أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / إيران.. وهم التمدّد وحقيقة “الهلال”

إيران.. وهم التمدّد وحقيقة “الهلال”

ياسر الحسيني

كاتب وإعلامي سوري
عرض مقالات الكاتب

حينما أطلقت ( داعش) شعارها الشهير “باقية وتتمدّد” ، كان الكثيرون وأنا من ضمنهم ، يعلمون تماماً أنّ تنظيماً يحمل في طيّاته كلّ عوامل الفشل والإنهيار، لايمكنه التمدّد ولا الإستمرار .. فما هي حقيقة ذلك الشعار، وإلى من يعود بالفعل ومن هو الذي يقف ورائه، ويعمل عليه في السرّ ؟

وبنظرة تحليلية متأنّية لتنظيم ” الدولة الإسلامية في العراق والشام ” ربما نستطيع الوصول إلى إجابة مقنعة وأقرب إلى الحقيقة ، ونبدأ من التسمية ، لنسأل ماسبب حصر التسمية في العراق والشام، وهذه المنطقة المستهدفة من التنظيم ، أليست هي ذاتها المستهدفة من إيران لتستكمل هلالها”الشيعي”؟

لقد بات معلوماً لدى الجميع كيف نشأ التنظيم ومتى، وللتذكير فقط بالاتهامات التي لاحقت التنظيم منذ البداية بارتباطه الوثيق بإيران، وأن معظم عناصره إما تدرّبوا في معسكرات تشرف عليها المخابرات الإيرانية أو الحرس الثوري الإيراني، و أنّ قيادات منهم ينتمون للمخابرات “الجويّة” التابعة للنظام السوري، أو من المنتسبين للمخابرات العراقية أو الميليشيات الشيعية.. وكلّ أولئك يرتبطون بالنهاية بإيران.

ولا ننسى الذين تمّ تهريبهم (تموز/2013) من سجني أبو غريب والتاجي في العراق، تحت نظر وسمع الأجهزة الأمنية العراقية، ورغم الحراسة المشدّدة له، الأمر الذي دفع وزارة العدل العراقية لتوجيه الاتهام بشكل صريح للأجهزة الأمنية وإدارة السجن بأنّهم من سهّلوا هروب ما يقارب (600) سجين في ليلة واحدة، وأنّ أرتالاً من السيارات “رباعية الدفع” المصفّحة قد تم استخدامها في عملية الهرب، ولا يمكن أن تتم العملية بهذا الحجم لولا تواطئ ومساعدة المسؤولين عن حراسة وأمن السجن، وأن رئيس الحكومة (نوري المالكي) له يد في ذلك. هو نفسه المالكي متّهم أيضاً بتسليم الموصل للتنظيم وفضيحة سقوط قاعدة (سبايكر) العسكرية بيد “داعش” بكامل أسلحتها وعتادها الثقيل في (حزيران/2014).

ذات المشهد حصل في سوريا، حين سلّم النظام مطار (الطبقة) العسكري، بعد مغادرة ضباطه وطياريه على متن طائرة شحن روسيّة كانت محمّلة بكميات كبيرة من أصناف الذخائر، وبعد أن أفرغ الجنود الطائرة، أقلعت بالهاربين الذين تركوا لجنودهم مهمة الدفاع عن المطار المحاصر من قبل (داعش)، ولكن سرعان ما أحسّ الجنود بالخديعة التي أوقعهم قادتهم فيها، عندما فتحوا صناديق الذخيرة ليكتشفوا بأنّها ليست مخصّصة لأصناف الأسلحة التي يستخدمونها، ما عجّل بانهيار معنوياتهم واستسلامهم…. لقد كانت الذخيرة لداعش زوّدتهم بها طائرة شحن روسيّة !!!.

تلك الأحداث جاءت كمقدّمة لإطلاق ذلك الشعار “باقية وتتمدّد”، ولكن هل كان الشعار للتنظيم فعلاً؟ أم أنّه شعار لمن يقف وراءه؟ شعار يتبنّاه الحرس الثوري الإيراني منذ نشأته في عهد الخميني، الذي أعلن أنّ ثورته لن تقف عند حدود إيران، وسيصدّرها للدول الإسلامية، وكان يومها يقصد العراق، فشنّ الحرب عليها على مدى ثماني سنوات، ولكنه خرج منها مهزوماً رغم مساندة (إسرائيل) له، التي زوّدته بكل أنواع السلاح وقطع الغيار لطائراته الأمريكية الصنع.

