أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / بطلان نظريَّة “الإمامة” ووريثتها “ولاية الفقيه” في ضوء “تطوُّر الفكر السياسي الشيعي” 3 من 7

بطلان نظريَّة “الإمامة” ووريثتها “ولاية الفقيه” في ضوء “تطوُّر الفكر السياسي الشيعي” 3 من 7

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

ينقل الكاتب عن عليٍّ بن بابويه الصدُّوق رأيه الوارد في كتاب الإمامة والتبصرة من الحيرة عن تبرير الشِّيعة انتقال الإمامة عموديًّا بين أبناء الحسين، بحسب السِّن، مع عدم جواز انتقالها إلى الإخوة أو أبنائهم أو أبناء العمومة، متحجِّجين في ذلك بقوله تعالى في الآية 75 من سورة الأنفال “وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ”، نفس الآية التي استندوا إليها في حصر الإمامة في بني الحسين (ص177). وقال الشيخ المفيد في كتابه الرَّسائل العشر “إنَّ الإمامة بعد الحسين في صُلبه خاصَّة دون أخيه الحسن وغيره من إخوته، وبني عمِّه، وسائر النَّاس، وإنَّها لا تصلح إلَّا لولد الحسين، ولا يستحقَّها غيرهم، ولا تخرج عنهم إلى غيرهم ممَّن عداهم حتى تقوم الساعة” (ص157). على ذلك، يؤمن الشِّيعة أنَّ في كلِّ زمان إمامًا من ذريَّة الحسين تتوفَّر فيه صفات العصمة، والعلم الربَّاني، والحكمة، والبصيرة النَّافذة يقود الأمَّة ويدبِّر أمورها بإلهام إلهي. ويستند الصدُّوق في كتابه إكمال الدِّين إلى قول النبي (ﷺ) “تركتُ فِيكم الثَّقلين، ما إن تمسَّكتُم بهما، لن تضلُّوا: كِتابَ اللهِ، وعِترتي أهلَ بيتي“، معتبرًا أنَّ آل النبي “مثلهم كمثل النُّجوم، كلَّما غاب نجم، طلع نجم إلى يوم القيامة، تصديق لقولنا إنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة لله على خَلقه” (ص245). غير أنَّ هذا الحديث قد ورد بنفس الألفاظ، مع تبديل “وعِترتي أهلَ بيتي” بـقول النبيِّ “وسُنَّة نبيِّه“.

روى الحديث بالصيغة الأولى عددٌ من كبار الصَّحابة، من بينهم عليٌّ بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، لكنَّ الرواية المنتهية بـقول النبيِّ “وسُنَّة نبيِّه” رواها عددٌ أكبر من الصحابة، من بينهم عمر بن الخطَّاب، وعبد الله بن عمرو، وعروة بن الزبير، عبد الله بن عبَّاس، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، وعمرو بن عوف المُزني، وغيرهم، رضوان الله عليهم أجمعين. ويقول موقع الدُّرر السُّنيَّة، وهو مرجع علمي سُنِّي، أنَّ الحديث، بصيغتيه، ضعيف الإسناد، وإن لم ينفِ إمكانيَّة الاستناد إليه. وقد علَّق شيخ الإسلام بن تيمية على هذا الحديث بقوله “إنَّ النبيَّ (ﷺ) قال عن عِترته: إنَّها والكتاب لن يَفترِقَا حتى يرِدَا عليه الحوضَ، وهو الصادقُ المصدوق؛ فيدلُّ على أنَّ إجماع العِترة حُجَّة، وهذا قولُ طائفةٍ من أصحابنا، وذكره القاضي في المعتمَد، لكنَّ العترة هم بنو هاشم كلهم: ولد العبَّاس، وولد عليٍّ، وولد الحارث بن عبد المُطَّلب، وسائر بني أبي طالب وغيرُهم، وعليٌّ وحده ليس هو العِترة، وسيِّد العِترة هو رسولُ الله ()“.

وقال الصدُّوق في كتاب عيون أخبار الرِّضا، راويًا عن الإمام الرضا قوله “أوَّل المتوسِّمين رسول الله ثمَّ أمير المؤمنين من بعده، ثمَّ الحسن، ثمَّ الحسين، والأئمة من وَلد الحسين إلى يوم القيامة” (ص200).

