أخبار عاجلة

العراق والثورة المستحيلة!

أحمد الهواس

رئيس التحرير

عرض مقالات الكاتب

سألني أحد الإخوة العرب كيف تنظر للثورة التي تتصاعد الآن في العراق ، وإلى أين ستنتهي ، وكيف تنظر لبيان هيئة العلماء المسلمين في دعم الحراك الشعبي ؟

قلت أرد من خلال خبرتي المتواضعة  في هذا الأمر ، رغم أن المشهد العراقي معقد جدَا وليس بالسهولة فهمه !

ولكن دعني قبيل الرد أن أسرد لك أمورًا كنتُ شاهدًا عليها أو متفاعلاً معها بحكم عملي الإعلامي .

قبيل الانسحاب الأمريكي من العراق ، كان بعض محللي الشأن العراقي من العراقيين يقولون : إن انسحبت أمريكا فكل من ترونه الآن “في العملية السياسية” سيهرب إلى طهران ، بل سيدفع كل واحد منهم قيمة السفر وقوفًا على رجليه في “الكوستر” ألف دولار لكل نفر ، حسب تصريح رافع الفلاحي المحلل السياسي لدى هيئة علماء المسلمين !

في ذاك الوقت ، كنّا نقول إن هذا الذي نسمعه ناتجٌ من أمرين :

  • إمّا أن ثمة يقينًا بانهيار تلك المنظومة التي جاءت مع المحتل
  • أو أنّ ثمة نظامًا يعمل تحت الأرض سيظهر بمجرد خروج الأمريكي!

وخرج المحتل ولم نر ما بشّر به الفلاحي وغيره ! فأين الخلل ؟ هل يكمن في بيع الوهم للناس أم في قوة النظام الجديد ؟

وحادثة أخرى مهمة أرويها ، عندما اندلعت الثورات العربية ، تجمّع بعض العراقيين في ساحة التحرير ببغداد في 25 شباط فبراير 2011 للمطالبة ببعض الخدمات ، وقد ظهر المالكي وحدد مئة يوم لتنفيذ تلك المطاليب ، وقد جاءنا توجيه في وقتها من الهيئة أن نعلن أن في العراق ثورة ، هي ثورة الخامس والعشرين من شباط ، وعدم التعرض نهائيًا للثورة السورية ! وفعلاً بقيت قناة الرافدين تعزف على هذه الثورة – غير الموجودة – لنحو سنة وتستضيف شخصيات وتخترع تنسيقيات وتبث برامج خاصة بالثورة ولا وجود لثورة ، بل ثمة احتجاجات شعبية لطلبات خدمية وانتهت في أيام !

إلى أن جاء عام 2013 وكنّا أمام ملامح ثورة سنية ، وإن كانت طلباتها ليست بالمستحيلة ولا تؤدي إلى قلب نظام الحكم ، بل طلبات محقة ومنها إزالة المادة “4” إرهاب التي ابتلعت شباب السنة بالإعدامات المتكررة ! فقد تجمع أبناء المدن العراقية السنة أو ما عُرف وقتها بالمدن الست التي تجمع الناس في ساحاتها واعتصموا “سلميًا” ليل نهار فيها ، وقابلوا الجيش بالورود ووضعوا لهم أطايب الطعام – والعراقيون لا ينافسون في كرمهم وسخائهم – فما كان من المالكي إلاّ أن ظهر في خطاب مهددًا المعتصمين في الساحات مستلهمًا روح الحقد الطائفية :

بيننا وبينكم بحر من الدماء ، وأنها معركة بين أتباع الحسين وأتباع يزيد !

استمر اعتصام السنة السلمي نحو ستة أشهر ، يحدوهم الأمل أن تستجيب لهم الحكومة في بغداد أو أن يتفاعل معهم الشارع العراقي ولا سيما “الشيعة” لتكون ثورة شعبية سلمية في العراق ، ولكن لا حياة لمن تنادي ، ولكي تتم حرب أنصار الحسين ويزيد كما اطلق عليها المالكي كان لابدّ تخليق الوحش السني “داعش”

كانت الكلمة الطائفية مفتاح السرّ في العراق ، فتمّ تحشيد “الحشد الشعبي” والصواب “الشيعي” بفتوى السيستاني بالجهاد الكفائي وعُرف الحشد بالحشد المقدّس !

