقة آسيا والمحيط الهادي وقسم مهمّ من إفريقيا.

     وأدت التغيرات المناخية التي أصابت مناطق  من آسيا والمحيط الهادى وجزء كبير من أفريقيا إلى صعوبة الحصول على الاحتياجات الأساسية من الماء والغذاء الجيد، مما أدى إلى هجرة أعداد ضخمة من تلك المناطق للدول الأوربية. وبلغت حركة الهجرة العالمية والمتسارعة بفعل الحروب الأهلية الجارية وأوساط الفوضى في منطقة الشرق الأوسط مستوياتٍ تزعزع بشدةٍ بعض دول حلف الناتو التي تعاني حاليًا أزمات اقتصادية. وتقدّم تركيا دعمًا شاملًا للعناصر البحرية التابعة لحلف الناتو، ولاسيما في بحر إيجة والبحر الأبيض المتوسط من أجل الحدّ من موجات الهجرة والتحكم بالظروف التي يعيشها ملايين اللاجئين الذي يجازفون بحياتهم بهذه الطريقة، وبشكلٍ مشابهٍ استُعمِلت سفينة الفرقاطة لصدّ القرصنة النشطة في المحيط الهندي والسواحل الشرقية لإفريقيا، وذلك في إطار القرارات التي اتخذه حلف الناتو([7]).

 تضامن الحلف مع تركيا في وجه تداعيات الحرب الأهلية في سورية:

     إن التصريحات الواضحة التي قدمها مجلس حلف الناتو الذي يعدّ أعلى جهاز يصنع القرار في الحلف حول تضامنه مع تركيا في العلاقات التي توترت فجأةً بعد إسقاط الطائرة النفاثة الروسية في 24 تشرين الثاني 2015؛ حالت دون تفاقم الأزمة، وأسهمت في تهدئة الأطراف، وحالت دون تحولها إلى صراعٍ مفتوحٍ ولو على نطاقٍ صغير،  وعلى الرغم من أن الدول الأوربية الأعضاء في الحلف لم تكن تحبذ -كما تحدثنا آنفًا- أن تعيش تركيا وهي عضو في الناتو مشكلات في علاقاتها مع جيرانها من دول الشرق الأوسط فإنها على خلاف الماضي قدمت تصريحاتٍ واضحةً وعلنيةً، وأعلنت عن تضامنها مع تركيا إثر مناشدات أنقرة، وأن تأمين أمن الأراضي التركية والشعب التركي ضد أي هجومٍ قادمٍ من سورية مسؤولية الحلف المشتركة. وتقرر بناءً على ذلك بناء أنظمة الدفاع الجوي باتريوت التي طوّرتها ألمانيا وهولندا والولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة الجنوبية والجنوبية الشرقية من الأناضول قريبًا من الحدود السورية، وبدأت هذه الأنظمة تعمل منذ تشرين الثاني 2012م، وقد تم سحب تلك المنظومة بعد.

     عندما نتذكر مواقف الحلفاء المقاومة لتصورات تركيا حول التهديدات طيلة سنوات طويلة، والمتباطئة حيالها، بل المعارضة لها من حينٍ لآخر من جانب، ونجد إبداءها وقوفًا قويًّا مؤثرًا بجانب تركيا في أوساط الأزمة الحاصلة مع سورية من جانب آخر- نجد أنها تعطي رسالةً بأن علاقاتها ستكون بالمستوى المطلوب في المستقبل. ويمكن القول إن التغيرات الإيجابية التي حصلت في مواقف الدول الحليفة الأوربية تحديدًا ناجمة من رؤيتها بشكل واضحٍ للأبعاد التي يمكن أن تبلغها المشكلات التي برزت في الشرق الأوسط إن لم تُحلّ داخليًّا وكذلك عن أزمة اللاجئين ذات المنشأ السوري.

     وقوف دول الحلف مع تركيا فى مواجهتها للجماعات الأنفصالية الكردية، علما بأن المسألة الكردية، شديدة الحساسية بالنسبة للأمن القومي التركي، وعلى رأس المواضيع السياسية التي تتخوف تركيا من تأثير ردود الفعل الغربية عليها، سواء في داخل تركيا نفسها أو في دول الجوار، سوريا والعراق، وقد كان التزام الدول الغربية بالقراءة التركية لهذه المسألة على الدوام، واحداً من أهم العوامل لصالح تركيا وقدرتها على ضبط هذه القضية وكبحها. فالدول الغربية أعتبرت على الدوام أن المسألة الكردية في تركيا هي قضية داخلية، وبذلك، فإن الدولة التركية مخولة بأن تفعل كل ما تراه مناسباً حافظاً لأمنها الداخلي، من دون أي تدخل خارجي، وفي الطريق إلى ذلك، تغاضت الدول الغربية ومؤسساتها عن كل أشكال الانتهاكات التي اقترفتها تركيا بحق المجتمع والجغرافية الكردية في الداخل التركي، كذلك فإن هذه الدول منعت بحزم أي نشاط للقوى السياسية الكردية التركية في بلدانها التزاماً بالتحذيرات التُركية.

