أخبار عاجلة
الرئيسية / دين ودنيا / الحلقة التاسعة (9): نزول الوحي على سيِّد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم

الحلقة التاسعة (9): نزول الوحي على سيِّد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم

من سلسلة السيرة النبوية – عرض وقائع وتحليل أحداث

د. علي محمّد الصلابيّ

عرض مقالات الكاتب

كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قد بلغ الأربعين من عمره، وكان يخلو في غار حراء بنفسه ويتفكَّر في هذا الكون، وخالقه، وكان تعبُّده في الغار يستغرق ليالي عديدةً؛ حتَّى إذا نفد الزَّاد؛ عاد إلى بيته، فتزوَّد لليالٍ أخرى ، وفي نهار يوم الإثنين من شهر رمضان جاءه جبريل لأوَّل مرَّةٍ داخل غار حراء ، وقد نقل البخاريُّ في صحيحه حديث عائشة رضي الله عنها، والبخاريُّ «أبو الصِّحاح، وكتب السُّنن، والمسانيد، وكتب التاريخ»، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «أوَّلُ ما بُدىءَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم  من الوحي الرُّؤيا الصَّالحة في النَّوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصُّبح، ثمَّ حُبِّبَ إليه الخلاءُ، فكان يخلو بغار حراء، فَيَتَحَنَّثُ فيه – وهو التَّعبُّد – الليالي ذواتِ العددِ، قبل أن يَنْزِعَ إلى أهله، ويتزوَّد لذلك، ثمَّ يرجع إلى خديجة فيتزوَّد لمثلها، حتَّى جاءه الحقُّ؛ وهو في غار حراءٍ، فجاءه المَلكُ، فقال: اقرأ، قال: «ما أنا بقارئ». قال: «فأخذني، فغَطَّني حتَّى بلغ مني الجهدَ، ثمَّ أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثانية حتَّى بلغ مني الجهدَ، ثمَّ أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثالثة، ثمَّ أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ *اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكَرَمُ *الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾[العلق: 1 – 5].

فرجع بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم  يَرْجُفُ فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد، فقال: زَمِّلُوني، زَمِّلُوني، فَزَمَّلُوه حتَّى ذهب عنه الرَّوْعُ، فقال لخديجة، وأخبرها الخبر: لقد خَشيتُ على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبداً! إنَّك لتصل الرَّحم، وتحمل الكَلَّ ، وتُكسبُ المعدومَ ، وتقري الضَّيفَ، وتعين على نوائب الحقِّ . فانطلقت به خديجة، حتَّى أتت به ورقةَ بن نوفل بن أسد بن عبد العُزَّى ابن عمِّ خديجة، وكان امرأً تنصَّر في الجاهليَّة، وكان يكتب الكتاب العِبْرَانيَّ، فيكتبُ من الإنجيل بالعبرانيَّة ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: يا بن عمِّ، اسْمَعْ من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا بن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم  خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا هو النَّاموس  الَّذي نزَّل الله على موسى، يا ليتني فيها جَذَعاً ! ليتني أكون حياً؛ إذ يخرجك قومك! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أوَ مُخْرِجِيَّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجلٌ قطُّ بمثل ما جئت به إلا عُودي، وإن يدركْني يومُك؛ أنصرْك نصراً مُؤَزَّراً ، ثمَّ لم يَنْشَبْ ورقةُ أن تُوُفِّيَ وفَـتَـرَ الوحي ».

عندما نتأمل في حديث السَّيدة عائشة؛ يمكن للقارئ أن يستنتج قضايا مهمَّة تتعلَّق بسيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ومن أهمِّها:

1. الرُّؤيا الصَّالحة:

