أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / بطلان نظريَّة “الإمامة” ووريثتها “ولاية الفقيه” في ضوء “تطوُّر الفكر السياسي الشيعي” 2 من 7

بطلان نظريَّة “الإمامة” ووريثتها “ولاية الفقيه” في ضوء “تطوُّر الفكر السياسي الشيعي” 2 من 7

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

تطوُّر مفهوم الإمامة من الشُّورى إلى الوراثة

يتناول أحمد الكاتب في الفصل الثاني من كتابه كيفيَّة تحوُّل مفهوم الإمامة إلى التوارث بين الأجيال، بعد أن نصَّت أحاديث النبي (ﷺ)، والإمام عليٍّ (كرَّم الله وجهه)، وأثبت فِعل سبطي النبي وريحانتيه، الحسن والحسين، على الشورى والبيعة لمَن شهد النَّاس بإيمانه وتقواه وعدله، إلى الوراثة. يعتقد الكاتب أنَّ أوائل مؤرِّخي الشيعة، مثل النوبختي في كتاب فرق الشِّيعة (ص22)، والأشعري القمِّي في المقالات والفرق (ص19)، والكِشِّي في رجال الكِشِّي، قد نسبوا التحوُّل في مفهوم الإمامة إلى اليهودي عبد الله بن سبأ، الذي ادَّعى وصاية عليٍّ إلى النبي، مثلما كان يوشع-يُنطق يشوع، أي الخلاص بالعبريَّة-بن نون وصيًّا لنبي الله موسى، ومن ثمَّ صارت الكهانة في ذريَّة يوشع. يضيف الكاتب أنَّ بعد اعتزال عليّ زين العابدين بن الحسين السياسة وعدم مطالبته بالخلافة، وإصرار محمَّد بن الحنفيَّة، ابن الإمام عليٍّ من خولة بين جعفر ‘‘الحنفيَّة’’، ومن هُنا جاءت كُنيته ابن الحنفيَّة، على المطالبة بالخلافة والثأر للحسين، أشعل أتباع عبد الله بن سبأ الصراع السياسي بين أنصار آل النبي(ﷺ)، أو الحركة الكيسانيَّة، وأتباع بني أميَّة.

يشير الكاتب إلى التحوُّل الكبير في نظريَّة الإمامة على يد محمَّد بن الحنفيَّة، لمَّا أوصى بقيادة الشِّيعة لابنه أبي هاشم عبد الله؛ وهكذا “تطوَّر القول بالوصيَّة من وصيَّة النبي الأكرم العاديَّة والشخصيَّة إلى الإمام عليٍّ، إلى القول بالوصيَّة السياسيَّة منه إلى ابنه محمَّد بن الحنفيَّة، ومن بعده إلى ابنه أبي هاشم عبد الله، وهو ما أدَّى إلى اختلاف الفصائل الشيعيَّة فيما بينها، وادِّعاء كلِّ منها الوصيَّة إليه، وحصْر الشرعيَّة فيه” (ص35). فُتحت جبهة جديدة للصراع، بعد أن بدأت مساعي محمَّد الباقر، ابن عليّ زين العابدين-علىِّ السجَّاد-إلى انتزاع الإمامة من ابن عمِّه أبي هاشم، معتبرًا نفسه أولى بالثأر لدم الحسين قيادة شيعة عليٍّ بن أبي طالب. استند الباقر إلى بعض آيات القرآن الكريم في أحقيَّته بالإمامة، منها “وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا” (سورة الإسراء: آية 33)، متجاهلًا أنَّ مطلع الآية يقول “وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ”، وأنَّ ما يُقصد بـ “السلطان” هو اختيار العفو أو أخذ الديَّة، أو الرد من مبدأ “النفس بالنفس”. ودخل عبد الله بن الحسين بن الحسن في الصراع، مستنكرًا أن ينحصر الحق في المطالبة بالإمامة في ذريَّة الحسين بن عليٍّ، وقد رُوي عنه قوله “إنَّ للحسن على الحسين فضلًا بالكبَر، وكان الواجب أن تكون الإمامة إذًا في الأفضل”، كما جاء في إكمال الدِّين للصدوق (ص210).

