أخبار عاجلة

الدب الأمريكي الأعمى

الدكتور عزت السيد أحمد

كاتب ومفكر سوري
عرض مقالات الكاتب

ليس ترامب وحد ينطبق عليه هذا الوصف أعني الدب الأمريكي الأعمى بل أمريكا ذاتها دب أعمى اليوم. وصفتها قبل نحو ثلاثين سنة في كتابي كيف ستواجه أمريكا العالم بالفارس العجوز الذي يعيش على أمجاده السابقة وما زال  العالم يهابه لسمتعه وتاريخه لا لحقيقة ما هو عليه التي لا يدركه الكثيرون…

ترامب هو بيضة القبان التي كشفت هذا العوار الأمريكي وترامب ذاته صورة حقيقية للتخبط الأمريكي الأعمى مثل الدب الأعمى الذي يخبط بكل الجهات فيحطم ويتحطم ولا يدرك حقيقة ما يفعل.

أفعلاف لا تدرك أمريكا ما تفعل؟

نعم، وبكل تأكيد. هي تظن أنها تعمل بدهاء وتفعل ما تفعل بحكمة وحنكة ولكنها في الحقيقة لاتفترق عن الدب الأعمى الذي يؤلم ويتألم ولا يميز بين ما يؤمه ويتألم منه.

مثل هذه التناقضات والتخبطات لا بد أن تجد في الأمريكان أنفسهم من يسخر منها ويتهكم بها، فإن كانوا أكثرهم يضع ملحا على جرح ويصمت فإن

السياسي والمحامي الأمريكي كريس مورفي، أمس الثلاثاء 15 تسرين الأول 2019م، لم يستطع إلا أن يسخر من ترامب قائلاً: لقد أغرى تركيا لدخول سوريا ومهد لها الطرق وسحب الجيش أمامها وصفق لها وعندما دخلت تركيا بدأ يفرض عليها العقوبات… تناقضات وسخاقة وتفاهة فوق الحدود.

أي موضوعي أدنى حدود الموضوعية من الأمريكان أنفسهم لا بد أن ينطق بمثل هذا المنطق؟ ولكنهم أكثرهم كما أشرت يضعون الملح على الجرح ويبلعونها بصمت.

لا أريد الإفاضة في الحديث لأني سأقتطع مشهد التدخل التركي وتخبطات ترامب في كل تصريحاته وسلوكاته في هذا الشأن، ولكن لا بد من التعريج قبل ذلك على الدب الأمريكي بوصفه مجمل الدبلوماسية الأمريكية اليوم. وأقف فقط عند ثبوت إدانة ترامب قطعيًّا بالخيانة العظمى والسكوت على ذلك تلافياً للفضيحة وبقاء ترامب حاكماً والعجز عن إيجاد مخرج لتنحيته، فاخترعوا تهمة التخابر مع الرئيس الأوكراني باباً لتنحيته على الرغم من أن ما فعله مع الرئيس الأوكراني أنه يأمره كعسكري عنده وهذا فخر اهم لا خزي يستحق عليه العقاب.

وأما السياسة الأمريكية بالمجمل فتتجسد في قرارات الرئيس غالباً، ولا أستطرد في الدببية الترامبية منذ ما قبل وصوله إلى السلطة بدعم وتمويل من الإمارات والسعودية إلى جانب ما له من عنده. وإنما فقط أبدأ مع الأيام الأخيرة التي أشرت إليها قليلاً في مقال سابق، ولكنها تعاظمت على نحو استحقت معه أن أفرد لها مقالاً.

مما تجب الإضارة إليه للضرورة هو أن تركيا شريك لأمريكا في الناتو وهي عضو مؤسس إلى جانب أمريكا للناتو، وهي ثاني أكبر قوة في الناتو… وفوق ذلك تركيا هي المشارك الوحيد لأمريكا في صناعة وتطوير الطائرة الشبح ف 35… فهل توجد أوثق من هذه العلاقة؟

وفي المقابل فإن إيران عدو أمريكا باللسان الأمريكي وباللسان الإيراني.

ومع ذلك أمريكا سمحت وما زالت تسمح لإيران بالتغلغل العسكري والاقتصادي والاحتلال الرسمي لسوريا منذ ثمان سنوات مع ما بين سوريا وإيران من مسافات، ومع اقتراب إيران من إسرائيل وإيران تهدد كل يوم بمحو إسرائيل من الوجود.