حين تمّ إسقاط نظام صدام حسين كان لابدّ من العزف على مظلومية الشيعة حتى يستجيب أبناء الشيعة لتلك الدعوة، والحديث هنا عن الشيعة العراقيين ككتلة واحدة خطأ كبير ، فهناك منهم من يتماهى مع المشروع الوطني العراقي ومنهم العروبيون الرافضون للتدخل الإيراني، وبقطع النظر عن نسبتهم وعددهم إلّا أنّ الحقيقة المؤلمة أنهم ضعفاء من حيث التنظيم والمال أو الوجود على الأرض ضمن قواعد ما يسمى العملية السياسية التي جاءت بها أمريكا فالتهمة جاهزة الانتماء للبعث المجتث!

حين اجتاحت “داعش” الموصل وصلنا تعميم أنّ ما يحصل في العراق ثورة شعبية يقودها المجلس العسكري ومجلس العشائر، وقد تم استضافة أشخاص عبر الهاتف يتحدثون عن بطولات هذه الثورة، في وقت كان إعلام داعش يتحدث عن بطولات أسود الدولة الإسلامية والتقدم في الشمال! حتى تمّ تهكير موقع الهيئة من قبل داعش! حينها سألنا ما الذي يحصل؟ كان الجواب: ثورة في العراق! حتى أغلقت السلطات المصرية قناة الرافدين في شهر يونيه 2014 بطلب من السلطات العراقية، وكنا نسأل أنفسنا لماذا لا تصرح الهيئة بأنّ داعش هي من اجتاحت مدن السنة ؟ وعم زعيمها أحد أبرز قيادات الهيئة ، وزعيم داعش كان زميلاً  للمسؤول الإعلامي للهيئة في الجامعة، بل قيل إن من أشرف على إبراهيم البدري في الدراسات العليا أحد أعضاء الهيئة .

وقد كان تفسيرنا في وقتها إنّها تصبّ في کره حكومة المنطقة الخضراء والنفوذ الإيراني، أو كما كان يقول بعض محلليهم إن داعش لا تشكل 10 بالمئة من الثورة الحاصلة في العراق ، علمًا أن الهيئة لا تستطيع تحريك الشارع العراقي بشكل عام ولا الشارع السني ، وليس لها تأثير فعلي على السنة .

بعيدًا عن التفسيرات والتقاطعات التي حصلت فإننا أمام مصيبة حلّت بسنة العراق فقد دمّرت مدنهم وشرد أبناؤهم ومنع عليهم دخول بغداد إلا بكفلاء ، واجتمع العالم داعمًا لحكومة المنطقة الخضراء بعد إجراء تعديل لا قيمة له بإزاحة المالكي وتولية العبادي وبدأت حرب الطحن بالسنة!

لم يعد مجديًا الحديث عن تشكل داعش ، ولا عن تمويلها ، ولا عن نتائج تحطيمها أو تبخرها إن صح التعبير ، ولكن ما كشفت عنه من حقيقة واضحة أن أي تغيير يبدأ من السنة فهو إرهاب ، وأي حراك شيعي فهو تغيير أو ثورة لا يهم ، لكن المهم أنّه يتم برضاء الحوزة أو تحت عينها وهو تغيير في الوجوه ولا يغير في النظام الذي تم بناؤه على عين المحتل ..

كان العراق بنظامه السابق عقبة كأداء في تحقيق التمدد الإيراني  بعد الثورة الخمينية ، هذا التمدد  الذي سيحقق أمن إسرائيل ، ولا يتحقق ذلك إلاّ بتفكيك العراق اجتماعيًا وليس جيوسياسيًا ، ليستمر بعد ذلك إلى ما بعد العراق ، وقد سُكت المصطلحات الثلاثة “شيعة ، سنة عرب ، أكراد” قبيل غزو العراق فقد ظهرت في مؤتمري لندن وصلاح الدين قبل غزو العراق بنحو سنة ! ولا يمكن لقوة أن تفعل ذلك مع أمريكا أو تتعاون على فعل ذلك إلا إيران ، ولهذا كان الغزو للعراق غزوين أمريكي زائل وإيراني باقٍ !