يعتقد الكاتب أنَّ محمَّد الباقر قد استند في مطالبته بالإمامة إلى العلم وامتلاك سلاح النبي(ﷺ)، وليس إلى الوصيَّة أو النص الصريح الآمر بإمامة آل البيت، أو حتَّى الناصح بذلك، مشيرًا إلى أنَّ هذا يعني أنَّ نظريَّة الإمامة في القرن الثاني الهجري لم تكن قد تطوَّرت إلى ما صارت عليه لاحقًا. تشتت الكتلة التي دان بالولاء لمحمَّد الباقر بعد وفاته عام 114 هجريًّا، ولحق بعض أفرادها بالإمام زيد بن علي، الذي أعلن الثورة على الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك عام 122 هجريًّا، مستندًا إلى نظريَّة “أولي الأرحام”، واعتبار أنَّ أرحام النبي(ﷺ) أولى بالنُّصرة؛ فدعا إلى نصرته، ونُصرة آل النبي. وذهب فريق آخر من أتباع محمَّد الباقر إلى فرقة أعلنت إمامة محمَّد بن عبد الله بن الحسن (ذي النَّفس الزَّكيَّة)، الذي كان يتأهَّب للثورة على الحُكم الأموي؛ في حين ذهب فريق ثالث إلى الإمام جعفر بن محمَّد الصَّادق. تركَّز الصراع على الإمامة بذلك بين ثلاثة أفرع من المنتسبين إلى نبيِّنا مُحمَّد(ﷺ)، اعتُبر فريق جعفر الصَّادق منها الأولى بالإمامة والتأييد؛ لما عُرف عن الصَّادق من الخُلُق الرَّفيع، والعلم الغزير، والحزم في المواجهات. ويروي الكلِّيني في كتابه الكافي عن جعفر الصَّادق أنَّه قال “إنَّ عندي الجفر الأبيض…وعندي الجفر الأحمر، الذي فيه السلاح. وذلك إنَّما يفتح للدم يفتحه صاحب السيف للقتل، وإنَّ بني الحسن ليعرفون هذا كما يعرفون الليل أنَّه ليل والنَّهار أنَّه نهار…ولكنَّهم يحملهم الحسد وطلب الدنيا على الجحود والإنكار. ولو طلبوا الحقَّ بالحقِّ لكان خيرًا لهم” (جزء 1، ص240).

اجتهد جعفر الصَّادق في إثبات أحقيَّته بالإمامة لامتلاكه العلم الباطني والسِّلاح معًا، فقد روى الشيخ المفيد في كتابه الإرشاد عنه قوله “عندي لراية رسول الله المغلبة، وإن عندي ألواح موسى وعصاه وإن عندي لخاتم سليمان بن داود، وإن عندي الطست التي كان موسى يقرب فيها القربان، وإن عندي الاسم الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا وضعه بين المسلمين والمشركين لم تصل من المشركين إلى المسلمين نشابة، وإن عندي لمثل الذي جاءت به الملائكة، ومثل السلاح فينا كمثل التابوت في بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل في أي بيت وجد التابوت على أبوابهم أوتوا النبوة، ومن صار إليه السلاح منا أوتي الإمامة، ولقد لبس أبي درع رسول الله ‘‘صلى الله عليه وآله’’ فخطت عليه الأرض خطيطا، ولبستها أنا فكانت وكانت، وقائمنا من إذا لبسها ملأها إن شاء الله” (جزء 2، ص188). ويدحض الصَّادق في قول منسوب إليه، حيازة بني الحسن كتاب الجفر، أو سلاح رسول الله(ﷺ)، أو مُصحف فاطمة، فقد طلب الصَّادق من بعض الشِّيعة أن يسألوا أتباع بني الحسن بن عليٍّ أن يخرجوا لهم كتاب الجفر؛ لإثبات جهلهم، فقال، كما جاء في كتاب بصائر الدرجات للصفَّار أنَّه قال “وهذا الجفر عند مَن هو، ومَن هو صاحبه. فإن يكن عندكم فإنَّا نبايعكم وإن يكن عند غيركم فإنَّا نطلبه حتَّى نعلم” (ص158).