     تتطلب العلاقات التحالفية تضحيات متبادلة عند الضرورة. بالرغم من إمكاناتها الاقتصادية والمالية والعسكرية المحدودة مقارنةً مع بعض البلدان المتقدمة في حلف الناتو طبقت تركيا بمبدأ (تشارك الأعباء)، وقد قدّمت إسهامات في عدد من المسائل الأمنية، مثل قوات التنفيذ (IFOR) وقوات الاستقرار (SFOR)  وقوات كوسوفو (KFOR)  في بلاد البلقان، وقوات دعم الأمن الدولي (ISAF)  في أفغانستان، ولواء جنوب شرق أوربا، ومهمة التدريب في العراق، وقوات المهام المشتركة البحرية في البحر الأسود وإيجة والبحر الأبيض المتوسط والقرن الإفريقي، وعمليات الاستكشاف الجوية في منطقة البلطيق، لكن إسهاماتها هذه لم تلق التقدير المناسب من قبل الحلف.

 مدى تأثير صفقة أس 400 على وجود تركيا بحلف الناتو:

     فقد عبّر حلف الناتو عن “قلقه” لبدء تسلم تركيا منظومة الصواريخ الروسية إس-400، حسبما نقلت وكالة فرانس برس عن مسؤولي الحلف. وقد تسلّمت تركيا أول شحنة من المنظومة رغم تحذيرات واشنطن، معرّضة بذلك نفسها لعقوبات أميركية، وتعبيرا عن هذا القلق قال مسؤول في الحلف (اليوم الجمعة 12 تموز/ يوليو 2019) طالبا عدم الكشف عن اسمه “نشعر بالقلق إزاء التداعيات المحتملة لقرار تركيا حيازة منظومة إس-400”. وأضاف أن “العمل المشترك لقواتنا المسلحة أمر أساسي للحلف لأجل تسيير عملياتنا ومهماتنا”. وكثيرا ما حذر الحلف تركيا من أن المنظومة الروسية تتعارض مع أسلحة الحلف، ومنها المقاتلة الأميركية إف-35. وقد أصدر حلف الناتو تقريرا أنتقد فيه للمرة الأولى التطورات التى شهدتها تركيا فى الفترة الأخيرة خاصة على صعيد الديمقراطية وحقوق الإنسان، والتى أتخذتها تركيا بعد محاولة الأنقلاب عام 2016م وأكد التقرير الذي أعدته الجمعية البرلمانية لحلف الناتو، ونشر على موقع الحلف اليوم الاربعاء أن تركيا هي الدولة الوحيدة ضمن دول الحلف المصنفة كبلد “غير حر”.

     وتساءل البعض هل صفقة الصواريخ الروسية لتركيا بدايةحرب باردةجديدة؟ وأضافوا إن “الصفقة حملت الكثير من الأسئلة حول الاستراتيجية التركية الجديدة، فهل ستنسحب تركيا من حلف الناتو؟ وهل تستدير تركيا نحو روسيا في تحدٍ لواشنطن وحلف الناتو؟ أجواء الانقلاب وكابوسه دفعت أردوغان إلى التفكير في خيارات التحول الاستراتيجي”. لقد أصبحت حالة العلاقات بين تركيا من جانب والولايات المتحدة وحلفائها الآخرين في حلف شمال الأطلسي (الناتو) من جانب آخر مؤخرًا ضعيفة للغاية.

     وأدى شراء أنقرة أنظمة الدفاع الصاروخي الروسي إس-400 على الرغم من اعتراضات حلف الناتو،  بعد صفقة ”أس-400“ الروسية صدر تقرير من معهد ”كاتو“،  جاء فيه أنه حان الوقت لطرد تركيا من حلف الناتو وأضاف إن ”تركيا لم تعد شريكًا موثوقًا به لحلف الناتو لاعتبارات أمنية وسياسية ولاستمرار تقاربها مع روسيا “.وجاء في التقرير أيضا أن ”أفعال أردوغان في تركيا لا تتلاءم أبدًا مع مبادئ وقيم حلف الناتو، بما فيها قيامه بتركيز السلطة بيده بشكل غير مسبوق، وتقويض النظام القضائي والسيطرة على معظم أجهزة الإعلام التركية وسجن المئات من الصحافيين والخصوم السياسيين“.