ففي حديث عائشة رضي الله عنها: أنَّ أوَّل ما بُدئ به محمَّد صلى الله عليه وسلم  من الوحي الرُّؤيا الصَّالحة، وتسمَّى أحياناً بالرُّؤيا الصَّادقة، والمراد بها هنا رؤى طيبةٌ ينشرح لها الصَّدر، وتزكو بها الرُّوح . ولعلَّ الحكمة من ابتداء الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم  بالوحي بالمنام: أنَّه لو لم يبتدئه بالرُّؤيا، وأتاه الملك فجأةً، ولم يسبق له أن رأى مَلَكاً من قبل، فقد يصيبه شيءٌ من الفزع، فلا يستطيع أن يتلقَّى منه شيئاً؛ لذلك اقتضت حكمة الله تعالى أن يأتيه الوحي أوَّلاً في المنام ليتدرب عليه، ويعتاده . والرُّؤيا الصَّادقة الصَّالحة جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءاً من النُّبوَّة – كما ورد في الحديث الشَّريف – ، وقد قال العلماء: «وكانت مدَّة الرُّؤيا الصَّالحة ستَّة أشهرٍ» ذكره البيهقيُّ، ولم ينزل عليه شيءٌ من القرآن في النَّوم؛ بل نزل كلُّه يقظةً. والرُّؤيا الصَّالحة من البشرى في الحياة الدُّنيا، فقد ورد عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم  قوله: «أيها النَّاسُ! إنَّه لم يبقَ من مبشِّرات النُّبوَّة إلا الرُّؤيا الصَّالحة، يراها المسلم، أو تُرَى له».

فكان صلى الله عليه وسلم  قبل نزول جبريل عليه السلام عليه بالوحي في غار حراء يرى الرؤى الجميلة، فيصحو منشرحَ الصَّدر، متفتِّح النَّفس لكلِّ ما في الحياة من جمال . لقد أجمعت الرِّوايات من حديث (بدء الوحي) أنَّ أول ما بدئ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم  من الوحي الرُّؤيا الصَّادقة الصَّالحة، يراها في النَّوم فتجيء في اليقظة كاملةً، واضحةً كما رآها في النَّوم، لا يغيب عليـه منها شيءٌ، كأنَّما نقشت في قلبـه، وعقلـه، وقد شَبَّهت السَّيدة عائشة رضي الله عنها – وهي من أفصح العرب – ظهور رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم  إذا استيقظ بها من كمال وضوحها، بظهور ضوء الصُّبح ينفلق عنه غبش الظَّلام، وهو تصويرٌ بيانيٌّ لا تنفلق دنيا العرب في ذُرَا فصاحتهم عن أبلغ منه .

2. نفسُ النبي تحب الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه:

وقبيل النُّبوَّة حُبِّب إلى نفس النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم  الخلوة؛ ليتفرغ قلبه، وعقله، وروحه إلى ما سَيُلقى إليه من أعلام النُّبوَّة، فاتَّخذ من غار حراء مُتَعَبَّداً؛ لينقطع عن مشاغل الحياة ومخالطة الخلق، استجماعاً لقواه الفكريَّة، ومشاعره الرُّوحية، وإحساساته النَّفسيَّة، ومداركه العقليَّة، تفرغاً لمناجاة مبدع الكون، وخالق الوجود . والغار الذي كان يتردَّد عليه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم  يبعث على التأمُّل، والتفكُّر، تنظر إلى منتهى الطَّرْف فلا ترى إلا جبالاً كأنَّها ساجدةً متطامنةً لعظمة الله، وإلا سماءً صافيةَ الأديم، وقد يرى مَنْ يكون فيه مكَّة إذا كان حادَّ البصر .

كانت هذه الخلوة الَّتي حُببت إلى نفس النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم  لوناً من الإعداد الخاصِّ، وتصفية النَّفس من علائق المادِّيَّة البشريَّة، إلى جانب تعهُّده الخاص بالتَّربية الإلهيَّة، والتَّأديب الرَّبَّانيِّ في جميع أحواله، وكان تعبُّده صلى الله عليه وسلم  قبل النُّبوَّة بالتفكُّر في بديع ملكوت السَّموات، والنَّظر في آياته الكونيَّة الدَّالة على بديع صنعه، وعظيم قدرته، ومحكم تدبيره، وعظيم إبداعه .