حقيقة الهلال الشيعي :

منذ وصول الخميني إلى طهران عام 1978، بدأت فصول المؤامرة الصهيونية على الأمة العربية تتضح، وكان لابد من تغلغل إيراني في المنطقة تحت غطاء الدين، لربط طهران بتل أبيب جغرافيّاً بدءاً من جنوب لبنان، فجاء الإجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، الذي أخرج المقاومة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية كليّاً من لبنان، ولم يكن ذلك ممكناً لولا مساعدة الجيش السوري الذي كان متواجداً على الأراضي اللبنانية بغطاء من الجامعة العربية، الذي ساهم بحصار معاقل المقاومة الفلسطينية حتى سقطت (تلّ الزعتر)، مما اضطر ياسرعرفات إلى الرضوخ للمطالب الإسرائيلية والخروج نهائيّاً من لبنان، ولم تنسحب الدبابات الإسرائيلية من بيروت باتجاه الجنوب اللبناني، إلّا بعد أن ضمنت ولادة (حزب الله) الذي سيكون دوره السيطرة على لبنان فيما بعد، وبالتنسيق مع سوريا التي كان واضحاً أنها قد أصبحت هي وإيران في خندق واحد.

كلّ ذلك حدث والعراق منشغلٌ بحربه مع إيران، ومع انتهاء الحرب عام 1988، أصبح العراق هو العقبة الوحيدة أمام تحقيق المشروع “الصهيوشيعي”، وكان لابد من تدخّل قوى عظمى لإسقاط نظام (صدام حسين)، فكانت حرب الخليج الثانية، التي حشدت لها الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من ثلاثين دولة بما فيها دولاً عربية من ضمنها (سوريا)، من أجل تحرير الكويت 1990 بعد احتلالها من قبل الجيش العراقي بنفس العام.

وبعد انسحاب القوات العراقية من الكويت مطلع عام 1991، تمّت محاصرة العراق بحجة إمتلاكه “أسلحة دمار شامل” وأصبح خاضعاً لفرق التفتيش الأممية، المسلّحة بقرار من مجلس الأمن تحت البند السابع، بغية إنهاكه وإضعاف قدراته العسكرية والاقتصادية، تمهيداً للإجهاز عليه، وهذا ما حصل، فبعد حصار خانق دام ثلاثة عشرة عاماً، قامت الولايات المتحدة الأمريكية ومعها بريطانيا واستراليا وبعض الدول الغربية بغزو العراق عام 2003، ومن ثم حلّ المؤسسات الحكومية وعلى رأسها الجيش والأمن والشرطة، لإعادة تشكيلها على أسس طائفية بما يخدم المشروع (الإيراني ـ الإسرائيلي)، الذي بدا أنّه يسير كما خُطّط له، مما دفع إيران للقيام بحملة تطهير مذهبية واسعة في العراق ضدّ السنّة، بحجة انتماءهم لحزب (البعث) أو إلى تنظيم القاعدة، وترافق ذلك بحملة “تشييع” علنية في سوريا، بمباركة من نظام بشار الأسد، الذي كان يقدّم التسهيلات للشركات الإيرانية للتغلغل إقتصادياً، وفي لبنان كانت إسرائيل قد منحت “نصراً” مجانيّاً لحزب الله بانسحابها من الجنوب عام 2000، ليبدو الأخير “البطل” الوحيد في المنطقة الذي حقّق ما عجزت عنه الجيوش العربية والمقاومة (اللبنانية والفلسطينية).

عام 2005  تمّت عملية اغتيال (رفيق الحريري) من قبل حزب الله والنظام السوري، الذي كان يقف عائقاً أمامهما لما يمثّله من شخصيّة وطنية وسنيّة تحظى بشعبية واسعة في كل المجتمع اللبناني، واحتراماً دوليّاً قلّ نظيره، الأمر الذي جعل سيطرة “حزب الله” على لبنان أمر يصعب تمريره بوجود شخصيّة بحجم وثقل الحريري، فكان لابدّ من التخلّص منه، فكانت عملية التفجير الرهيبة وسط بيروت التي أدّت إلى مقتله والعديد من الشخصيّات البنانية الذين معه.