ويحدد جعفر الصَّادق أمرين يستند إليهما في المطالَبة بالإمامة: 1-حيازة الصحيفة التي أملاها النبي(ﷺ) على عليٍّ، كما جاء عن لسانه في كتاب الكافي للكلِّيني “أما والله عندنا ما لا نحتاج إلى النَّاس، والنَّاس يحتاجون إلينا. إنَّ عندنا الصحيفة: سبعون ذراعًا بخطِّ عليٍّ وإملاء رسول الله…فيها من كلِّ حلال وحرام” (ص241)؛ و2-العلم اللدني، الذي أوصى به النبي (ﷺ) إلى عليٍّ، كما جاء في كتاب بصائر الدرجات للصفَّار “إنَّه وراثة من رسول الله ومن عليٍّ ابن أبي طالب. علم يستغني عن النَّاس ولا يستغني النَّاس عنه” (ص142). ومع ذلك كلِّه، يرى الكاتب أنَّ عدم استناد جعفر الصَّادق في دعوته إلى نصِّ قرآني صريح حول الإمامة كان سببًا في التفاف الشيعة حول عمِّه زيد بن عليٍّ، الذي فجَّر ثورة ضدَّ الحُكم الأموي عام 122 هجريًّا، تبعتها ثورة أخرى على يد ابنه يحيى بن زيد عام 125، وثالثة عام 128 هجريًّا على يد أحد بني أبي طالب بن عبد المطَّلب، أو الطالبيين؛ غير أنَّ الثورات الثلاث فشلت، فلج يجد الشِّيعة من آل النبي (ﷺ) من يستحق الإمامة سوى محمَّد بن عبد الله بن الحسن، أو ذي النفس الزكيَّة، الذي كان يستعد لإعلان نفسه بوصفه المهدي المنتظَر، وبايعه على ذلك عامَّة الشِّيعة، ومن بينهم بنو العبَّاس.

لم يلتزم بنو العبَّاس ببيعتهم لذي النفس الزكيَّة، بعد انتصارهم عام 132 هجريًّا، حيث انسلخوا من فِكر المشايع لعليٍّ بن أبي طالب، واعتبروا أنَّ العبَّاس-عم النبي-أولى من عليٍّ ابن أخيه بالولاية، باعتباره أقرب نسبًا. وقد جاء في كتاب فرق الشِّيعة للنوبختي أنَّ أبا العبَّاس السفَّاح، أوَّل خليفة في الدولة العبَّاسيَّة يبايع في الكوفة عام 132 في 12 ربيع أوَّل، قد خطب في المسلمين قائلًا أنَّ بني العبَّاس هم حماة الإسلام، تاليًا قول الله في الآية 33 من سورة الأحزاب “إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا”، والآية 23 من سورة الشُّورى “قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى”، والآية 214 من سورة الشُّعراء “وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ”، والآية 7 من سورة الحشر “مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى”، والآية 41 من سورة الأنفال “وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى”. الأهم من ذلك، أنَّ السفَّاح نفسه قد تبرَّأ من جماعة عبد الله بن سبأ، فيما زعمته عن أحقيَّة آخرين، يقصد ذريَّة عليٍّ بن أبي طالب، بالإمامة من بني العبَّاس. وجاءت الحجَّة على أحقيَّة بني العبَّاس في الإمامة بالآية 75 من سورة الأنفال “وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ”. وكان الخليفة العبَّاسي المهدي محمَّد بن أبي جعفر المنصور أوَّل مَن صدَّق على أحقيَّة العبَّاس في إمامة المسلمين من بعد النبي (ﷺ)، معتبرًا الخلفاء الأربعة التالين له غاصبين، وفق ما جاء عن لسانه في كتاب مروج الذَّهب للمسعودي “كان العبَّاس عمَّه ووارثه، وأولى النَّاس به، وإنَّ أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وكل مَن دخل في الخلافة، وادَّعى الإمامة بعد الرَّسول غاصبون متوثِّبون بغير حقٍّ” (جزء 3، ص252).