وقد أخذ بعض أهل السُّلوك إلى الله من ذلك فكرة الخلوة مع الذِّكر والعبادة في مرحلة من مراحل السُّلوك؛ لتنوير قلبه، وإزالة ظلمته، وإخراجه من غفلته، شهوته، وهفوته، ومن سنن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم سنَّة الاعتكاف في رمضان ، وهي مهمَّةٌ لكلِّ مسلمٍ سواءً كان حاكماً، أو عالماً، أو قائداً، أو تاجراً؛ لتنقية الشَّوائب الَّتي تعلق بالنُّفوس والقلوب، ونصحِّح واقعنا على ضوء الكتاب والسُّنَّة، ونُحاسِب أنفسنا قبل أن نُحاسَب .

ويمكن لأهل فقه الدَّعوة أن يعطوا لأنفسهم فترةً من الوقت للمراجعة الشَّاملة، والتَّوبة، والتأمُّل في واقع الدَّعوة وما هي عليه من قوَّةٍ، أو ضعفٍ، واكتشاف عوامل الخلل، ومعرفة الواقع بتفاصيله، خيره وشرِّه. ولا مانع من العزلة في بعض الأحيان إذا فشا الفساد، وأصبحت الدُّنيا مؤثرةً، ومتابعة الهوى مطلباً، ولابدَّ أن تكون إيجابيةً وليست سلبية، وليتابع الطَّريق بعدها بما يحمله من الحقِّ .

وفي قول السَّيدة عائشة رضي الله عنها: «فيتحنَّث اللياليَ ذوات العدد»، يقول الشيخ محمَّد عبد الله دراز: «هذا كناية عن كون هذه الليالي لم تصل إلى نهاية القلَّة، ولا إلى نهاية الكثرة، وما زال هذا الهدي الذي كان عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم  قبل البعثة من التوسُّط، والاقتصاد في الأعمال، شعاراً للملَّة الإسلامية، ورمزاً للهدي النَّبويِّ الكريم، بعد أن أرسله الله رحمةً للعالمين» .

3. حتى جاءه الحقُّ وهو في غار حراء:

 جاء الملك، فقال: اقرأ، قال: «قلت: ما أنا بقارئ… فأخذني فغطَّني الثَّالثة، ثمَّ أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ *اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكَرَمُ *الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾ [العلق: 1 – 4]» .

لقد كانت هذه الآيات الكريمات المباركات أوَّل شيءٍ نزل من القرآن الكريم، وفيها التَّنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقةٍ، وإنَّ من كرم الله تعالى أن علَّم الإنسان ما لم يعلم، فشرَّفه وكرَّمه بالعلم، وهو القدر الذي امتاز به آدم عليه السلام على الملائكة. والعلم تارةً يكون في الأذهان، وتارةً يكون في اللِّسان، وتارةً يكون بالكتابة بالبنان ، وبهذه الآيات كانت بداية نبوَّة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، لقد كان هذا الحادث ضخماً، ولقد عبَّر عنه سيِّد قطب – رحمه الله – في ظلاله، فقال: «إنَّه حادثٌ ضخمٌ جداً، ضخمٌ إلى غير حدٍّ، ومهما حاولنا اليوم أن نحيط بضخامته؛ فإنَّ جوانب كثيرةً منه ستظلُّ خارج تصوُّرنا! إنَّه حادثٌ ضخمٌ بحقيقته، وضخمٌ بدلالته، وضخمٌ بآثاره في حياة البشريَّة جميعاً، وهذه اللَّحظة الَّتي تمَّ فيها هذا الحادث تعدُّ – بغير مبالغةٍ – أعظم لحظةٍ مرَّت بهذه الأرض في تاريخها الطَّويل.

ما حقيقة هذا الحادث الَّذي تمَّ في هذه اللَّحظة؟حقيقته: أنَّ الله – جلَّ جلاله، العظيم، الجبَّار، القهَّار، المتكبِّر، مالك الملك كلِّه – قد تكرَّم – في عليائه – فأراد أن يرحم هذه الخليقة المسمَّاة بالإنسان، القابعة في ركن من أركان الكون، لا يكاد يُرى، هذا الرُّكن الَّذي يُسمَّى الأرض. وكرَّم هذه الخليقة باختيار واحدٍ منها ليكون ملتقى نوره الإلهي، ومستودع حكمته، ومهبط كلماته، وممثّل قدره الَّذي يريده – سبحانه – لهذه الخليقة» .