     ويعتقد المحللون العسكريون ان نظام الصواريخ S-400 الذي أشترته تركيا رسالة سياسية مفادها انعدام ثقة انقرة في الدول الغربية. وعلى الرغم من تحذيرات حلف الناتو والولايات المتحدة، ومع ذلك أشترت تركيا هذه المنظومة. ويعني شراء نظام الصواريخ S 400 أن تركيا ليست واثقة من الوعود الأميركية لنقل تكنولوجيا أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية، مثل باتريوت، الذى رفضت إدارة أوباما بيعها لتركيا وبالتالي بادرت بشراء منظومة صواريخ S 400 من روسيا. وهناك سبب آخر لشراء أنظمة الصواريخ S 400 من روسيا هو أن الكرملين يوفر لتركيا آلية لبناء ونقل تكنولوجيا منظومة S 400 ، لذلك كانت أنقرة أكثر تصميما لشراء هذه المنظومة الصاروخية.

     وحقيقة أن تركيا، باعتبارها دولة عضو في الناتو، فضلت الدفاع الجوي الروسي على الدفاع الجوي الأمريكى، يؤكد ذلك أن روسيا تفوقت على أمريكا تكنولوجيا في هذا الصدد. لذلك تغيرت سياسات الحكومة التركية تماما وتكاد تخرج من القفص الامريكي والغربى، وتتجه شرقا نحو الصين وروسيا. وترى تركيا أنها لا يمكن أن تكون شريكا جيدا للأميركيين، وأن نظرة أمريكا واستراتيجيتها لتركيا تختلف عن نظرة تركيا للأمريكان.

     تكمن هواجس حلف الناتو التى تُرجِمت لمناشدات وتحذيرات لتركيا، ومع ذلك أعلنت تركيا أنها لن تتراجع عن هذه الصفقة، فإلغاؤها قد يسبب شرخاً في العلاقة مع روسيا، ولهذه الصفقة تداعيات مباشرة على التنسيق الأمني والعسكري بين تركيا وحلف الناتو، هذا الأمر سيؤدّي حتماً إلى أزمات جيوسياسية، وستُعمّق الهوّة تحديداً بين أنقرة  وواشنطن، وبالتالي تأثير سياسي وعسكري قد يمتد إلى شرق سوريا والملف الكردي، فالنقاش حول شراء المنظومة الصاروخية أُقفل تركياً، لكن الأطلسي وعلى رأسه واشنطن ينظر إلى هذه الصفقة عبر منظار خيارات تركيا الجيوسياسية الجديدة، فالقراءة الأميركية رأت بأن تركيا تسعى إلى الالتفاف على الأطلسي والابتعاد عن هذه المظلّة العسكرية،  وهذا ضغط تمارسه تركيا على شركائها في الناتو، ليقتصر تدخّلهم على قضايا متعلقة بالحاجات الدفاعية والأمنية لدول الحلف، لكن بعيداً عن توجّهات تركيا الجديدة، لذا، تسعى تركيا إلى أن تغلّف هذه الصفقة بإطارين، الأول توطيد علاقاتها مع الروسي، والثاني إبقاء الروابط مع الناتو والغرب عموماً.

     ولكن قال سونر كاغابتاي مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى ومؤلّف كتاب السلطان الجديد: أردوغان وأزمة تركيا الحديثة “، ” لا أعتقد أن الدول الأعضاء في حلف الناتو ستشكّل بالضرورة جبهة موحَّدة في موقفها حيال شراء تركيا منظومة S-400. فبعض الدول الأعضاء في الناتو هي حليفة لروسيا، مثل هنغاريا، وفي إيطاليا مثلاً، حكومتها ميّالة لروسيا، يُضاف إلى ذلك أن الأسرة الأوروبية الأوسع داخل حلف الناتو لاتقف إلى جانب الولايات المتحدة بسبب التفاعل بين سياسات واشنطن من جهة والديناميكيات العابرة للأطلسي من جهة أخرى. لذا، لا أتوقّع أن يساند كل الأعضاء الأوروبيين في حلف الناتو واشنطن في معارضة قرار تركيا بشراء منظومة الدفاع الجوّي الروسية. بل يُرجّح أن يكون الوضع مختلفاً تماماً عن الجبهة الموحَّدة التي شكَّلها الناتو في العام 2013، عندما أعربت تركيا عن رغبتها في شراء نظام دفاع صاروخي صيني الصنع”.