استنادًا إلى الاعتقاد آنف الذِّكر، بأنَّ عليًّا كان وصيَّ النبي (ﷺ)، وأنَّه هو خير من يخلفه، وخير البشر بعده، اعترض ذو محمَّد بن عبد الله بن الحسن، ذو النَّفس الزكيَّة، على تولِّي السفَّاح، ومن بعده أبو جعفر المنصور، الخلافة، معتبرًا أنَّ في ذلك تعديًّا على حقِّ بني عليٍّ؛ فجاء في نصِّ رسالته المطوَّلة لأبي جعفر المنصور “فإنَّ الحقَّ حقَّنا، وإنَّما ادَّعيتم هذا الأمر بنا، وخرجتم له بشيعتنا، وحظيتم بفضلنا، وإنَّ أبانا عليًّا كان الوصيَّ وكان الإمام، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء؟”، كما ينقلها الكاتب (ص44). أمَّا ردُّ المنصور، الوارد في كتاب المقالات والفرق للأشعري، فقد تضمَّن “وأمَّا قولكم أنَّكم بنو رسول الله ﷺ، فإنَّ الله تعالى يقول في كتابه “مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ” (سورة الأحزاب: آية 40)، ولكنَّكم بنو ابنته، وإنَّها لقرابة قريبة، ولكنَّها لا تجوِّز الميراث، ولا ترث الولاية” (ص67). ثار ذو النفس الزكيَّة على بني العبَّاس في المدينة المنوَّرة، وانتهت الثورة بمقتله عام 145 هجريًّا، وينقل الأصفهاني في كتابه مقاتل الطالبيين أنَّ جعفر الصَّادق أيَّد في ذلك الصراع محمد بن عبد الله بن الحسن، وأرسل ابنيه موسى وعبد الله لنُصرته.

يلخِّص الكاتب تطوُّر نظريَّة الإمامة في القرنين الأوَّل والثاني للهجرة، مشيرًا إلى أنَّ شيعة عليٍّ بن أبي طالب، أمير المؤمنين، اجتمعت على أحقيَّة نسله في الإمامة، ولم يخرج بنو العبَّاس بن عبد المطَّلب، عم النبي(ﷺ) وعليٍّ عن هذا الرأي. اعتمد الالتفاف حول أحد أفراد نسل النبي الكريم وتأييده على مبدأ الشُّورى، ولم يعتمد الأمر لا على وراثة أو أفضليَّة. غير أنَّ الحال ما لبث أن تبدَّل بعد ظهور فِكرة أنَّ الأولويَّة لأصحاب العلم الباطني والقدرة القتاليَّة، كما جاء في نصِّ أقوال جعفر الصَّادق في مناظرته الفرق الأخرى من بني عمومته، من بني عليٍّ، أو الحسن. وظهر تيَّار ينادي بأحقيَّة الحسين ونسله في الولاية والإمامة، استنادًا إلى أولويَّة الأخذ بثأره على يد بنيه. في حين نفى تيَّار آخر هذه الأحقيَّة، حاصرًا الإمامة في بني الحسن والحسين معًا، وليس الحسين وحده. وظلَّ التوافق على مشايعة عليٍّ طوال العصر الأموي، واشترك في ذلك بنو العبَّاس، الذين سرعان ما تراجعوا عن تأييدهم بني عليٍّ بعد استيلائهم على الحُكم. وكان حُكم الدولة العبَّاسيَّة نموذجًا للحُكم العاضِ، القائم على التوريث، وشاعت فيه الخلافات والمؤامرات بين الإخوة على المُلك، وقوي فيه نفوذ الفُرس من أعداء المسلمين، وانتشر اللهو والفسق بين خلفاء تلك الدولة، التي شهدت الغزوين الصليبي والمغولي خلال الفترة ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر للميلاد. توالت النكبات على دولة بني العبَّاس، حتَّى صارت رمزًا جامعًا للمسلمين بلا أيِّ وظيفة حقيقيَّة، إلى أن سقطت بالكامل عام 1517 ميلاديًّا، على يد الدولة العثمانيَّة الفتيَّة حينها.