يتناول الكاتب مسألة في غاية الأهميَّة، وهي غياب الوسيلة الدقيقة للتأكُّد من هويَّة الإمام والوصول إليه، وقد اعترق فقهاء الشِّيعة أنفسهم بذلك في أحاديث متفرِّقة، منها ما نُسب إلى جعفر الصَّادق “كيف أنتم إذا بقيتم دهرًا من عمركم لا تعرفون إمامكم؟ …قيل: فإذا كان ذلك فكيف نصنع؟ …قال: تمسَّكوا بالأوَّل حتَّى يستبين لكم”، كما جاء في إكمال الدِّين للصدُّق (ص348، 350-351). وينتقل الكاتب بعد ذلك إلى مسألة لجوء الشِّيعة إلى “التقيَّة والكتمان” فيما يتعلَّق بنظريَّة الإمامة، مشيرًا إلى تعمُّد الإماميِّين إخفاء ما يعرفونه من فقهاء الشِّيعة “بلفافات من السريَّة والتقيَّة والكتمان“، مدَّعين أنَّ الأئمة “لم يكونوا يذيعون هذه الآراء على النَّاس، وإنَّما قالوا بها سرًّا، وأوصوا بإبقائها طيّ الكتمان” (ص75-76). ويأتي الصفَّار في بصائر الدرجات بالعديد من النماذج لأقوال محمَّد الباقر، وابنه جعفر الصَّادق، وغيرهما، عن ضرورة كتمان ما يُنقل عن فقهاء الشِّيعة وأئمتهم.

ينقل الكاتب موقف آل بيت النبي (ﷺ) من الزعم بعصمتهم، مشيرًا إلى نفيهم هذا الزعم، وإصرارهم على أنَّهم بشرٌ يصيبون ويخطئون، مثل سائر النَّاس. ويستشهد الكاتب في ذلك بقول الإمام عليٍّ نفسه في مسجد الكوفة، الوارد في كتاب بحار الأنوار “إنَّ من حق من عظم جلال الله في نفسه وجلَّ موضعه من قلبه أن يصغر عنده لعظم ذلك كل ما سواه، وإن أحق من كان كذلك لمن عظمت نعم الله عليه، ولطف إحسانه إليه، فإنه لم تعظم نعم الله على أحد إلا زاد حق الله عليه عظمًا…وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحب الاطراء واستماع الثناء، ولست بحمد الله كذلك… فلا تثنوا علي بجميل ثناء لإخراج نفسي إلى الله وإليكم من البقية في حقوق لم أفرغ من أدائها و فرائض لابد من إمضائها، فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة” (جزء 74، ص357-358).

وكان من بين دعاء الإمام عليٍّ، كما ورد في كتاب نهج البلاغة ” اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، فَإِنْ عُدْتُ فَعُدْ لِي بِالْمَغْفِرَةِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا وَأَيْتُ مِنْ نَفْسِي، وَلَمْ تَجِدْ لَهُ وَفَاءً عِنْدي. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا تَقَرَّبْتُ بِهِ إِلَيْكَ بِلِسَاني، ثُمَّ خَالَفَهُ قَلْبِي. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي رَمَزَاتِ الْأَلْحَاظِ، وَسَقَطَاتِ الْأَلْفَاظِ، وَشَهَوَاتِ الْجَنَانِ، وَهَفَوَاتِ اللِّسَانِ” (ص78). ولم يذكر عليٌّ في تعديد صفات الحاكم العصمة، كما يوضح قوله الوارد في كتاب نهج البلاغة “لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول فيتخذ قومًا دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع، ولا المعطِّل للسُّنَّة فيهلك الأمة”. ويورد الكاتب كذلك أقوال منسوبة إلى محمَّد الباقر وجعفر الصَّادق، لا يذكران فيها أبدًا العصمة ضمن مواصفات الحاكم. وهنا يعلِّق الكاتب بأنَّ برغم موقف ذريَّة النبي (ﷺ) من الزَّعم بعصمتهم، واعترافهم بطبيعتهم البشريَّة، ووقوعهم في المعصية مثل غيرهم، فإنَّ دعاة الإماميَّة “حاولوا الالتفاف على ذلك، وقاموا بتأويل الروايات الثَّابتة، والنَّافية للعصمة، بأنَّها صادرة عن الأئمة في مقام التعليم لعامَّة النَّاس، أو أنَّها صادرة تقيَّة” (ص83-84). ويبرهن الكاتب على رأيه بإيراد قول منسوب للإمام عليّ زين العابدين، يقول فيه أنَّ العصمة هي “الاعتصام بحبل الله، وحبل الله هو القرآن، والقرآن يهدي إلى الإمام”، كما جاء في كتاب بين التصوُّف والتشيُّع لهاشم معروف الحسني (ص116).

