أخبار عاجلة
الرئيسية / دين ودنيا / الحلقة السابعة (7) : اشتراك النبي صلى الله عليه وسلم في بناء الكعبة الشَّريفة

الحلقة السابعة (7) : اشتراك النبي صلى الله عليه وسلم في بناء الكعبة الشَّريفة

من سلسلة السيرة النبوية – عرض وقائع وتحليل أحداث

د. علي محمّد الصلابيّ

عرض مقالات الكاتب

قال الله تعالى في كتابه العزيز: { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم } (البقرة:127).

بًنيت الكعبة المشرفة في الدهر خمس مرات؛ الأولى: حين بناها شيث بن آدم عليهما السلام، والثانية: حين بناها إبراهيم على القواعد الأولى. والثالثة: حين بنتها قريش قبل الإسلام بخمسة أعوام. والرابعة: حين احترقت في عهد ابن الزبير بشررة طارت من أبي قبيس فوقعت في أستارها فاحترقت، وقيل: إن امرأة أرادت أن تجمرها فطارت شرارة من المجمرة فاحترقت، فشاور ابن الزبير في هدمها من حضر فهابوا هدمها وقالوا: نرى أن تصلح ما وَهَى ولا تهدم، فقال: لو أن بيت أحدكم احترق لم يرض له إلا بأكمل إصلاح، ولا يكمل إصلاحها إلا بهدمها، فهدمها حتى انتهى إلى قواعد إبراهيم، وأمرهم أن يزيدوا في الحفر، فحركوا حجراً منها فرأوا تحته نارًا وهولًا أفزعهم، فأمرهم أن يقُرُوّا القواعد، وأن يبنوا من حيث انتهى الحفر.

وفي الخبر أنه سترها حين وصل إلى القواعد، فطاف الناس بتلك الأستار فلم تخل من طائف، حتى لقد ذكر أن يوم قتل ابن الزبير اشتدت الحرب واشتغل الناس، فلم ير طائف يطوف بالكعبة إلا جمل يطوف بها.

فلما استتم بنيانها ألصق بابها بالأرض، وعمل لها خلَفا أي بابا آخر من ورائها، وأدخل الحجر فيها، وذلك لحديث حدثته به خالته عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألم تري قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم حين عجزت بهم النفقة ». ثم قال عليه السلام: «لولا حِدْثان قومك بالجاهلية لهدمتها وجعلت لها خلَفا، وألصقت بابها بالأرض، ولأدخلت الحجر فيها » أو كما قال عليه السلام.

النبي محمد صلى الله عليه وسلم  يشارك في بناء الكعبة ووضع الحجر الأسود:

حين بلغ محمَّد – صلى الله عليه وسلم – خمساً وثلاثين سنةً، اجتمعت قريش لتجديد بناء الكعبة؛ لما أصابها من حريق، وسيلٍ جارفٍ؛ صدَّع جدرانها، وكانت لا تزال كما بناها إبراهيم عليه السلام رَضماً فوق القامة، فأرادوا هدمها؛ ليرفعوها، ويسقفوها، ولكنَّهم هابوا هدمها، وخافوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول، ثمَّ قام عليها، وهو يقول: اللَّهمَّ لم نزغ! ولا نريد إلا الخير.

وهدم من ناحية الرُّكنين؛ فتربَّص النَّاس تلك الليلة، وقالوا: ننظر، فإن أصيب؛ لم نهدم منها شيئاً، ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شيءٌ؛ فقد رضي الله ما صنعنا، فأصبح الوليد غادياً يهدم، وهدم الناس معه حتى انتهوا إلى حجارةٍ خُضْر كالأَسْنمة اخذٌ بعضها ببعضٍ.

وكانوا قد جزَّؤوا العمل وخصُّوا كلَّ قبيلةٍ بناحيةٍ، واشترك سادة قريش، وشيوخها في نقل الحجارة، ورفعها، وقد شارك النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وعمُّه العباس في بناء الكعبة، وكانا ينقلان الحجارة، فقال العباس للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم  : اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة، فخرَّ إلى الأرض، وطمحت عيناه إلى السَّماء، ثمَّ آفاق، فقال: «إزاري! إزاري!»، فشدَّ عليه إزاره [البخاري (1582) ومسلم (340)] .

فلـمَّا بلغوا موضع الحجر الأسود اختصموا فيه، كلُّ قبيلةٍ تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، وكادوا يقتتلون فيما بينهم، لولا أنَّ أبا أمية بن المغيرة قال: يا معشر قريش! اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أوَّل مَنْ يدخل من باب المسجد. فلـمَّا توافقوا على ذلك؛ دخل محمَّد صلى الله عليه وسلم، فلـمَّا رأوه قالوا: هذا الأمين، قد رضينا. فلـمَّا أخبروه الخبر، قال: «هلمُّوا ثوباً»، فأتوه به، فوضع الرُّكن فيه بيديه، ثمَّ قال: «لتأخذْ كلُّ قبيلةٍ بناحيةٍ من الثَّوب، ثمَّ ارفعوا جميعاً» فرفعوه، حتَّى إذا بلغوا موضعه، وضعه بيده، ثمَّ بنى عليه. [الحاكم (1/458 – 459) وعبد الرزاق (5/100 – 101) والبيهقي في الدلائل (2/56 – 57)] .