 باختصار، قامت نظريَّة الوصيَّة أواخر القرن الأوَّل الهجري على أساس الزعم بوصيَّة النبي (ﷺ) إلى عليٍّ بالولاية من بعده، ثمَّ انتقالها من عليٍّ إلى ابنيه من فاطمة الزهراء، الحسن والحسين، ثمَّ إلى ابنه من خولة بنت الحنفيَّة، محمَّد، ثمَّ إلى أبي هاشم عبد الله بن محمَّد بن عليٍّ بن أبي طالب، لينشأ صراع قاصم بين أفرع ذريَّة النبي الكريم، نشأت عنها فرق العبَّاسيَّة والعلويَّة والطالبيَّة والفاطميَّة والحسنيَّة والحسينيَّة والزيديَّة والجعفريَّة، وغيرها. تبدَّل الأمر بداية القرن الثاني الهجري، لمَّا حُصرت الإمامة في بني الحسين بن عليٍّ، وتحديدًا في الأكبر من بنيه، مع إثبات عصمته والزعم بأنَّه مُعيَّن من قِبل الله. ويقول الكاتب أنَّ التوريث في الإمامة نشأ في المذهب الشِّيعي، ربَّما كردِّ فعل على توريث الحُكم في البيت الأموي، حينما ادَّعي معاوية بن أبي سفيان أنَّه عيَّن ابنه يزيد، حرصًا على مصلحة الأمَّة واستقامة الأحوال من بعده، كما ادَّعى لنفسه ولذريَّته العصمة، وطالب بسلطات مُطلقة، نافيًا مبدأ الشُّورى، الذي تأسس عليه الحُكم الإسلامي، ومستندًا إلى عقيدة “الجبر والمشيئة الإلهيَّة” (ص47).

ويستشهد الكاتب على إيمان معاوية بن أبي سفيان بالقدريَّة بقوله لمَّا دخل الكوفة وانتزع الخلافة من الحسن بن عليٍّ، مخاطبًا أنصاره “إنَّما قاتلتكم لأتأمَّر عليكم، فقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون”، كما ورد في كتاب البداية والنهاية لابن كثير (جزء8، ص131)؛ ويُنسب إلى معاوية قوله كذلك “الأرض لله، وأنا خليفة الله، فما أخذت فلي، وما تركته للناس فبالفضل منِّي…إنَّه لمُلك آتانا الله إيَّاه”، كما جاء في كتاب أنساب الأشراف للبلاذري (جزء 4، ص117). وقد قال الحجَّاج بن يوسف الثقفي، سفَّاح بني أميَّة، لأهل العراق “إنَّ أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان استخلفه الله في بلاده، وارتضاه إمامًا على عباده”، كما جاء في أنساب الأشراف (جزء 5، ص354). ومن هذا المنطلق، أُمر المسلمون بطاعة وليِّ أمرهم طاعة عمياء، استنادًا إلى قول الله “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ” (سورة النساء: آية 59).