ويشير الكاتب إلى أنَّ الإمام جعفر الصَّادق ذاته قد وردت على لسانه أقوال تؤكِّد أنَّه لم يكن مرحِّبًا بمسألة الإمامة، ولم يدعُ لها، لكنَّ الشِّيعة يقولون عنها تقيَّة تخفي ما أراده الصَّادق فعلًا. وقد أسهمت وفاة إسماعيل، ابن جعفر الصَّادق، في دحض نظريَّة الإمامة؛ لأنَّ بوفاته، وهو الذي كان الشِّيعة يعتبرونه وريث علم أبيه، أصبح الصَّادق عالمًا عاديًّا، لا يوصي لابن له بالعلم. غير أنَّ حركة باطنيَّة، من جماعة الخطَّابيَّة، أنكروا وفاة إسماعيل، وادَّعوا أنَّ جعفر الصَّادق هرَّبه، خوفًا على حياته. وقد حرص الصَّادق على التأكيد عل وفاة ابنه، بل ودعا المشكِّكين إلى التثبُّت من وفاته قبل دفنه؛ ليدحض الزَّعم بأن وصي الإمام لا يمكن أن يموت في حياة أبيه الموصي إليه. غير أنَّ الخطَّابيَّة أصرُّوا على زعمهم، وأسسوا فرقة الشِّيعة الإسماعيليَّة، نواة الدولة الفاطميَّة، كما أورد النوبختي في كتابه فرق الشِّيعة (ص56)، والأشعري في المقالات والفرق (ص81)، والمفيد في الفصول المختارة (ص248 و251)؛ فنشأت فتنة تُعرف بـ “البداء“. نشبت فتنة بعد ذلك، وتفرَّق أتباع جعفر الصَّادق إلى عدَّة فرق، من بينها الإسماعيليَّة، آنفة الذِّكر، والناووسيَّة، التي آمنت أنَّ الصَّادق هو المهدي المنتظر وغاب ولم يمت، وفرقة ثالثة تبعت عبد الله الأفطح، ابن جعفر الصَّادق، الذي روي أنَّه عهد بالإمامة لابنه عبد الله، آمرًا أخاه موسى الكاظم بعدم الاعتراض، كما جاء في كتاب المقالات والفرق للأشعري (ص88).

غير أنَّ عبد الله الأفطح قد تسبب في تجدُّد الأزمة بين الشِّيعة، لمَّا مات بعد 70 يومًا من موت أبيه، بلا ولد يرث إمامته؛ وهنا برز موسى الكاظم بن جعفر الصَّادق بديلًا، ولم يعب اختياره سوى استبعاد الإمامة على أساس أفقي، بانتقالها من أخ إلى أخيه. تغاضت فئة من أتباع جعفر الصَّادق عن مسألة منع الوراثة الأفقيَّة للإمامة، طالما لم يكن للإمام ولد، بينما تمسَّك فئة أخرى بالزَّعم بأنَّ لعبد الله الأفطح ولد يُدعى محمَّدٌ، أي أنَّ اسمه محمد بن عبد الله، وهو المهدي المنتظر، لكنَّه غائب في اليمن. في حين قبِل غالبيَّة أتباع جعفر الصَّادق بإمامة ابنه موسى الكاظم. ويعلِّق الكاتب على نشوب تلك الفتنة بأنَّها “كشفت…عن هشاشة وغموض نظريَّة النصِّ في الإمامة، وصعوبة تحديد الإماميَّة، أو معرفتهم بالإمام المنصوص عليه من الله واتفاقهم عليه، وإمكانيَّة القول بإمام لا تتوفَّر فيه شروط الإمامة، ثمَّ التراجع عنه بعد ذلك” (ص90).