والصورة أكبر من ذلك، ولكن ذلك يكفي، مع ذلك فإن أمريكا منذ سبع سنوات وهي تدعم الأحزاب الانفاصلية الكردية شمال سوريا بل أعلنت أن ستمول وتدعم نشر هذه الميليشيات عل طول الحدود السورية الشمالية لإقامة كيان انفصالي. يعني أن أمريكا تعتدي على صديقها وشريكها وسندها وتحمي عدوها الذي يريد أن يمحوها هي وإسرائيل وتصرخ صباح مساء وقبل الطعام وبعد الطعام: الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل.

تركيا منذ ثلاث بل أربع سنوات على الأقل وهي تحذر أمريكا من مغبة هذا السلوك وتدعوها لتصليح ما اقترفته بحقها، ولك تفعل إلا مزيداً من العتو ودعم أعداء تركيا والذين هم أيضاً أعداء سوريا. حتى فاض بها الكيل ولم تجد بدًّا من التدخل لحماية أمنها. فماذا كان؟

توافق أردوغان وترامب على العملية العسكرية التركية في سوريا لإقصاء الميليشيات الكردية الانفصالية عن الشمال السوري، وعلى الفور أعلن ترامب عن سحب الجيش الأمريكي من الشمال السوري وتحديدا من الأماكن التي سيدخلها الجيش التركي. ورحب ترامب بالعملية وربما أشاد بها… ولكنها في اليوم ذاته أضاف تصريحاً مناقضاً لكل ترحياته وهو أنه  سيدمر الاقتصاد التركي كما فعل من قبل إذا تجاوزت حدودها. أمر أعجب من العجب. ما هي هذه الحدود؟ لا أحد يعرف المقصود.

الأعجب من ذلك تماماً أن جحافل السياسيين الأمريكيين من مخلف الجهات والانتماءات التي تصفق دائماً لسحب الجيش الأمريكي من أي مكان من ومن الخارجية والكونجرس والشيوح وغيرهم… كلهم يرحبون بعد تورط الولايات المتحدة بحروب خارجية ويسرون بسحب الجيش الأمريكي من أي منظقة نزاع… ولكنهم كلهم شنوا هجوماً على ترامب لأنه سحب الجيش الأمريكي من شمال سوريا. هم كلهم يريدون تركيا ولا يريدون انتقاد سحب الجيش الأمريكي، ولكن العهر متأصل. هؤلاء أنفسهم لم يوجد بينهم واحد ينتقد التدخل الإيراني في سوريا وإيران العدو الأكبر لأمريكا وإسرائيل.

مثل كلاب الليل الجائعة استمر نباح كل السياسيين الأمريكيين من مختلف الانتماءات ضد ترامب لأنه سحب الجيش الأمريكي من شمال سوريا وترك الميليشيات الكردية من دون حماية، والميليشيات الكردية فيما لا يجهله أحد جزء من الحزب الذي تعتبره أمريكا ذاتها منظمة إرهابية. وأكرر هم لا يفعلون ذلك خباًّا بالأكراد ولا دفاعاً عنهم وإنما استياء من دخول تركيا إلى سوريا لمنع تقسيم سوريا. ترك أمريكا لحلفائها عادة لا يجهلها متابع ولا أخصي تابع البحث بنفسك. إذا ليس حرجاً من سمعة أمريكا كما يوحون.

وفي اليوم الأول كتب ترامب في تغريدات متوالية:

ـ «الولايات المتحدة كان من المفترض أن توجد في سوريا لثلاثين يوما فقط، وقد كان ذلك منذ أعوام عديدة. لكننا بقينا وانخرطنا أكثر وأكثر في حرب بلا هدف في الأفق».

وعن الأكراد قال ترامب: «لقد حارب الأكراد معنا، لكنهم حصلوا مقابل ذلك على كميات هائلة من الأموال والمعدات».

وأضاف ترامب أيضاً: «بعد نحو ثلاث سنوات، لقد حان الوقت لكي نخرج من تلك الحروب التي بلا نهاية، وأن نعيد جنودنا إلى الوطن».

وتابع أيضاً: «سنحارب أينما كان لنا في الحرب منفعة. وسنحارب لننتصر لا غير. تركيا وأوروبا وسوريا وإيران والعراق وروسيا والأكراد يتعين عليهم الآن أن يجدوا حلولا للموقف».