تقوم فلسفة عصمة الإمام على مبدأ وجوب الطاعة المُطلقة للإمام، إلا عند الوقوع في المعصية، وحينها ينبغي الشدُّ على يديه وهدايته إلى الطريق القويم. من هنا، يتوجَّب أن يكون الإمام معصومًا من الله؛ كي لا يقع في خطأ يشجِّع الناس على تقليده فيه. وإلى جانب العصمة، يشترط فقهاء الشِّيعة أن يكون الإمام عالمًا ربَّانيًّا، ولا يتَّكل على الاجتهاد بعد أن يصبح إمامًا. وإلى جانب العصمة والعلم الربَّاني، يُشترط أن يكون الإمام أفضل المسلمين؛ فلا تجوز إمامة المفضول، كما يقول الكاتب (ص62)، ويُستند إلى ذلك في قول الطوسي في تفصيل الشَّافي “إنَّ الإمام لا بدَّ أن يكون أفضل من كلِّ واحد من رعيَّته…بمعنى أن يكون أكثر ثوابًا عند الله تعالى، وأن يكون أفضل منهم في الظَّاهر في جميع ما هو إمام فيه” (ج1، ص199 و211). ويضيف الكاتب أنَّ الفكر الإمامي يُسقط الشُّورى في اختيار الإمام، ويضع عوضًا عن ذلك النص أو الوصيَّة أو “المعاجز الغيبيَّة” التي تميِّز الإمام عن غيره (ص63). يستغلُّ الكاتب تلك النقطة في الانتقال إلى أركان نظريَّة الإمامة، التي تتأسس على إبطال الشورى، واختيار وليٍّ من بني عليٍّ بن أبي طالب، وتحديدًا من بني الحسين، “الذين نصَّبهم الله تعالى قادةً لخَلْقه إلى يوم القيامة”، كما يقول الكاتب، تعبيرًا عن المُعتقد الشيعي (ص63). ويستدلُ الفكر الإمامي على عصمة آل بيت النبيِّ (ﷺ)، من الآية 33 في سورة الأحزاب “إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا”، برغم أنَّ جمهور المفسِّرين اجتمعوا على أنَّ المقصود بذلك نساء النبيِّ؛ لأنَّ الآيات 28-34 في السورة تخاطب نساء النبيِّ؛ يكفي أنَّ الآية 33 تبدأ بقوله تعالى “وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ”. من المُلفت أنَّ الصحابي الجليل عبد الله بن عبَّاس بن عبد المطَّلب، ابن عمِّ النبي ومن آل هاشم، قد روى أنَّ المقصود بـ “آل البيت” نساء النبي، خاصَّة وأنَّ نفس العبارة وردت في زوج نبي الله إبراهيم في الآية 73 من سورة هود “قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ”؛ أمَّا عن استخدام ضمير المخاطَب في صيغة الجمع المذكَّر، فهو تعبير عن التوقير ومراعاة الحُرمة لنساء النبيين الكريم، وقد استخدم الله تعالى جمع المذكَّر في إشارته إلى السيدة مريم عندما تحدَّث عنها في الآية 12 من سورة التحريم “وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ“.

وفي ظلِّ غياب نصٍّ واضح لا خلاف عليه يوجب الإمامة لآل بيت النبي، الذين هم ذريَّته من ابنته فاطمة وبني عمومته، فقد اعتمد المتكلِّمون، كما يرى الكاتب، على العقل في بناء نظريَّتهم، وفي هذا يقول المفيد في كتاب الرَّسائل العشر “ليس يضير الإماميَّة في مذهبها الذي وصفناه عدم التواتر في أخبار النصوص على أئمتهم، ولا يمنع من الحُجَّة لهم بها كونها أخبار آحاد، لما اقترن إليها من الدلائل العقليَّة فيما سميَّناه وشرحناه من وجوب الإمامة وصفات الأئمَّة”. ويقول أبو الفتح محمَّد بن علي الجراجكي في كتاب الاستنصار في النصِّ على الأئمة الأطهار “لعلماء الشيعة من وجوه الأدلَّة العقليَّة والسمعيَّة على صحَّة إمامة أهل البيت ما يُثبت الحجَّة على مخالفيهم…فالعقليَّات دالَّة على الأصل من وجوب الحاجة إلى الإمام في كلِّ عصر وكونه على صفات معلومة، ليتميَّز بها عن جميع الأمَّة…والسمعيَّات منها القرآن الدالُّ في الجملة على إمامتهم وفضلهم في الأنام” (ص3).