لقد بنت أمريكا في العراق دولة عميقة من نوع جديد  غير مألوف في البلاد العربية ، هي دولة الحوزة فلا تغيير في العراق إلاّ برضاء المرجعية ومباركة “السيستاني” الرجل الذي لم يتكلم منذ عقد ونصف وكل السياسة العراقية داخليًا وخارجيًا تدور وجودًا وعدمًا برضائه ! هذه الدولة مرتبطة عضويًا بإيران بشرط أساس أن تبقى المرجعية فيها للعجم وليس للعرب ، ونحن هنا لسنا بصدد التفريق بين الشيعة العرب والشيعة العجم ، فالتشيع هو التشيع وفقهه معروف وأدبياته الدينية والإشكال “الحالي”بين فرق الشيعة يكمن في ولاية الولي الفقيه التي أتى بها خميني بين مؤيد ومعارض لها ، وهي- أي ولاية الولي الفقيه –  استلهام لما قاله الجزيني قبل سبع مئة عام !

فالغاية أن تكون السيطرة في العراق لإيران ، وهذه السيطرة تشمل جميع الأحزاب الدينية الشيعية وقادتها ، وقد تنبه يومًا أحد ساسة الشيعة ممن كان يحاول تقديم نفسه أنّه أقرب للعلمانية “أحمد الجلبي” إلى إمكانية تزعزع هذا التحالف أو المنظومة الناشئة  فأسس البيت الشيعي وهو دعوة صريحة وواضحة لضرورة بقاء الحكم في هذا البيت مهما بلغت الخلافات !

الشيء الذي نحاول القفز عليه أن العراق آل لحكم شيعي برغبة أمريكية ، وأن هذا التمدد الإيراني في سورية ولبنان واليمن والذي قد يتمدد لأماكن أخرى كان برضاء أمريكي ، فقد تمّ تحطيم الوطنية العراقية من خلال الغزو الأمريكي وهذا التحطيم لم يكن على  مستوى عرقي- كما أفاد الأكراد من ذلك –  بل ضرب في الكتلة الكبرى في العراق “العرب” وحولتهم إلى سنة عرب ، وشيعة دون صبغة قومية لتبقي الانتماء الطائفي عند التركمان الشيعة والأكراد الشيعة محسوبًا على الشيعة ، وأغلقت الباب على السنة بوصف العرب السنة ، وكتلة قومية “الأكراد”

القوة الحقيقية الآن في العراق تقُسم بين قوتين قوة تملك التأثير الروحي والمال والسلطة وهي قوة الحوزة بأذرعها الطائفية المختلفة ، وقوة أخرى كانت تحكم وهي الكتلة البعثية ، حيث تمّ إزاحتها بالقوة لأنّها عابرة للطائفية ، وعابرة أيضًا للحدود الجيوسياسية للعراق ، وبقطع النظر عن موقفنا من البعث فإنّه يبقى القوة الوحيدة التي يمكن أن تستعيد العراق ولكن إصرار قادته على البقاء تحت مسمى البعث شكّل ومازال مانعًا لوجودهم السياسي على الأرض ، ولو اتبعوا سياسة نجم الدين أربكان في جعل الحزب وسيلة وليس غاية لحققوا مرادهم بصناعة حزب آخر باسم آخر وأعادوا تجميع أنفسهم في حزب عابر للطائفية .

إنّ ما يحصل في العراق الآن سيبقى تحت سقف موافقة الحوزة -أي إيران – ولهذا سيكون تغييرًا في الوجوه ، وإذا لم يثر العراقيون ضد الحوزة وعمائمها والأحزاب الدينية التابعة لها فلا ثورة في العراق ، وإنما هي تغيير وجوه بوجوه ترضى عنها الحوزة ، فالمنظومة التي بنتها أمريكا في العراق لن تسمح بتغييرها ، والمسموح هو عمليات تجميل فقط ، هذه العملية قد تأتي عن طريق انقلاب أو شيء مشابه لذلك ، ولكن سيكون تحت عين الحوزة وبالتالي تحت عين إيران .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الانتخابات اللبنانية الانهيار الشامل!

محمد سعيد سلام سياسي سوري تتشابك الأحداث والوقائع وقضايا المنطقة مع بعضها، ويؤثر …