ثورة الأرز التي أشعلها الشعب اللبناني إثر حادثة الاغتيال، دفعت المجتمع الدولي لامتصاص تلك الغضبة العارمة بإصدار قرار من مجلس الأمن (1559)، يقضي بخروج القوات السورية ونزع سلاح حزب الله، فتمّ تنفيذ الشقّ الأول وخرجت القوات السورية، أمّا ما يتعلق بسلاح حزب الله فقد تكفّلت (إسرائيل) بشرعنة وجوده، عندما شنّت حربها على لبنان في تموز 2006، وما تلاها من تداعيات في الداخل اللبناني، وقيام عناصر الحزب باحتلال بيروت (أيار2007) وتنفيذ عمليات اغتيال طالت العديد من السيايين والمفكرين اللبنانيين المعارضين الذين كانوا يطالبون بتنفيذ القرار الأممي  1559بكلّ بنوده، نذكر منهم (الصحفي سمير قصير، صاحب جريدة الحياة جبران تويني، القاضي وليد عيدو وابنه، السياسي جورج حاوي وغيرهم)، ومحاولة اغتيال الإعلامية مي شدياق والسياسي البارز مروان حمادة. كلّ ذلك فعله حزب الله لإحكام سيطرته على القرار السياسي اللبناني، وكذلك قرار الحرب والسلم مع إسرائيل ” الصديقة الخفيّة”.

 عندما اندلعت الثورة السورية (آذار2011 )، كانت إيران قد استكملت سيطرتها ونفوذها على كلّ من العراق وسوريا ولبنان، فوجدت نفسها معنية بالتصدي لثورة الشعب السوري بكل ماتملكه من نفوذ وقوة، كما رأتها فرصة ذهبية للانقضاض على المكوّن السنّي من الشعب السوري، الذي يشكّل الأغلبية الساحقة، فأوعزت لذراعها في لبنان للتدخل ومساعدة النظام السوري في عمليات الإبادة والتهجير، وكان لابدّ من مبرّر لذلك التدخل “الطائفي”، فتمّ استجلاب القاعدة بشقّيها “جبهة النصرة” و”داعش”، فوقعت الثورة السوريّة بين فكّي كمّاشة “التكفيريين” من الجانبين، وتم ذبح الشعب السوري من الطرفين، فاضطرّ الأهالي إلى ترك بيوتهم ومزارعهم والهرب إلى دول الجوار، وهذا ما كانت تسعى إليه وتتمنّاه كلّ من إسرائيل وإيران، منذ قدوم الخميني من منفاه (فرنسا).

“باقية وتتمدّد”.. هو حلم إسرائيل وشعارها قبل أن يكون حلماً إيرانياً، ولكنّ إسرائيل تدرك جيداً صعوبة تنفيذه، لأسباب عديدة أهمها، أنّها لا تستطيع التغلغل في المجتمعات العربية الرافضة لفكرة وجودها أصلاً، وكذلك عدم قدرتها على تحمّل تكاليف هذا التدخّل إن كان بشريّاً أو ماديّاً، فكان لابدّ من الإستعانة بطرفٍ يستطيع التغلغل تحت ستار الدين ولديه أحقاد تاريخية وأطماع توسعيّة، تجعل منه الشريك “المفضّل” للقيام بما لا تستطيع إسرائيل فعله .

أخلص إلى القول بأنّ الفكرة (صهيونية) بالمطلق، وأدوات التنفيذ على الأرض هم (النظام السوري، حزب الله، قسد وحدات حماية الشعب الكردي، داعش، النصرة، الحشد الشعبي العراقي، الحرس الثوري الإيراني، الشيعة الأفغان، الشيعة الشيشان، والكثير من المرتزقة الأجانب)، وفي السماء ( طيران التحالف من معظم دول الغرب، والطيران الروسي، وطيران النظام)..ولربما دول الخليج قد وصلتها رسائل تطمين من إسرائيل، بأنّها غير طامعة بأكثر من التطبيع معهم، ولا تسعى إلى زعزعة عروشهم ، وهذا ما قد يفسّر معظم مواقفهم تجاه الربيع العربي ، وتجاه التدخّل الروسي في سوريا، وتخلّيهم عنها كما تخلّوا من قبل عن العراق، وقد نجد في ” السيف الدمشقي ” الذي قدّمه ملك البحرين هديّة لبوتين ما يعلّل ذلك .

كلّ أولئك اجتمعوا لخدمة مشروع إسرائيل” الكبرى”، التي لا زالت ـ رغم دعم الغرب والشرق ـ تخشى (الزوال)، الذي سيحصل لا محالة، أمّا إيران فلن تحصد سوى الخيبة، ولنا في ثورة العراق اليوم خير دليل..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الشرق الأوسط الكبير وعودة ظاهرة الأحلاف!

صلاح قيراطة كاتب وباحث سياسي كنت جريئاً عندما كنت سبَّاقاً وربطت بين  الربيع …