ينتقل الكاتب إلى مسألة في غاية الحساسيَّة، وهي حصر الإمامة في ذريَّة الحسين بن علي، دون شقيقه الحَسَن، بعد حصر الإمامة عمومًا في أل النبي(ﷺ)، وخصوصًا في ذريِّة عليٍّ بن أبي طالب. يأتي هذا السلوك برغم مجاهدة الحَسَن في سبيل الحفاظ على إمامة المسلمين في مواجهة معاوية بن أبي سفيان، وإن كان قد تراجَع في سبيل حقن دماء المسلمين. والأكثر إثارة للدهشة أنَّ بعض الشِّيعة يغالي في حبِّه للحسن بن عليٍّ، ويعتبر أنَّه الأولى بالولاية؛ كونه الأكبر عُمرًا، ويُعتقد أنَّ المهديَّ المبشَّر به في السُّنَّة النبويَّة المُطهَّرة من ذريَّته، خاصَّة وأنَّ هناك حديثًا يُنسب إلى الإمام عليٍّ أخرجه صاحب المشكاة عن أبي إسحاق قال: «قال عليٌّ، ونظر إلى ابنه الحسن ـ قال: إنَّ ابني هذا سيّد كما سمّاه رسول اللَّه ﷺ، وسيخرج من صلب رجل يسمَّى باسم نبيّكم، يشبهه في الخُلق ولا يشبهه في الخَلق. ثمَّ ذكر قصَّة: يملأ الأرض عدلًا”، وقد رواه أبو داود. ويقول الخزَّاز القُمِّي في كفاية الأثر، أنَّ قسمًا من الشِّيعة الأوائل رفض حصر الإمامة في بني الحسين. ويروى عن جعفر الصَّادق ردٌّ غير مقنع احتجَّ به على حصر الإمامة في بني الحسين، الذين كان هو منهم، كونه ابن محمَّد الباقر، حيث قال، كما يروي الصدُّوق في إكمال الدِّين، “إنَّ الله تبارك وتعالى أحبَّ أن يجعل سُنَّة موسى وهارون جارية في الحسن والحسين، ألا ترى أنَّهما شريكان في النبوَّة كما كان الحسن والحسين شريكين في الإمامة” (ص416). وجاء في كتاب التفسير للعياشي، أنَّ محمَّد الباقر قال “إنَّ الحسين أغمد أربعين ألف سيف حين أصيب أمير المؤمنين، وأسلمها إلى معاوية…وإنَّ الحسين خرج فعرض نفس على الله في سبعين رجلًا…مَن أحقُّ بدمه منَّا؟” (جزء 2، ص291). ويعلِّق الكاتب على هذه الحُجج، وغيرها، عن أحقيَّة بني الحسين في الإمامة بقوله “يبدو أنَّ هذه التبريرات لم تكن مقنعة ولا قويَّة، ولذلك فقد ظلَّ الشيعة يتساءلون عن سرِّ حصر الإمامة في ذريَّة الحسين، مع قيام أبناء الحسن بقيادة الشِّيعة عمليًّا وتفجيرهم للثورات المختلفة هنا وهناك” (ص71).

شاهد أيضاً

حسُّ أبي بكر الصِّدِّيق الاستراتيجي في خططه لفتح العراق

د. علي محمّد الصلابيّ ما إِن انتهت حروب الردَّة، واستقرَّت الأمور في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.