شهد الجميع بتقوى موسى الكاظم وعلمه وورعه، لكنَّ هذا لم يشفع له في غياب وصيَّة له بالإمام أو نص يشير إليه؛ فلجأ أتباعه ممن أرادوا إثبات إمامته إلى المعاجز، مدَّعين معرفته للغيب، وقد جاء في كتاب الكافي للكلِّيني “إنَّ الإمام الكاظم كان يعلم متى يموت الرجل، ويخبر أصحابه بذلك، كما يخبرهم بمصائرهم في المستقبل” (جزء 1، ص484). وبرغم اتِّفاق فئة من الشِّيعة حول إمامة موسى الكاظم، تسببت وفاته الغامضة في سجن هارون الرَّشيد، الخليفة العبَّاسي، عام 183 هجريًّا، في أزمة جديدة، وهي رفض البعض التصديق بموته، والزَّعم بأنَّه هرب من السجن واختفى، ولا بدَّ من ظهوره، أو قيامته من جديد، كونه المهدي المنتظر، وعُرفت هذه الفتنة بـ “الواقفيَّة”. رفضت فرقة الشِّيعة الموسويَّة التسليم ببيعة عليٍّ الرضَّا، ابن موسى الكاظم، إمامًا خلفًا لأبيه؛ والسبب هو شكُّهم فيه، خاصَّة وأنَّه لم ينجب إلَّا في سنٍ متأخرة، وقد بايع فئة من الموسويّين أحمد، ابن موسى الكاظم، كما جاء في كتاب الكافي للكلِّيني، بينما تمسَّك الإماميُّون بعليٍّ الرضا إمامًا، مستندين إلى وصيَّة أبيه له، والتي اعتراها بعض الغموض، ومل تتضمَّن وصيَّة صريحة بالإمامة. غير أنَّ الشِّيعة الموالين لعليٍّ الرضا ادَّعو أنَّ الوصيَّة كانت سريَّة، مما أسفر عن اشتعال صراع جديد بين أحفاد عليٍّ بن أبي طالب على الإمامة، وظهرت فرقة جديدة من الزعماء العلويين، ممن بدوا وكأنَّهم معارَضة شيعيَّة هدَّدت الاستقرار.

غير أنَّ الخليفة المأمون، ابن هارون الرشيد، كان له موقفٌ يثير الدهشة حيال إمام عليٍّ الرضا؛ حيث عرض عليه الخلافة، بعد أن تعهَّد بإسناد الخلافة إلى الأصلح من آل أبي طالب، وهذا انطبق على الإمام الرضا، وفق ما جاء في كتاب الكامل لابن الأثير (جزء6، ص121) ومقاتل الطالبيين للأصفهاني (ص353). والأكثر إثارة للدهشة أنَّ الرضا رفض الخلافة، ولكن قَبِل ولاية العهد، وما يثير الاهتمام في موقف المأمون هو عودته إلى موقف آل العبَّاس بن عبد المطَّلب من أحقيَّة آل أبي طالب بالخلافة، الموقف الذي تبدَّل بعد إسقاط الحُكم الأموي. ويقول الكاتب أنَّ هذا الموقف المثبت للمأمون يشكِّل انعطافًا أيديولوجيًّا هامًّا عن نهج الخلفاء العبَّاسيين السابقين عليه، وصار بعد هذا الصلح بين بيتي أبي طالب والعبَّاس تحالُف، تمثَّل في تغيُّر سياسة خلفاء بني العبَّاس تجاه الأئمة العلويين التالين لعليٍّ الرضا، وهم محمَّد الجوَّاد، وعليٍّ الهادي، والحسن العسكري. وكما زُعم عن موسى الكاظم علم الغيب للتعويض عن غياب وصيَّة له بالإمامة، استُخدم سلاح المعاجز ذاته مع ابنه الرضا، ولكنَّ هذا لم يمنع اشتعال ثورات ضدَّه في صفوف منافسيه من بني أبي طالب. وجاء الحديث عن معرفة الرضا للغيب في أدلَّة كثيرة، منها ما ورد في كتاب الغيبة للطوسي (ص47-50)، والكافي للكليني(جزء1، ص488)، وعيون أخبار الرِّضا للصدُّوق (جزء1، ص204-225). ووصلت المبالغة في ادِّعاء المعاجز عن الرِّضا إلى حدِّ الزعم بأنَّه قُتل على يد غلمان الخليفة المأمون، ثم عاد إلى الحياة، ما يقول عنه الكاتب “هذه القصص غير قابلة للإثبات، وتتنافى مع القرآن الكريم، وسيرة أهل البيت، وهي من صُنع الغلاة، ولذلك هي لا تشكِّل دليلًا مُقنعًا على إمامة الرِّضا” (ص102). ويستشهد الكاتب على إيمان عليٍّ الرضا نفيه بأهميَّة المشورة في الحُكم، بأن أورد قوله في هذا الشأن “مَن جاءكم يريد أن يفرِّق الجماعة، ويغصب الأمَّة أمرها، ويتولَّى من غير مشورة، فاقتلوه فإنَّ الله قد أذن ذلك“، نقلًا عن عيون أخبار الرِّضا للصدُّوق (جزء2، ص62).