كانت بداية الوحي الإلهي فيها إشادة بالقلم، وخطره، والعلم ومنزلته في بناء الشُّعوب، والأمم، وفيها إشارةٌ واضحةٌ بأنَّ من أخصِّ خصائص الإنسان العلمَ والمعرفة، وفي هذا الحادث العظيم تظهر مكانـة، ومنزلة العلم في الإسلام، فأوَّل كلمةٍ في النُّبـوَّة تصل إلى رسـول الله صلى الله عليه وسلم  هي الأمـر بالقراءة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق: 1]. وما زال الإسلام يحثُّ على العلم، ويأمر به، ويرفع درجة أهله، ويميِّزهم على غيرهم. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: 11] وقال سبحانه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخرةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ ﴾ [الزمر: 9] .

إنَّ مصدر العلم النافع من الله – عزَّ وجلَّ – فهو الَّذي علَّم بالقلم، وعلَّم الإنسان ما لم يعلم، ومتى حادت البشريَّة عن هذا المنهج، وانفصل علمها عن التقيُّد بمنهج الله تعالى؛ رجع علمها وبالاً عليها، وسبباً في إبادتها .

4. الشِّدَّة الَّتي تعرَّض لها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، ووصفُ ظاهرة الوحي:

لقد قام جبريل عليه السلام بضغط النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم  مراراً حتَّى أجهده، وأتعبه، وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم  يلقى من الوحي شدَّةً، وتعباً، وثقلاً، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ﴾ [المزمل: 5] كان في ذلك حكمةٌ عظيمةٌ؛ لعلَّ منها: بيان أهمية هذا الدِّين، وعظمته، وشدَّة الاهتمام به، وبيانٌ للأمَّة أنَّ دينها الَّذي تتنعم به ما جاءها إلا بعد شدَّةٍ، وكرب .

إنَّ ظاهرة الوحي معجزةٌ خارقةٌ للسُّنن، والقوانين الطَّبيعيَّة، حيث تلقَّى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم  كلام الله «القرآن» بواسطة الملك جبريل عليه السلام، وبالتَّالي فلا صلة لظاهرة الوحي بالإلهام، أو التأمُّل الباطنيِّ، أو الاستشعار الدَّاخلي، بل إنَّ الوحي يتمُّ من خارج ذات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وتنحصر وظيفته بحفظ الموحى، وتبليغه، وأمَّا بيانه، وتفسيره فيتمُّ بأسلوب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم  كما يظهر في أحاديثه، وأقواله صلى الله عليه وسلم .

إنَّ حقيقـة الوحي هي الأساس الَّذي تترتَّب عليـه جميع حقائـق الدِّين، بعقائده، وتشريعاتـه، وأخلاقـه؛ ولذلـك اهتمَّ المستشرقون – والملاحدة من قبلهم – بالطَّعن والـتَّشكيـك في حقيقـة الوحي، وحاولوا أن يُـؤوِّلوا ظاهرة الوحي، ويحرِّفوها عن حقيقتها، عمَّا جاءنا في صحاح السُّنَّة الشَّريفة، وحدَّثنا به المؤرِّخون الثِّقات، فقائل يقول: إنَّ محمَّداً صلى الله عليه وسلم تعلَّم القرآن، ومبادئ الإسلام من بحيرا الرَّاهب، وبعضهم قال: بأنَّ محمَّداً كان رجلاً عصبياً، أو مصاباً بداء الصَّرع.

والحقيقة تقول: إنَّ محمَّداً صلى الله عليه وسلم وهو في غار حراء فوجئ بجبريل أمامه يراه بعينه، وهو يقول له: اقرأ، حتَّى يتبيَّن: أنَّ ظاهرة الوحي ليست أمراً ذاتياً داخلياً مَرَدُّهُ إلى حديث النَّفس المجرَّد؛ وإنَّما هو استقبالٌ وتلقٍّ لحقيقةٍ خارجيَّةٍ لا علاقة لها بالنَّفس، وداخل الذات. وضمُّ الملك إيَّاه، ثمَّ إرساله ثلاث مرَّات قائلاً في كلِّ مرَّة: اقرأ، يعتبر تأكيداً لهذا التلقِّي الخارجيِّ، ومبالغةً في نفي ما قد يتصوَّر، من أنَّ الأمر لا يعدو كونه خيالاً داخلياً فقط.