وأصبح ارتفاع الكعبة ثماني عشرة ذراعاً، ورفع بابها عن الأرض بحيث يصعد إليه بدرج؛ لئلا يدخلَ إليها كلُّ أحد، فيُدخلوا من شاؤوا؛ وليمنعوا الماء من التسرُّب إلى جوفها، وأُسند سقفها إلى ستَّة أعمدةٍ من الخشب، إلا أنَّ قريشاً قصَّرت بها النَّفقة الطَّيبة عن إتمام البناء على قواعد إسماعيل، فأخرجوا منها الحِجْر، وبنوا عليه جداراً قصيراً دلالةً على أنَّه منها، لأنَّهم شرطوا على أنفسهم ألاَّ يدخل في بنائها إلا نفقةٌ طيِّبةٌ، ولا يدخلها مهر بَغِيٍّ، ولا بيع رباً، ولا مظلمةُ أحدٍ من النَّاس .

دروسٌ، وعبرٌ، وفوائد:

  1. أهمِّيَّة الكعبة، وقداستها عند قريش، ويكفي أن باشر تأسيسها، ورفع قواعدها إبراهيم، وابنه إسماعيل – عليهما الصَّلاة والسَّلام – بأمرٍ من الله تعالى؛ لتكون أوَّل بيتٍ لعبادة الله وحدَه.
  2. بُنِيت الكعبة خلال الدَّهر كلِّه أربع مرَّات على يقينٍ؛ فأمَّا المرَّة الأولى منها، فهي الَّتي قام بأمر البناء فيها إبراهيم – عليه الصَّلاة والسلام – يعينه ابنه إسماعيل – عليه الصَّلاة والسَّلام -، والثانية: فهي تلك التي بنتها قريش قبل البعثة، واشترك في بنائها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، والثالثة: عندما احترق البيت في زمن يزيد بن معاوية، بفعل الحصار الَّذي ضربه الحُصين السُّكوني على ابن الزُّبير حتَّى يستسلم، فأعاد ابن الزُّبير بناءها، وأمَّا المرَّة الرَّابعة ففي زمن عبد الملك بن مروان بعدما قُتِل ابن الزُّبير، حيث أعاده على ما كان عليه زمن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم  ؛ لأنَّ ابن الزُّبير باشر في رفع بناء البيت، وزاد فيه الأذرع الستَّة التي أخرجت منه، وزاد في طوله إلى السَّماء عشرة أذرع، وجعل له بابين: أحدهما يُدخل منه، والآخر يُخرج منه، وإنَّما جرَّأه على إدخال هذه الزِّيـادة حديث عائشـة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  : «يا عائشـة! لولا أنَّ قومك حديثو عهدٍ بجاهليَّةٍ؛ لأمرت بالبيت، فهُدم؛ فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له باباً شرقياً وباباً غربياً، فبلغتُ به أساس إبراهيم» [البخاري (1586) ومسلم (1333/401)].
  3. طريقة فضِّ التنازع كانت موفَّقةً، وعادلةً، ورضي بها الجميع، وحقنت دماءً كثيرةً، وأوقفت حروباً طاحنةً، وكان مِنْ عدل حكمه صلى الله عليه وسلم  أن رضيت به جميع القبائل، ولم تنفرد بشرف وضع الحجر قبيلةٌ دون الأخرى، وهذا مِنْ توفيق الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، وتسديـده قبل بعثتـه. إنَّ دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم  من بـاب الصَّفـا كان قَدَراً من الله لحلِّ هـذه الأزمة المستعصية، الَّتي حُلَّت نفسياً قبل أن تُحلَّ على الواقع، فقد أذعن الجميع لما يرتضيه محمَّد صلى الله عليه وسلم، فهو الأمين الَّذي لا يَظْلِمُ، وهو الأمين الَّذي لا يحابي، ولا يفسد، وهو الأمين على البيت، والأرواح، والدِّماء .
  4. إنَّ حادثة تجديد بناء الكعبة قد كشفت عن مكانة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم  الأدبيَّة في الوسط القرشيِّ، وحصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم  في هـذه الحادثـة شرفان: شرف فصـل الخصومة، ووقف القتال المتوقَّع بين قبائل قريش، وشرف تنافس القوم عليه وادَّخره الله لنبيِّه صلى الله عليه وسلم، ألا وهو وضعُ الحجر الأسود بيديه الشَّريفتين، وأخذه من البساط بعد رفعه، ووضعُه في مكانه من البيت .
  5. إنَّ المسلم يجد في حادثة تجديد بناء الكعبة كمال الحفظ الإلهيِّ، وكمال التَّوفيق الرَّبَّانيِّ في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يلاحظ كيف أنَّ الله أكرم رسوله صلى الله عليه وسلم  بهذه القدرة الهائلة على حلِّ المشكلات بأقرب طريقٍ، وأسهله، وذلك ما تراه في حياته كلِّها صلى الله عليه وسلم، وذلك معلَمٌ من معالم رسالته، فرسالتُه إيصالٌ للحقائق بأقرب طريقٍ، وحلٌّ للمشكلات بأسهل أسلوبٍ، وأكمله .
  6. من حفظ الله لنبيِّه صلى الله عليه وسلم  في شبيبته، عن أقذار الجاهليَّة، وأدرانها، ومعائبها، ما وقع له عندما كان ينقل الحجر، أثناء بناء الكعبة، ورفع إزاره على رقبته، فخرَّ إلى الأرض، وطَمَحَتْ عينُه إلى السَّماء، ثمَّ آفاق يقول: إزاري! إزاري! فشد عليه إزاره، فما رُئِيَ بعد ذلك عُرْياناً صلى الله عليه وسلم  [البخاري (1582) ومسلم (340)] .

شاهد أيضاً

الحلقة الرابعة عشر (14): دار الأرقم مركز القيادة ومدرسة الدعوة النبوية

من سلسلة السيرة النبوية – عرض وقائع وتحليل أحداث د. علي محمّد الصلابيّ عرض مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.