أما البيت الأبيض فقال في بيان أصدره يوم الأحد 8 تشرين الأول أي قبل يوم من العملية: «تركيا ستمضي قدما قريبا في عمليتها، المخطط لها منذ فترة طويلة شمالي سوريا». وأضاف هذا البيان: «لن تدعم القوات الأمريكية العملية أو تشارك فيها، ولن تكون قوات الولايات المتحدة، بعد أن هزمت خلافة تنظيم الدولة، في المنطقة التي تجري فيها العملية».

كل ذلك يوحي بمدى الرضى الأمريكي على العملية وتمهيدها لها. ماعدا الإضافة الترامبية السابقة بأنه سيدمر الاقتصاد التركي إذا تجاوزت تركيا حدودها.

في اليوم سارت التصريحات في هذا السياق…

في اليوم الثاني أعلن وزير الخزانة بأن ترامب أعطاهم تفويضاً بفرض العقوبات على تركيا…

وفي اليوم الثالث سارت التصريحات ذاتها وترافق معها بدء فرض حزمة من العقوبات على تركيا…

في التالي استمر التصريحات ذاتها وأضيف إليها رغبة ترامب وبعض المسؤوليين الأمريكا بزيادة العقوبات… وبدأ التهديد لتركيا والتلويح بالتدخل بناء على طلب الأكراد والأهالي وهلم سحطاً وشحطاً ومخطاً…

ووصل الأمر أمس إلى بدء بوادر تدخل أو ما يشبه تهديداً بالتدخل فقد قال مسؤول أميركي: إن طائرات عسكرية تابعة لبلاده حلقت في استعراض للقوة في سوريا لتفريق قوات مدعومة من تركيا قرب جنود أميركيين.

الحقيقة أني اكتفيت بمشاهد سريعة وخاطفة، تلميحات صغيرة فقط لمدى التناقض والتخبط الذي تعيشه أمريكا في الآونة الأخيرة، وهذا ما لم تعشه أمريكا من قبل أبداً ولا في أي مرحلة.

هليعقل أن أمريكا لا تعرف ماذا تفعل؟

لا، إطلاقاً إنها تعرف ماذا تفعل، ولكنها لا تستطيع أن تفعل غير هذه التناقضات التي تضعها في موضع السخرية. هي عاجزة عن منع تركيا ولا تستطيع إلا مواجهة تركيا، تركيا هي العدو الحقيقي وليست إيران. ثلاثة أرباع القرن وتركيا وأمريكا وأوروبا شركاء في حلف واحد وعبر ثلاثة أرباع القرن من الشراكة والحلف  الواحد لم تحظ تركيا بالثقة لا من أوروبا ولا من أمريكا… ولن تحظى.

وعلى سبيل المثال منذ ثلاث سنوات وفرنسا تناقش مشروع تعليق بيع الأسلحة للسعودية بسبب تدخلها في اليمن وحتى الآن لم تصل إلى قرار… بينما خلال 24 ساعة من تدخل تركيا في سوريا قررت قطعيا تعليق بيع كل التجهيزات لعسكرية لتركيا. وكذلك أمر ألمانيا نسخة طبق الأصل تماماً وتلتها أيطاليا… ولا تنس الهيجان الأوروبي والأمريكي معه بطبيعة الحال ضد تركيا منذ بدء العملية، العالم الغربي كله يغلي وكأنه يتراقص في حمم فوهة بركان ثائر. ولا نتستعرض تفاصيل التصريحات الأوروبية في هذا الشأن فهي أكثر من أن يجمعها كتاب، ناهيك عن الإجراءات.

حتى أوروبا فقدت توازنها في هذا الشأن تحديداً.

المهم في الأمر أن الدب الأمريكي الأعمى هو دب أعمى حقيقة. تناقضاته مضحكة تدعو إل السخرية. وهذه التناقضات التي كان ترامب محرقتها تعبير عن مدى العجز الأمريكي وقلة الحيلة ونفاذ الرصيد. صحيح أن أمريكا أكبر قوة ضاربة في العالم ولا يمكن أن ننكر ذلك، وتستطيع محو دولة عن وجه الأرض بساعات، نعم أيضاً هذا صحيح، ولكنها كما شبهتها منذ نحو عشر سنوات في كتابي؛ عالم مجنون: المضحك المبكي في السياسة الأمريكية، هي مثل شمشون بيده الهراوة وحوله الأعداء ولكنه مصاب بالإسهال والنفخة… أي حركة يحركها تفرطه مثل الرمانة إذا فلقتها وأعطيتها كبسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الانتخابات اللبنانية الانهيار الشامل!

محمد سعيد سلام سياسي سوري تتشابك الأحداث والوقائع وقضايا المنطقة مع بعضها، ويؤثر …