ولقـد أصيب النَّبـيُّ صلى الله عليه وسلم  بالرُّعب، والخوف ممَّا سمع، ورأى، وأسرع إلى بيتـه يرجف فؤاده، وهذا يدلُّ على أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم  لم يكن متشوِّقاً للرِّسالة التي سيكلف بثقلها وتبليغها للنَّاس ، وقد قال الله تعالى تأكيداً لهـذا المعنى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقَيمٍ *صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ ﴾ [الشورى: 52 – 53] وقال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آياتنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقرآن غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ *قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ [يونس: 15 – 16] .

لقد تساقطت آراء المشكِّكين في حقيقة الوحي أمام الحديث الصَّحيح الَّذي حدَّثتنا به السَّيدة عائشة رضي الله عنها، وقد استمرَّ الوحي بعد ذلك يحمل الدَّلالة نفسها على حقيقة الوحي؛ وأنَّه ليس كما أراد المشكِّكون. وقد أجمل الدُّكتور البوطي هذه الدَّلالة فيما يلي:

1 – التمييز الواضح بين القرآن، والحديث؛ إذ كان يأمر بتسجيل الأوَّل فوراً، على حين يكتفي بأان يستودع الثَّاني ذاكرة أصحابه؛ لا لأنَّ الحديث كلام من عنده لا علاقة للنُّبوَّة به؛ بل لأنَّ القرآن موحى به إليه بألفاظه، وحروفه بواسطة جبريل عليه السلام، أما الحديث؛ فمعناه وحي من الله – عزَّ وجلَّ – ولكن لفظه، وتركيبه من عنده صلى الله عليه وسلم ، فكان يحاذر أن يختلط كلام الله – عزَّ وجلَّ – الَّذي يتلقَّاه من جبريل بكلامه هو صلى الله عليه وسلم  .

2 – كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم  يُسأل عن بعض الأمور، فلا يُجيب عنها، وربما مرَّ على سكوتـه زمنٌ طويلٌ، حتَّى تنزل آيـة من القرآن في شأن سؤالـه. وربما تصرَّف الرَّسول صلى الله عليه وسلم  في بعض الأمور على وجهٍ معين، فتتنزل آيات من القرآن تصرفه عن ذلك الوجه، وربما انطوت على عَتْبٍ، أو لومٍ له.

3 – كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  أمياً، وليس من الممكن أن يعلم إنسان بواسطة المكاشفة النَّفسيَّة حقائق تاريخيَّةً، كقصَّة يوسف عليه السلام، وأمِّ موسى حينما ألقت وليدها في اليمِّ، وقصَّة فرعون، ولقد كان هذا من جملة الحكم في كونه صلى الله عليه وسلم  أمياً. يقول تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾

[العنكبوت: 48].

4 – إنَّ صدق النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم  أربعين سنةً مع قومه، واشتهاره فيهم بذلك يستدعي أن يكون صلى الله عليه وسلم  من قبل ذلك صادقاً مع نفسه، ولذا فلابدَّ أن يكون قد قضى في دراسته لظاهرة الوحي على أيِّ شكٍّ يخايل لعينيه، أو فكره، وكأنَّ هذه الآية جاءت رداً لدراسته الأولى لشأن نفسه مع الوحي: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾ [يونس: 94] .ولهذا روي: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم  قال بعد نزول هذه الآية: «لا أشكُّ، ولا أسأل» [عبد الرزاق (10211) والسيوطي في الدر المنثور (4/389)] .

شاهد أيضاً

الحلقة الرابعة عشر (14): دار الأرقم مركز القيادة ومدرسة الدعوة النبوية

من سلسلة السيرة النبوية – عرض وقائع وتحليل أحداث د. علي محمّد الصلابيّ عرض مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.