تجدَّدت أزمة الاستقرار على إمام بعد وفاة عليٍّ الرضا، الذي مات ولم يعقِّب إلَّا ابنًا عمره 7 سنوات، هو محمَّد الجوَّاد. اشتعلت أزمة أدَّت إلى انقسام الشِّيعة إلى ثلاث فرق: 1-فرقة عادت إلى الموسويَّة، نافيةً الإمامة عن عليٍّ الرضا، ولم تؤمن بإمامة ابنه؛ و2-فرقة بايعت أحمد بن موسى الكاظم إمامًا، لمَّا عُرف بالتقوى والورع والزُّهد؛ و3-فرقة آمنت بولاية محمَّد الجوَّاد، ووجدت لنفسها مخرجًا من القرآن الكريم، بأن استندت إلى الآية 12 من سورة مريم “وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا”. وبما أنَّ الإمامة لدى الشِّيعة تعادل النبوَّة، فقد اعتقدت تلك الفرقة بأنَّ الجوَّاد كان مُنذرًا للإمامة منذ تكوُّنه في رحم أمِّه، وله من الإمداد العلمي الربَّاني ما يغني عن استقاء العلم في الكبر وتحصيله في سنين. ولعلَّ في هذا الموقف ما يذكِّر بقول أتباع الطريقة النقشبنديَّة بأنَّ الولي يحصل في زمن قياسي من ربِّه مباشرة من العلم الباطني، ما يحصِّله طالب العلم الظاهري في سنين.

وعن هذا الموقف يقول الكاتب أنَّ الشِّيعة الإماميَّة أرادت إنقاذ نظريَّتها عن الإمامة بأيِّ ثمن؛ فادَّعت عن محمَّد الجوَّاد ما ليس فيه، في غياب نصٍّ أو وصيَّة، فلم تجد سوى الاستناد إلى المعاجز. وتكرَّرت مشكلة صغر السن مع عليٍّ الهادي، ابن محمَّد الجوَّاد، لمَّا مات الأخير في عُمْر 25 سنة، تاركًا ابنيه عليٍّ وموسى، ولم يزل أكبرهما في السابعة. لم ينقسم الشِّيعة الإماميَّة إلى فرقتين، إحداهما تؤيِّد عليٍّ الهادي والأخرى موسى المبرقع فحسب، إنَّما لجأ مؤيِّدو الهادي كذلك إلى اختلاق معاجز أسندوها إليها، كما فُعل مع أسلافه. وتكرَّرت واقعة البداء مع الهادي، لمَّا أوصى بالإمامة لابنه مُحمَّد، لكنَّه مات في حياته؛ فاضطر الهادي إلى تعيين ابنه الثاني، الحسن العسكري. وتكرَّر زعْم فرقة من أتباع الإمام الهادي بأنَّ ابنه محمَّد لم يمت، إنَّما غاب، وأُعلنت وفاته من باب التقيَّة. ولن تشفع وصيَّة الهادي للحسن العسكري، حيث نشب صراع بينه وبين أخيه جعفر بن عليٍّ الهادي، الذي رأى نفسه أولى بالإمامة، ويُنسب إلى الحسن العسكري قوله “ما مُنيَ أحدٌ من آبائي بمثل ما مُنيتُ به من شكِّ هذه العصابة فيَّ”، كما جاء في كتاب إكمال الدِّين للصدُّوق (ص222). وتكرَّرت أزمة عبد الله الأفطح، الذي مات ولم يعقِّب؛ فانقسمت الشِّيعة الإماميَّة إلى أربع عشرة فرقة، منها مَن بايع جعفر بن عليٍّ الهادي، ومنها مَن لحق بفرقة المحمَّديَّة، التي آمنت بأنَّ الهادي أعلن وفاة ابنه محمَّدٍ تقيَّةً، ومنها مَن اعتقد أنَّ للحسن العسكري ولدًا في السر، “وُلد في حياته، أو بعد حياته، وأنَّه المهدي المنتظر”، كما يقول الكاتب (ص108).