     وأفاد الصحافي المقيم في واشنطن، “إلهان تانير”، في مداخلة نشرها “مركز كارنيغي للشرق الأوسط ” إنّ الولايات المتحدة هدّدت، وهي الطرف الأهم في حلف “الناتو”، تركيا بـ “عواقب وخيمة” في حال نفّذت عملية شراء منظومة إس-400. وأشار تانير إلى أنه يمكن توقّع أن يفرض الكونغرس إجراءات قاسية على تركيا، بما في ذلك حظر إرسال مقاتلات إف-35 الخفيّة الجديدة إليها. وسيتم أيضاً اللجوء إلى قانون مكافحة أعداء الولايات المتحدة من خلال العقوبات. وأضاف “صحيحٌ أنه منذ إنشاء حلف الناتو، لم تنسحب أية دولة من عضويته، لكن ثمّة دوماً مرة أولى لكل شيء”. واستطرد تانير بالقول: “يُعتقد أنّ منظومة إس-400 ستكلّف تركيا 2.5 مليار دولار، بَيْد أنّ أكلافها الحقيقية ستكون أعلى بكثير على الأرجح، بما في ذلك انسحاب تركيا من الناتو”.

     أما الباحث الزائر في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، “مارك بيريني”، فيقول في مداخلة نشرها أيضاً “كارنيغي للشرق الأوسط”، إنّه مع وجود منظومة S-400 في قلب الدفاع الجوي التركي، سيمسي كامل مخزون الناتو من طائرات F-16 و  F-35في دائرة الخطر؛ لأن روسيا ستتمكّن على الأرجح من قراءة أداء هذه الطائرات عبر نظام روسي. وهذا أمر يرفضه كلٌّ من الولايات المتحدة والناتو؛ لأنه ما من طريقة لـ “عزل” الطائرات العسكرية التركية عن رادارات منظومة S-400. في المقابل تدرك تركيا أن التمسك بالصفقة يعني استمرار تراجع مناعتها دوليا، ويعجل بتصعيد كارثي في العلاقة مع واشنطن التي تبدي إصراراً حال إتمام صفقة S400 على فرض عقوبات اقتصادية مؤلمة على أنقرة جنباً إلى جنب تهميشها سياسيا وعسكريا داخل الحلف الأطلسي.

     وفي هذا الإطار، اعتبر الباحث في الشؤون التركية في معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية، مدير مركز دراسات تركيا الحديثة في موسكو، آمور غادجييف، أن شراء تركيا لصواريخ “S400″ تحوّل لرمز لصراع تركيا من أجل الاستقلال في تطوير صناعاتها الدفاعية، كما أنه سيدشن مرحلة جديدة من العلاقات الروسية التركية. وقال غادجييف في حديث لـ”العربي الجديد”: “تواصل الولايات المتحدة  وحلف الشمال الأطلسي ممارسة الضغوط على تركيا، على خلفية شراء منظومات “S400″ الروسية للدفاع الجوي، وذلك بحجج مختلفة تبدأ من عدم تطابقها مع منظومات الحلف الأطلسي للدفاع المضادّ للصواريخ وتصل إلى احتمال استخدامها لأهداف استخباراتية”.

     وعزا المخاوف الأميركية من نشر “S400″ في تركيا، إلى “فقدان إمكانية إملاء الشروط في مجال الصناعات الدفاعية لبلد ذي ثاني أكبر جيش عدداً بين بلدان حلف الأطلسي، ما قد يشكل سابقة ويزعج واشنطن ويدفعها إلى اعتماد لغة الإنذارات والابتزاز”.

     ومهدت تلك االصفقة لعودة ملايين السيّاح الروس إلى المنتجعات التركية، والمضيّ قدماً في تحقيق مشروعي “السيل التركي” لنقل الغاز الطبيعي الروسي وإنشاء أول محطة نووية تركية “أك كويو”، والتنسيق السياسي والعسكري في سورية عبر مسار أستانة، وصولاً إلى إبرام وتحقيق صفقة “S400″. وقال (سيشكل ذلك بداية مرحلة جديدة من العلاقات، نظراً لتوسع طابعها الاستراتيجي، ليشمل المجال العسكري التقني) وقيام تركيا بنشر “S400″ على أراضيها، سوف يجعل تركيا نفسها لاعب جيوسياسي مستقل، ما يعني وضعاً جديداً تماماً لأنقرة. وستساهم هذه المنظومة في تعزيز قدرة أنقرة على المناورة بالملف السوري خاصة بمنطقة شرق الفرات،لأنها ستعزز من قدرة تركيا المتعلقة بالدفاع عن حدودها، كما أن الشروع في تنفيذ الصفقة يحمل في طياته رسالة لواشنطن تؤكد عزم أنقرة على المضي قدماً في تأمين البدائل من خلال العلاقة مع روسيا.