شهد القرن الرابع الهجري تطوُّرًا كبيرًا في النظريَّة الإماميَّة، وفق رأي الكاتب، بعد نشأة نظريَّة الإمام الثاني عشر، وقد أوجدها “الجناح المتشدد” المتمسِّك بضرورة انتقال الإمامة عموديًّا من الإمام لوصيٍّ من أبنائه (ص111). يروي الكاتب كيفيَّة تكوين نظرية الإماميَّة الاثني عشريَّة كما يلي (ص111):

ويضيف الكاتب أنَّ ما ساعد على تبلوُر تلك النظريَّة القائلة بوجود اثني عشر إمامًا من آل بيت النبي (ﷺ) ظهور كتاب سليم بن قيس الهلالي، الذي ادَّعى مؤلِّفه صداقته أمير المؤمنين عليٍّ بن أبي طالب، جاء فيه بأحاديث تُنسب إلى النبي (ﷺ) والأئمة من أهله، تقول بوجود اثني عشر إمامًا من ذريَّته، كما يذكر كتاب التنبيه والإشراف للمسعودي (ص198). اجتهد مؤسسو النظريَّة الإماميَّة الاثني عشريَّة في إلغاء التاريخ الشيعي والإمامي، والتغاضي عن الغموض المحيط بالنصِّ والوصيَّة وهويَّة الإمام، وغير ذلك مما يُؤخذ على مقوِّمات اختيار الإمام لدى الشِّيعة الإماميَّة، وكان الحل الأمثل هو الزَّعم بأنَّ القول بوجود اثني عشر إمامًا من بيت النبوَّة يرجع إلى عهد النبي (ﷺ) ذاته. وقد ذَكر الصدُّوق في كتابه إكمال الدِّين اعتراض الشِّيعة الزيديَّة على هذا الزَّعم، واتِّهامهم الإماميَّة بتلفيق أكاذيب عن زمن النبوَّة، واستدلَّ الزيديَّة على فساد نظريَّة الإماميَّة بتفرُّقهم إلى شيع مختلفة فيما بينها بعد وفاة كل إمام من أئمتهم الاثني عشر.

ويتناول الكاتب بعد ما سبق مسألة في غاية الأهميَّة تكاد تعصف بمبدأ إسناد الولاية لمحمَّد بن الحسن العسكري، وهي أنَّ غيبته في الطفولة تكفي لعدم أهليَّته للإمامة؛ لكنَّ المتعنتين من الإماميَّة تعلَّلوا بما سبق وأن بُرِّر به تكليف محمَّد الجوَّاد بالإمامة، وهو المعاجز والعلم الربَّاني الفطري. يقول الكاتب أنَّ فقهاء الإماميَّة الاثني عشريَّة وجدوا أنفسهم أمام معضلة من كتاب الله، وهي الآية 6 من سورة النساء “وَابْتَلُوا اليَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ”، وكان الحل هو استثناء أئمة آل البيت، على اعتبار أنَّهم أصحاب علم فطري؛ واستشهد الكاتب برأي الشيخ المفيد في كتابه الفصول المختارة المؤيِّد لإمكانيَّة إسناد الولاية والإمامة للمهدي القائم في سرداب سامرَّاء، ناقلًا عنه رأيه “ليس يصح أن يكون الوالي على أموال الله تعالى كلِّها، من الصدقات والأخماس، والمأمون على الشَّريعة والأحكام، وإمام الفقهاء والقضاة والحُكَّام، والحاجر على كثير من ذوي الألباب في ضروب الأعمال، مَن لا ولاية له على درهم واحد من مال نفسه”، ويدحض المفيد ذلك بقوله “الله سبحانه وتعالى قد قطع العذر في كمال مَن أوجب له الإمامة، ودلَّ على عصمة من منصبه للرياسة” (ص112-115).

شاهد أيضاً

حسُّ أبي بكر الصِّدِّيق الاستراتيجي في خططه لفتح العراق

د. علي محمّد الصلابيّ ما إِن انتهت حروب الردَّة، واستقرَّت الأمور في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.