     أما بشأن العقوبات الأمريكية التى تم تهديد تركيا بها، فتعتمد تركيا على موقف الرئيس الأمريكى الذى قال أن شراء تركيا لتلك المنظومة جاء بعد رفض إدارة أوباما بيع منظومة باتريوت لها، فى إشارة واضحة لتلمس العذر لتركيا فى شرائها صواريخ أس 400 الروسية، تأمل تركيا فى وقوف ترامب معها لدرجة أنه يمكن أن يستخدم حق النقض لمنع فرض أى عقوبات على تركيا، ومنها وقف توريد طائرات أف 35 التى تشترك تركيا فى صناعة ثلاثة أجزاء منها، وهددت تركيا باللجوء إلى التحكيم لتنفيذ العقد المبرم بينها وبين الولايات المتحدة بشأن صناعة وتوريد طائرات الأف 35، كما تسنتد على بعض الأصوات فى الإدارة الأمريكية ترى أن شراء تركيا لمنظومة الصواريخ أس 400 الروسية تمس السيادة التركية وأمنها القومى.

     فى النهاية نخلص إلى أن صفقة شراء منظومة صواريخ أس 400 الروسية الصنع لم تؤثر على وجود تركيا بحلف الناتو، لأن تركيا هى ثانى أكبر قوة عسكرية فى الحلف، فضلا عن موقفها الجغرافى الذى يحتاجه الحلف خاصة بعد نجاح الروس من فرض أنفسهم كقوة دولية فى مناطق كان الغرب وخاصة الولايات المتحدة يعتبرونها مناطق خالصة وحاصة بهم مما دعا البعض للقول بعودة الحرب الباردة من جديد، وأعتقد أن خروج تركيا من حلف الناتو أو طردها سوف يؤدى بالسلب كثيرا جدا على وجود الحلف وأستمراره وسوف يؤدى إلى خلل فى التوازنات بين القوى الدولية وخاصة الغرب بقيادة الولايات المتحدة وروسيا التى تعمل بكل طاقاتها للعودة لسابق عهدها كقطب دولى كبير يقف ندا للولايات المتحدة.


[1] – أنظر رسالتنا للدكتوراه النظرية العامة للتكتلات العسكرية طبقا لقواعد القانون الدولى العام، جامعة الزقازيق، كلية الحقوق، عام 2005م، ص: 151 وما بعدها.

[2] – لواء أركان حرب دكتور/ نبيل فؤاد، حلف شمال الأطنلطى(الناتو) النظام العالمى الأحادى ومشروع الشرق الأوسط الكبير، مخاطر وتحديات الحلف على الأمن القومى العربى، كتاب الجمهورية ، غدد إبريل 2007م دار الجمهورية للصحافة، القاهرة، ص:147 وما بعدها.

[3] – نزار أسماعيل الحيالى، دور حلف شمال الأطلسى بعد أنتهاء الحرب الباردة، مركز الأمارات للبحوث والدراسات الأستراتيجية، أبو ظبى، الطبعة الأولى ،عام 2003م، ص: 73 وما بعدها.

[4]أولجاي دنيزار، دراسة تقييمية لميول وقدرات العناصر غير الدولة لاقتناء أسلحة الدمار الشامل وقيامها بعمليات إرهابية في الفترة التي تلت الحرب الباردة، رسالة دكتوراه، المدرسة الحربية البرية، معهد علوم الدفاع/ فرع علوم الأمن، (أنقرة 2014).

[5] – أنظر كتابنا النظرية العامة للأحلاف والتكتلات العسكرية طبقا لقواعد القانون الدولى العام، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، عام 2010م، ص:259 وما بعدها.

[6] – مصطفى كِبار أوغلو، “تدابير لمكافحة تهديدات إرهاب أسلحة الدمار الشامل”، جمع وإعداد: فياض آي دوغدو، أبعاد الدفاع التكنولوجيا في وجه الإرهاب، سلسلة علوم الناتو في الأمن والسلام، المجلد 115، (منشورات IOS، أمستردام 2013)، ص63-69. 

[7]بيتر يونغ، “أزمة اللاجئين: تقول إحدى الدراسات إن معظم الأوربيين يؤمنون بأن ازدياد الهجرة يزيد من التهديدات الإرهابية”، إندبندنت، 12 تموز 2016.

شاهد أيضاً

“بيت الرب” في الكتاب المقدَّس بين العقائد الوثنيَّة والمصادر الإسلاميَّة 1 من 6

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. يعرِّفنا سفر الملوك الأول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.